خاص بالمجلة
كتبت كثيرا وتحدثت أكثر عن
مناسبة عاشوراء كما عن غيرها من مظاهر ثقافة وحضارة مراكش. هذه المدينة التي تختزن
في كيانها وثنايا حياتها اليومية ومناسباتها الزاخرة موروثا عريقا غنيا شاسعا بديعا،
منحدرا إليها من عصور سحيقة توالت فيها أعراق وديانات ومعتقدات شتى وحضارات. موروث
متراكم يعتبر ثروة ثمينة تتسرب في كل لحظة من بين أيدينا وتذهب وتنسى وتمحي.
كما سبق لي أن حاولت تحليل
التقاليد والعادات التي تكونت بفعل تلك الوقائع التاريخية الاقتصادية الاجتماعية.
وبفعل التنوع البشري العرقي الذي عرفته مراكش باعتبارها ملتقى استراتيجيا لتحركات
الأمم القديمة والجديدة، المكتشفة والمهاجرة والعابرة للقارات والبحار. ثم كعاصمة
أمبراطورية عظيمة كادت ألا تغرب عنها الشمس، توافدت عليها ثقافات وحضارات من
الشمال والجنوب والشرق والغرب.
سأقوم اليوم بعملية رصد سريعة
وعابرة على حدث عاشوراء، كمناسبة تتداخل وتتراكب وتتوالى فيها وعليها مجموعة من
الوقائع والأحداث والأزمنة والتواريخ التي تجعلها غنية بمحمولاتها ودلالاتها، غنية
بالمشاهد والأفعال المتراكمة المتراكبة التي تظافرت لإنتاج ثقافة المجتمع المغربي
أو المراكشي تحديدا، المعبرة عن توغله في عمق التاريخ الإنساني، وعبوره على العصور
والحقب، وتفاعله مع التواريخ والحضارات والثقافات.
عاشوراء، أعياد ومناسبات
ودلالات متعددة
عاشوراء ليست كالأعياد
الأخرى موحدة الهدف والمناسبة، بل حافلة بعدة مناسبات تضرب في عمق التاريخ، ربما
لا نعرف الكثير عنها أو نختلف في تنسيبها وتحليلها.
1 ـ إنه عيد الفنون
والموسيقى.
2 ـ وموسم تربية الذوق
الموسيقي والفني لدى المجتمع كباره وصغاره، ذكوره وإناثه.
3 ـ عيد الفرح والاحتفالات.
4 ـ عيد الأحزان والمآتم.
5 ـ عيد العمر والاحتفاء به
وتمديده.
6 ـ عيد الأطفال واللعب.
7 ـ عيد النساء ويوم
المرأة، أو فصل تحرير اختيارات المرأة، لأفعالها وفضاءاتها وعلاقاتها خلال مدة تبتدئ
من عاشوراء إلى المولد النبوي أي طيلة شهرين كاملين.
8 ـ وهو عيد الحرية والتحرر
عموما، والتمرد على القيود المفروضة.
9 ـ عيد النار واللهب والاحتراق،
أو عيد العتق من النار.
10 ـ وعيد زمزم ببركاته كماء
للحياة والانتعاش والأمل بعد القنوط.
11 ـ وعيد النجاة والسلامة من
الطغيان والطغاة .
12 ـ وعيد الماء كرمز
للخلاص والتطهر والنجاة
13 ـ عيد الموتى والتذكر
والرحمات.
14 ـ وعيد الزكاة والنماء والطهارة
والازدهار الاقتصادي للأمة والأفراد وبذل الأموال وإزجاء الصدقات.
15 ـ عيد التنمية وغزارة
الإنتاج والنعيم والرخاء.
16 ـ وعيد لتحصين المؤن
والأموال ودفع الكساد وشح الموارد والأرزاق والمخزونات.
17 ـ وعيد لدفع الأمراض
والمكاره والآفات وشبهها.
