في الطريق للقارئ العدد 48 من فصلية "الجسرة الثقافية" التي تصدر عن نادي الجسرة الثقافي.
وفي افتتاحيتها التي تحمل عنوان "أول طلة" يشير رئيس مجلس إدارتها الكاتب إبراهيم الجيدة إلى أن المجلة تسعى إلى أن تكون جسرًا متينًا بين مشارق العالم العربي ومغاربه.
ويذكر أن هذا العدد هو لبنة جديدة في هذا البناء، وخطوة مهمّة في هذا المسار. فقد ضمّ بين دفّتيه ملفّا تذكاريّا ضخمًا خصّصه المشرف العام على تحرير المجلّة للتعريف بتونس، وجعله بمثابة سفرة تاريخيّة وثقافيّة وسياحيّة، ما ألذّها من سفرة!
يتحوّل أثناءها القراء في معالم تونس؛ أمكنة وأدبًا وفنًّا وحضارة. ولا يخفى ما لتونس في نفوس العرب أجمعين من منزلة مخصوصة؛ إذ ترتبط في ذاكرتنا بعراقتها في التاريخ، ومساهماتها في مسيرة الحضارة الإنسانية، وبما أنجبتهم من أعلام خالدين بدءًا من: ابن رشيق، وابن خلدون، مرورًا بـ: خير الدين التونسيّ، وصولًا، وليس آخرًا، إلى: أبي القاسم الشابي، ومحمود المسعدي.
وقد حرص الجيدة في هذه الافتتاحية على تحية الروائيّ والأكاديميّ التونسيّ البارز محمّد آيت ميهوب، الذي أمضى أشهرًا وهو يعدّ مع المشرف العام على تحرير "الجسرة الثقافية" لصدور هذا الملف عن بلده تونس، والتنسيق بين كتابه ومحرّريه، وكلهم مُبرّز في مجاله، حتى كان الملفّ على الصورة البديعة التي سيكتشفها القارئ، وهو يقرأ مقالات تسعى للتعريف بأربع مدن تونسيّة، وأخرى تتدارس جوانب مهمّة من تاريخ تونس، وأدبها المدوَّن بالعربيّة والفرنسيّة أيضًا، وفنّها التشكيليّ، وتنوّعها الحضاريّ.
وأكد الجيدة أن المجلة ستعمل في قادم أعدادها، على تخصيص ملفّات أخرى تصطحب فيها قراءها إلى مختلف الدول العربيّة؛ ومرامها في ذلك أن تروي قصة الإنسان العربي في الزمان والمكان، وتصل ضفائر نسيج الثقافة العربية بعضها ببعض؛ هذا النسيج المتنوّع في وحدته، الواحد في تنوّعه.
ويبسط محمد آيت ميهوب الفلسفة التي حكمت العمل في إنجاز هذا الملف الضخم بقوله:
إذا كانت بك رغبة أيّها القارئ الكريم في أن تزور تونس، ففي هذا الملف بغيتك. وإذا كانت نفسك لا تقنع من زيارة تونس ببحرها وخضرتها وأسواقها وتتطلّع إلى أن تغوص في أعماقها وتجمع حصّة من لآلئها الكِثار حضارةً وتاريخًا وتجاربَ إنسانيّة، ففي هذا الملف بغيتك.
يأخذكم هذا الملف في زيارة إلى أربع مدن تونسية هي: تستور والقيروان وتوزر وجربة. ومن ينظر في خارطة تونس يجد أنّ هذه المدن قد توزّعت توزعا "عادلا" متوازنا على مختلف مناطق البلاد التونسية، فتستور تقع في الشمال التونسي، والقيروان في وسط البلاد، وتقع توزر وجربة في الجنوب، الأولى في الجنوب الغربي والثانية في الشرقيّ منه. بيد أنّ التوزّع التاريخي والحضاري أهم في الحقيقة من التوزع الجغرافي. فتكاد كل مدينة تختص بطابع حضاري واجتماعي متميّز ويسجل تاريخ كل واحدة مرحلة حاسمة من تاريخ تونس القديم والحديث والمعاصر. إنها فسيفساء من المدن، هي صورة أخرى صادقة من تونس المتماثلة في تنوّعها، المتعدّدة في وحدتها.
