حين سُئل الكاتب الروسي مكسيم غوركي، صاحب رواية
«الأم»: « لماذا تكتب؟» أجاب: «أكتب كي أحتج»؛ أما حين طُرح السؤالُ نفسه على صاحب
«الخبز الحافي»،
فأجاب بلا مواربة: «أكتب كي أُمنع».
فعلا، إن الحرية كانت دائما (وستظل) حنجرة لا تصمت
عندما تتحول الحياة، على يد الطغاة والملائكة، إلى نسق غفير من الإذلال المتعاقب أو
التحطيم السعيد؛ فلا شيء يمكنه أن يريح الكاتب من اليأس، ومن البحث البارد عن مكان
لذيذ بلا عسس. لاشيء يمكنه أن يعتقل صرخته من ذلك الانقياد «التلقائي» إلى عواميد الموت،
حيث يُتلى على مسامعه حكم الإعدام كي لا تشرق عليه شمس. لاشيء على الإطلاق يرحم في
هذا الجحيم الواسع، حتى كأن الكاتب مجرد كيس مغلق على مليون قطة جائعة، فلا تخرمش،
وهي تحاول الإفلات من الظلام، إلا لتثخن جلد الكيس..
الكاتب ليس حرا، ولا يمكنه أن يكون كذلك إذا كان
يدرك أنه معتقل، وأنه محاصر، وأنه مهدد بالقتل. الكاتب يقع خارج اهتمام وزارة الحريات،
وخارج قرارات الأمم المتحدة.. إنه مطارد من الجميع، من الفقهاء والحكام ورعاة البقر.
وهو مطارد من كل هؤلاء لأنه يشحذ سكاكينه بكل هدوء، لأنه ليس مأهولا فقط بأغاني الحب
والفراق والبحر والنوارس.. بل إنه، على وجه الدقة، أرض خصبة لزراعة الفيروسات والجماجم
والتوابيت. الكاتب الحر هو الكاتب الملعون المحشو بالمبيدات الحشرية.. ذاك الذي تستيقظ
في حواسه الأشغال الشاقة المؤبدة، ذاك الذي يحلم بالمعاصي بسعادة بالغة. لا حرية بدون
عصيان، وبدون ألم. ليس جديرا بالحبر الغامق من لا تهوي الأبواب خلفه، وتئن الأرض تحت
قدميه. إنه ذاك الذي يقول: «أيَّتُها الشمس لماذا ترتعشين من البرد». الكاتب الحر هو
الكاتب الذي يكسر زجاج جميع النوافذ لينتشر الهواء. هو ذاك الجناح الهائل الذي يحطم
كل الأقفاص، رغم أنه يدرك أن سماءه معبأة في زجاجة حارقة.
إن الكاتب الحر يتحرك في الأرض لأنه يدرك أنه ثائر
حاد كالمقصلة وساخن كالحمى.. لكن دون أصوات عالية. ذلك أن الأصوات العالية- كما يقول
الشيخ عبد الله القصيمي- هي «الثمن السخي الذي تهبه الثورات للمجتمعات التي تصاب بها،
إن الأصوات العالية هي العقاب الغوغائي الذي تعاقب به كل ثورة أعصاب ووقار مجتمعها».
لا يمكنه أن يكون وسادة للسفاحين الذين تحتشد جيوبهم بالجثث، ولا سريرا للغوغائيين..
إنه يعزف بشكل مفرد على أوجاعه ويأسه، ويدرك أن الحياة مجرد سفينة محملة بالجثث، وأن
الحقيقة الوحيدة التي يعيشها كبشري هي الافتراس.
الكاتب الحر ليس مرشدا روحيا يمشي في الأسواق، ولا
ناسكا متعبدا، ولا صاحب رسالة، ولا يدافع عن الحرية باسم العقيدة أو المذهب أو الدفاع
عن العدل والحريات، لأنه ضد السجود، كل أشكال السجود، ما دامت هي المشرِّعة لكلِّ أنواع
العبوديات الأخرى. ليس هناك كاتب حر، لأن الكتابة، في العمق، قناع. فحين قال فولتير:
« لست من رأيكم ولكنني سأصارع من أجل قدرتكم على القول بحرية»، يعلن اختلافه بفرح لا
يخلو من رغبة في إثارة الإعجاب. لكنه يخفي أن الاختلاف دحض وقتل للآخرين.. إنه نوع
من تسامح الأسد الشبعان تجاه طريدة جريحة تقع تحت المخلب..