ويمكن أن أضيف أشياء أخرى
كثيرة.
عاشوراء، موسم الفرح الجماعي
فرح عاشوراء فرح جماعي
مهرجاني عمومي لا تغلق عليه الأبواب كباقي الأفراح والأعياد والمناسبات. بل هو فرح
في الشارع العام، وسط الناس، ومع الناس، وبين عموم الناس، وإطلاق للطاقات والإبداعات،
وتحفيز على الإبداع والفن، وتحرير للعناصر البشرية المكبوتة أو المغلوبة أو
المقهورة أو شبه ذلك.
1 ـ بدء التحضيرات الأولى
لعاشوراء:
في عيد الأضحى
ـ تنطلق تحضيرات عاشوراء
يوم ثاني عيد الأضحى، عندما تشرع الأسر في تقطيع لحم أضحية العيد، فتبدأ بنزع ذيل
خروف العيد ليكون انطلاق احتفالات عاشوراء. كما تحتفظ منه أيضا ببعض شرائح اللحم
وقطع الأحشاء والرئة وغيرها من مختلف أجزاء الأضحية، تشرحها وتتبلها وتجففها
لتستعمل كوجبة رئيسية تجتمع عليها الأسرة والعائلة في يوم عاشوراء.
ـ يحل موسم تربية الذوق
الموسيقي والذوق الفني عموما؛ فتشرع المجموعات الموسيقية الذكورية خاصة ابتداء من
اليوم الثالث أو السابع في تداريبها على عروض ليلة عاشوراء باعتبارها ليلة العرض
الكبرى.
2 ـ تحضيرات أخرى باستهلال
شهر عاشوراء أي شهر محرم
يحل يوم عاشوراء بعد شهرين
من يوم عيد الأضحى. فتتعبأ جميع الأسر والمهن دون استثناء للتحضيرات الكبرى لموسم كبير.
تحضيرات الأسرة المراكشية
تتهيأ جميع الأسر صغُر أو كبر شأنها، ويسَر أو
قتَر حالها، لعاشوراء. وتحرص على طقوسها.
ـ لا يستغنى الأفراد عن ارتداء
لباس جديد أو قطعة من لباس جديدة. ويشتري الأزواج ملابس جديدة وهدايا لزوجاتهم
احتفالا بالنساء، كما يشترون لأنفسهم ولباقي أفراد الأسرة كبارا وصغارا ملابس
جديدة.
ـ ولا تستغني الأسر عن
اقتناء "تعريجة" للأطفال، و"تعريجة" للنساء والرجال والشباب،
كل حسب الشكل والنوعية التي تناسب اللون الموسيقي الذي سيتعامل معه.
ـ التعريجة هي الآلة الموسيقية
الرئيسية لعاشوراء، تكاد تكون الوحيدة؛ فعاشوراء لا تتطلب آلات وترية أو غيرها،
ولكن آلات نقرية، وتحديدا التعريجة. في موسيقى الدقة تضاف قراقش وبندير وطارة. أما
في الألوان الموسيقية النسائية الأخرى فتضاف تعريجة ضخمة ذات صوت قوي مزنزن تسمى "دعدوع"،
وكذلك بندير، وبعض الفرق المتخصصة تستعمل الناقوس أو المقص.
ـ كما لا تستغني الأسرة عن اقتناء
لعب للأطفال.
ـ ولا غنى لأي أسرة كذلك عن
تهييء "القريشلات" وشراء ما تيسر من الفواكه الجافة قلت أو كثرت.
ـ ولا تستغني النساء عن
تهييء "القريشلات" أساسا، وهو نوع من الحلوى الخاصة بعاشوراء تحضر
منزليا. تفتل على شكل أصابع طولية، لتفص بالمقص على شكل حبات وتعبأ في
"طاوات" أي صحون الحلوى الخاصة بالفرن وترسل إلى الفرن لخبزها. وربما تحضر
النساء بعض الحلويات الأخرى الإضافية.