هي مقالات أربع يشتمل عليها هذا الملف كتبها أربعة أدباء تونسيّين لم يتحدّث أيّ منهم مع الآخرين في شأن ما سيكتبه، بل إنّ أغلبهم لم يكن على علم بمن يشاركه مهمّة إنجاز هذا الملف، ومع ذلك فإنّ القارئ سيلاحظ وجود تقاطعات مهمّة بين المقالات الأربع رغم أنّ كلّ مدينة من هذه المدن الأربع تختصّ، كما أسلفنا، بميزات تجعلها متفرّدة من دون الأخريات.
ولعلّ تفسير هذا التقاطع بين المقالات عائد إلى ما يستشفّه القارئ من حبّ جارف يربط كتّاب المقالات كلٌّ بالمدينة التي كتب عنها، ولعلّه عائد كذلك إلى أنها تستقطبها جميعا رواية حكاية الإنسان في تفاعله مع الزمان والمكان. وما تاريخ المدينة في نهاية الأمر، بل ما طبيعتها وما حضارتها وما معمارها وما غناؤها وما طعامها إن لم تكن وجوها من وجوه هذه الحكاية التي ما زالت تتردّد وتكبر وتطول كلّما امتدّ وجود الإنسان في الأرض، واستمرّ تمزّقه بين الواقع والمثال؟
وبدوره يشير المشرف العام على تحرير "الجسرة الثقافية" إلى أن هذا العدد، غير مسبوق في مجلاتنا الثقافية العربية التي قدمت تجليات الثقافة التونسية، فهو يضم أيضًا: مقالًا مهمًا عن تاريخ تونس وما عصف بها من حروب وثورات عبر الزمن كتبه الدكتور عبدالبديع عبدالله، ويزدان غلاف العدد وصفحاته بلوحات لفنان الخط العربي "نجا المهداوي" التونسي الذي حقق سمعة دولية في مجال الحروفية، مع دراسة كاشفة بقلم الدكتور خليل قويعة تكشف مقومات عبقريته كواحد من أهم فناني الخط العربي المعاصرين في العالم، ودراسات أخرى حول "قصر النجمة الزهراء" الرابض في سيدي بوسعيد الذي يعتبر فضاء لفنون الموسيقى العربية والمتوسطية، ودراسات عن الأدب التونسي المكتوب بالفرنسية وتجليات الثقافة الأمازيغية وانصهارها في المجتمع التونسي، وأمور كثيرة أخرى.
وتحافظ "الجسرة الثقافية" في عدد صيف 2018 على توجهها الرئيس، وتبويبها الثابت؛ فتقدم في محور "نحن والآخر"، من خلال مقال الدكتور شريف مليكة من أميركا مقالًا حول جوجل وانتهاك الخصوصية، ومن خلال حوار العدد مع "خزعل الماجدي" المفكر العراقي المقيم في هولندا، ومقال الكاتب العراقي محمد المفتي المقيم في النرويج حول الكرامة الإنسانية عندنا وعندهم، وننشر للروائي ناصر عراق مقالًا بديعًا عن رمضان وأسرار السينما المصرية، بينما ننشر للكاتبة والمترجمة العمانية ريم داوود تأملها لواحد من نجوم السينما العالمية، ويكتب الدكتور خالد فهمي، لأول مرة على صفحات "الجسرة الثقافية"، عن اللساني .. بطلًا.
وتستهل "الجسرة الثقافية" عددها الجيد وتختتمه بتحية لروح موسيقار عربي بارز هو عبدالعزيز ناصر، الذي وضع بصمة على الموسيقى الخليجية، وإليه يرجع الفضل في تلحين السلام الوطني لبلاده.