ـ بعض الأسر تدخل في حالة
حزن وحداد باستهلال شهر محرم، فتلبِس السواد وتمتنع عن الاغتسال وتغيير الملابس وشبه
ذلك حتى يوم الشعالة.
تحضيرات المهنيين
ـ كما تشرع عدد من الفئات الأخرى
في التحضيرات لطقوس عاشوراء قبل حلول الموسم أو بمجرد استهلال شهر محرم:
ـ المهنيون المختصون في
صناعة الآلات الموسيقية النقرية "التعارج" والصناجات من فخارين وخزفيين ودباغين
وجلادين وزواقين وحدادين ونجارين وغيرهم.
ـ تجار الملابس والأقمشة
والأحذية والحُلِيّْ وألعاب الأطفال وغيرها يهيئون ما تحتاجه الأفراح والأطفال
للاستعمال الشخصي أو لهدايا المناسبة.
ـ تجار الفواكه اليابسة
والتمور وشبهها وتجار الحنطة ومواد الحلويات. وكذا تجار المواد الغذائية وحاجيات
الكسكس والأفراح.
ـ تفتح السلطات الإدارية
فضاءات التجارة الموسمية لاستيعاب المعروضات الخاصة بالمناسبة سيما الآلات
الموسيقية وألعاب الأطفال والفواكه اليابسة.
ـ ويشرع فنانو الأحياء في تداريب
المرحلة النهائية على فن "الدقة" تهيُّئا لليلة المنافسة بين الأحياء
وتحديات الفوز.
ـ كما يتهيأ رياضيو الأحياء
وأشداؤها "العزاوي" بدنيا ونفسيا لليلة النجاة من النار.
ـ يهيئ الشباب والرياضيون كذلك
ساحة الشعالة. ويجمعون كومة الحطب لنار عظيمة.
ـ وتتهيأ الأفرنة باعتماد
فرانين خبراء لمواجهة حرص الأسر على إنجاح "قريشلاتهن"، وكذا لمواجهة
الضغط الذي يتسبب فيه التوافد الفادح على الأفرنة.
ـ ويحصر المعنيون حساباتهم
ويؤدون زكواتهم في هذا الشهر، يوم عاشوراء أو قبلها أو يوم الزيارة.
هكذا تنتهي مرحلة لتبدأ
أخرى، جزء منها احتفالات خاصة بفئات معينة، وهي أيضا احتفالات متخصصة بلون أو
ألوان مميزة من التقاليد والعادات:
3 ـ انطلاق احتفالات
عاشوراء
لكل يوم من أيام عاشوراء الخمسة
خصوصياته ودلالاته وأنشطته وطقوسه:
اليوم الأول: يوم "الشعالة"
1ـ أنشطة نهارية في يوم
الشعالة
أ ـ بعض الأسر التي تدخل في
حداد بدخول شهر محرم، تذهب إلى الحمام في
هذا اليوم وتنزع عنها الحداد، وتلبس ثيابا جديدة ملونة وترسل شعرها بدون ظفائر أو
غيرها وتدخل في حالة الفرح والزهو والانتصار، أو النكاية، أو الأمل.
ب ـ باقي الأسر تغتسل في
هذا اليوم أو قبله تهييئا للاحتفال.
ج ـ ولا غنى في هذا اليوم عن
أكلة ذات خصوصية ودلالة معينة؛ فيكون غداء أو عشاء الأسر المراكشية يوم عاشوراء "كسكس
الذيالة"، وهي ذلك الذيل المحفوظ من خروف عيد الأضحى، والذي جفف وحفظ لهذا
اليوم كي تجتمع عليه الأسرة أو العائلة أو الأصدقاء والأحباب والجيران، يحضر بأنواع
الخضر الطرية والقديد وأحيانا "الكرداس" الذي هو كتلة معدة من قطع الرئة
والشحم وغيرها تكوم وتلف داخل قطعة كرشة وتجفف.
2 ـ أنشطة ليلية: احتفالات
فئوية متخصصة
كل شريحة عمرية وجنسية وحتى
اجتماعية أو فكرية تحتفل بعاشوراء باستقلال عن الأخرى أحيانا، واختلاط وانسجام
وتداخل بينها أحيانا أخرى، لكن تجمعها جميعا بمجرد استهلال اليوم التاسع تعبيرات
الفرح والانشراح والأمل والتحرر والانعتاق، فكأنما هو استقبال عهد آخر يصنع فيه
الإنسان قدره الجميل وانتصاراته ويستعيد حريته المسلوبة، سيما حرية النساء، ويسلخ
الأحزان والأقدار السلبية وما جلبته من آلام.
أ ـ احتفالات الشباب
بعد العِشاء تنتقل الجماهير
لمشاهدة الشعالة في الفضاء الفسيح حيث توقد كومة الحطب ليعلو لهبها وزئيرها، فيقوم
أشداء الحي أي "لعزاوي" بعملية القفز العلوي عليها لتجاوزها والنجاة
منها.
ب ـ الاحتفالات الأسرية (الأنثوية)
أو احتفالات النساء والبنات
ـ تحضر "الفاكية"
بخلط أنواع الفواكه الجافة من جوز ولوز وتمر وزبيب وغيره ب"القريشلات المحضرة
منزليا، وتعبأ في صينية كبيرة أو مائدة خشبية بحواشي دائرية مرتفعة تسمى
"ميدة الطارة". ويوضع أحيانا لفخامة المشهد عند التقديم، غطاء مخروطي نحاسي
لصينية النحاس أو من الدوم لمائدة الطارة.
ـ تلبس الأسر ملابسها
الجديدة رمزا لتجديد الحياة ولطول العمر، فتكتحل النساء وتتزين، وتلبسن أجمل ما
عندهن، وتحل النساء والبنات خصوصا ظفائرهن وتطلقن شعورهن لتطول وتبهى، أو لسبب آخر
سياتي ذكره.
ـ وتضع الأسرة صينية الشاي
و"طيفور الفاكية" أو "مائدة الطارة" المملوءة بالفاكية، التي توزع
على الحاضرين كل يأخذ نصيبه ليحتفظ به أو يستعمله كيفما يشاء ووقتما يشاء.
ـ يلتحق أغلب الرجال
بمهرجان الدقة لحيهم. بذلك تستخلص الدروب عادة للنساء لتنخرطن في زمن الموسيقى
والعزف والغناء والانطلاق والتحرر والفرح، مرددات أهازيج مختلفة. ومع الفرح تتسلل
بكائية لحنها نائح متألم حزين تنوح على بابا عاشور قائلة:
آهيا عيشــوري وحليت عليك شعوري.
كَد حبال الجرارة كَد
خيوط الحــرارة
كَد
عراصي دكالة
فهي تنشر شعرها حزنا وألما.
لكنها في مرات أخرى تحتفل ببابا عاشور وتزهو بجمال شعرها وتفرح مرددة نفس
الأهزوجة:
آهيــا عيشــوري وحليت عليك شعوري.
وقد تنضم العائلات إلى
بعضها، أو الجارات فيحتفلن بمثل أهزوجة:
آ
المعنويات هاكا نبغيكم آ ويلى
جيتو مرحبا بيكم
وقد تكوِّنَّ مجموعات
تتنافس في إيِّها أكثر نشاطا من الأخرى بمثل الأهزوجة التي تقول.
هاذو
هما لعيـــالات والله يلا
عيانات
و
اللي ما شطح ما غنأأى كيفو كيف الدنة
اللي
ما شطح ما غنى ما يمشي للجنة
وقد تخرجن
إلى الدرب لاستدعاء من لم تلتحقن بالمجموعة، وقد تتشكل هناك مجموعات متنافسة
فتتمازحن بمثل أهزوجة:
"أهيا باب الدريبة
لحجوب عليكم آهيا قاع الدريبة
مصران الذيبة"
أو تقلبن الشتيمة لسكان باب
الدرب وداخل الدرب
أو تهجمن على دار معينة
بمثل أهزوجة:
جينا
نشربو أتاي بالفاكية والسكر
جينا
نشربو أتاي الله يعمرها دار
و وصاوني والديا نشرب
أتاي فالدويرية أمي لاللة آه أمي
لاللة
وصاوني والديا
نشرب أتاي فالصوينية أمي لاللة آه أمي
لاللة
ـ أما إذا كان لدى الأسرة
فتاة مخطوبة فإن أهل العريس يحملون التفكَيدة" لعروسهم فواجبهم أن يتذكروا
العروس في كل مناسبة ويهادوها بما يتناسب مع المناسبة والموسم. وهدايا عاشوراء "فاكية"
أساسا. وقد تضاف بعض الملابس أو شبهها.
ـ إذا كان لدى الأسرة عروس
جديدة لم تتمم سنتها الأولى في بيت زوجها، فإن أهل العروس يحملون إليها هدية ثمينة
تسمى "تعاشورت" وأساسها الفاكية والملابس والمأكولات، مصحوبة بفرقة
"اللعابات" "والهواريات" أو شبه ذلك. كما يحضّر المضيفون حفلا
نسائيا مهرجانيا للغناء والعزف والرقص. وتدخل الهدية بمثل أهزوجة:
لهدية
يالاللة لهدية ليــــك جايــة
و لعروسة يا لاللة بوك
وجدك جابو ليك لهدية
ـ تدور احتفالات النساء حول
تيمة الانطلاق وتحرير طاقات المرأة الفنية يعبرن عنها بأهزوجة:
"هذا عاشور ما علينا
لحكام، آلاللّة عيد الميلود تيحكموا
الرجال، آلاللّة"
وقد تخرج بعض النساء سافرات
بكامل أبهتهن وزينتهن إلى حدود الشارع بغنائهن وعزفهن ورقصهن
و"تعاريجهن" لإعلان حالة التحدي والتمرد والانطلاق ورفض التحكم
والانغلاق.
ـ وإذا كان لدى أسرة مولود
لم يتمم سنته فإنها تقيم "تعاشورت" للمولود، فتجتمع لديها العائلة
للاحتفال.
ـ وتلتئم الطفلات أو البنات،
وحتى النساء، في كل درب "بتعريجاتهن" وهندامهن تتجولن فيه ذهابا وإيابا.
وقد تلتحقن بدرب مجاور أو دروب لمناوشة المجموعات الأخرى وممازحتهن بمثل أهزوجة:
هذا هو سركم جينا
حتى لدربكم
هذا هو سركم جينا
حتى لعندكم
ج ـ احتفالات الرجال
والأولاد
ـ عند منتصف الليل ينطلق
نوع آخر من احتفالات الرجال والأطفال يسمى "الدقة" الذي يستمر إلى ما
بعد طلوع الفجر:
تحضر فرقة فناني الحي الموسيقيين
الخبراء إلى ساحة الحي لعقد حفل "الدقة". وهم عادة من الحرفيين
المتعاملين مع منتوجات عاشوراء من فخارين ودباغين وصناع الجلد والخزف وشبه ذلك. وتبدأ
موسيقى ال"الدقة" ب"الكَور"، أي بالتحلق على شكل دائرة تشرع
في إنشاد الأذكار "العيط" وتوقيع نقرة واحدة منسجمة بطيئة ب"تعاريج،
خاصة بالدقة. ويدير الحلقة في الوسط خبراء مختصون يمسكون "الطارة"
و"لقراقش"، ويحرصون على ضبط قواعد الغناء والإنشاد "العيط"،
وقواعد العزف والانتقال، إلى حين اقتراب الفجر، حيث يدخل كبير الخبراء ليمسك
"الطارة" وينتقل بالمجموعة من النقرات والإنشادات البطيئة إلى سرعة قصوى
تتطلب تمام الانسجام ودقة الانتقال من سلم موسيقي بطيئ إلى آخر سريع متلاحق متجاوب
يسمى "دخول أفوس" وهو قمة المعايير في تقدير القيمة الفنية لأي فريق لكي
يُعلَن فائزَ السنة. أما الحي الذي لا يبلغ الدرجة المطلوبة من إتقان ذلك الانتقال
الجماعي المنسجم فيقال "الحومة لفلانية طاح ليهم أفوس" وهي سبة وهزيمة
نكراء تصحب ذلك الحي طيلة السنة.
ـ عاشوراء موسم لتربية
الذوق الفني سيما الذوق الموسيقي. بذلك يتعامل أهل مراكش مع الذي ينبو به الإيقاع
أو يؤذي نغمة نشازا على أنه "عسري"، أي إنه ينحرف بالإيقاع. بذلك فإنه يبعد
عند الغناء أو العزف، بل إذا تجرأ على الكَور أو على المجموعة المدربة فإن
العراج" أي الذي يدور داخل الحلقة لضبط الإيقاع ومراقبة كفاءة العازفين أثناء
"الكور" وإنشاد "العيط"، وقبل "دخول أفوس"، هذا
العراج يكسر "تعريجته" ويطرده خارج الحلقة.
ـ أما الأطفال الذكور فقد
يلتحقون بفرجة الدقة أو يكوِّنون مجموعاتهم من أطفال الدرب أو الحي ويصنعون "دقتهم"
الخاصة.
ـ لا ينتهي هذا اليوم
بالنسبة للرجال أو النساء أو الأطفال إلا بطلوع الفجر. وعادة ما تعبر النساء عن
تمسكهن بالحفل ورغبتهن في تمديده رغم انبلاج الصبح بمثل أهزوجة:
هب علينا برد الصباح
فيجيب الفريق الآخر الثاني:
ما زال الحال
اليوم الثاني: يوم الزيارة"
ـ بمجرد انبثاق فجر اليوم
الثاني ويسمى "يوم الزيارة"، يستسقي الناس من الينابيع والآبار ومجاري
المياه أول الماء الذي يسمونه زمزم، ويعتبرونه حاملا لخاصيات وبركة ماء زمزم الذي
هو ماء الحياة والبركة وتحقيق الأماني وعلاج الأمراض.
ـ بعد ذلك يتوجهون إلى
المقابر لزيارة موتاهم، محملين بأزهارِ وأغصانِ نبات "الريحان"، وبكميات
التين المجفف والخبز. أو يقدمون الصدقات والبذل لأرواح موتاهم، فاليوم يوم الموتى.
ـ ويصوم الناس يوم العاشر
اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ ويقوم أثرياء الأحياء
أيضا، أو سكان الأحياء، سيما الحي الذي فازت فرقته كأحسن فرقة فنية، بإقامة نزاهة "الدقايقية"
ويعنون بذلك الاحتفال بفنانيهم المختصين في موسيقى "الدقة"، فيتناوبون
على تمويل النزاهة، أحيانا لما يقارب أسبوع كامل أو أكثر. وتعقد نزاهة "الدقايقية"
في الضيعات الفلاحية المترامية "الجنانات" أو الضيعات المحدودة
"العراصي" أو في الدور الفخمة الواسعة "الرياضات" داخل
المدينة، لتكتمل أفراحهم ومسراتهم.
اليوم الثالث: يوم "البركة"
يلتمس أهل مراكش البركة لعملهم ومواردهم ومخزوناتهم
في اليوم الثالث ويسمونه "يوم البركة". بذلك يحاولون أن يقوموا بأي شيء
يريدونه أن يزكو ويزيد ويفيض ويتدفق، من أعمال وأنشطة ومنتوجات ومواد، أو أن يستعملوه
أو حتى يلمسوه. يزاولون أعمالهم طلبا للبركة ورواج تجارتهم ومهنهم. يسعدون ويلبسون
ويتزينون ويوسعون على أنفسهم في المأكولات والمشروبات. ويعبرون عن سخاء كبير.
والبعض يؤخر توزيع الزكاة لهذا اليوم، كي يتعامل مع تجارته وأمواله التماسا للربح
والعوض الغزير. وتتعامل النساء مع مختلف المؤن والمخزونات وتتوسعن في استعمالها
وتقديم المأكولات والتزين واللباس والتحلي والفرح وشبه ذلك، متجنبات الأشغال
المتعبة الشاقة.
كما يتجنبون الأشغال
والمتاعب والخصومات والمنغصات.
اليوم الرابع: يوم الربا
بالعكس يمتنع الناس عن
الاشتغال بكل ما يحبون من مهن ومواد وأنشطة تطيرا أو تخوفا من الربا، ويعنون به نقص
الموارد والمخزونات والزبائن والأرزاق وشحها. تغلق المهن والمتاجر أبوابها دفعا للكساد
والأذى. ويمتنع الجميع عن لمس أي من مؤنهم ومخزوناتهم وأموالهم. وتهيئ النساء أطعمة
ومأكولات هذا اليوم قبل حلوله حتى تتجنبن التعامل مع موارد ومؤن البيت، فلا تشعلن
النار في ذلك اليوم. لكنهن تشمرن للتصبين والتنظيف وشبه ذلك من الأعمال الشاقة كي
تتقلص وتقل في سنتها القادمة. تغسل الأسر مختلف الثياب وغيرها مما تكدس عن حالة
الحداد وبعدها، أو غيرها.
اليوم الخامس: "يوم
الصباع"
يمتنع أصحاب المهن اليدوية
عن العمل. يمتنع مثلا الخياطون والطرازون والنساجون والنساء كذلك عن الإمساك بالإبرة
للعمل أو لرتق الخروق، بل حتى الموسيقيون وأشباههم ممن يشتغلون بأناملهم يمتنعون
عن ذلك تخوفا من إصابتهم بالتهابات الأصابع. ويسمون هذا اليوم "يوم
الصباع" أي يوم تصاب فيه الأصابع الالتهابات والأمراض.
خمسة أيام والرقم خمسة
ثلاثة أرقام مباركة في
الموروث الشعبي المغربي، يشترك فيه مع عدد من الشعوب. لكل منها دلالة معينة في
المعتقدات الدينية أو التاريخية. والرقم خمسة له دلالة دفع العين. وكثير من الشعوب
تعلق صورة اليد ذات الخمسة أصابع بباب البيت دفعا للعين، أو تتخذها تميمة تحملها.
كثيرا ما نسمع عند ذكر رقم خمسة مقولة "خمسة في عينين عدوك" تجنبا لسوء
فهم مع المخاطب. أو "خمسة ف عينين الشيطان". ويقال للحسود "خمسة
وخميس علي من عينين الناس".
هي إذن خمسة أيام مباركة
تدفع الشرور
أتوقف مؤقتا ، لكن سؤالي
الملح:
من يذكر اليوم هذه العادات؟
ومن يعرفها؟
وهل يدرك المجمع المراكشي
والمغربي عموما قيمتها ودلالاتها وأهمية المحافظة عليها؟
شكرا لإنصاتكم
ألقيت
في ندوة نظمت بمناسبة عاشوراء حول موضوع: "التقاليد والعادات والتحولات
الاقتصادية والاجتماعية"
21
أكتوبر 2015



