حوَّل صدور كتاب "الخروج من مصر ـ مشاهد ومُجادلات من سيرة ذاتية" للمفكر الكبير مؤسس مصطلح "ما بعد الحداثة"، البروفسور إيهاب حسن (17 أكتوبر 1925 - 10 سبتمبر 2015)، الصادر مؤخرًا عن "دار العين للنشر" في القاهرة، مؤلفه إلى شخصية مهمة، تشغل بال الكثيرين من المثقفين المصريين، بعد عقود من التجاهل والنسيان الرسمي والأكاديمي والإعلامي، وبعد ثلاثة أعوام من موت الرجل، الذي خرج شابًا، في النصف الثاني من عقد الأربعينيات في القرن العشرين، وأمضى سبعين عامًا من النجاح في الولايات المتحدة الأميركية، واستقر جثمانه في مثواه الأخير هناك، من دون أن يفكر ـ ولو لمرَّة واحدة فقط ـ في زيارة بلده الأصلي مصر!!.
الكتاب، الذي هو بمثابة سيرة ذاتية ملهمة، يُحطم عدة أساطير مرتبطة بالشخصية المصرية بحكاية واحدة، فلأول مرة نقرأ مذكرات مصري مُغترب لا يحن مطلقًا إلى بلده الأم، ولا يتمنى حتَّى العودة إليه، وطبعًا لا يُطنطن بأي هراء حول أسطورة "الشرب من نيلها"، إلى آخر هذه العواطف المُعتادة، بل هو على النقيض من كل ذلك تمامًا، مُغترب وسعيدٌ جدًا بهذه الغربة، قانع بـ "منفاه الذاتي"، ويكتب ذلك معترفًا بكل بساطة في منتصف عقد الثمانينيات من القرن العشرين: "مرَّت أربعون سنة، لقد غيرتُ الأوطان والمهن والزوجات، وسافرتُ ثلاث مرات حول الكرة الأرضية، ولكني لم أعد إلى مصر مُطلقًا".
يعودُ "نبي ما بعد الحداثة" بهذه السيرة، التي كتبها في "ميونيخ" الألمانية، وصدرت بالإنجليزية في أميركا عام 1986، إلى مصر عبر الكلمات فقط، مواطنًا عاريًا من كل تعصب ومن كل انتماء، حانقًا ومغتاظًا، من دون أن تسقط منه دمعة واحدة، بعد غربة وترحال داما نحو سبعة عقود. يعود بالكلمات، بما يليق بمهاجرٍ لا يقض الحنين إلى بلاده مضجعه. يعودُ وقد تبدَّد العالم الجميل الذي لم يكن يُرضيه، في هذا الوطن، وتحول إلى مراراتٍ وخرائب، إلى هشيم تذروه الرياح، إلى عطب وصدأ. يعودُ كما يعود مواطن قادر على إثارة الأسئلة، هو "الخواجة" ابن الحضارة الغربية، الذي أمضى الأربعة والعشرين عامًا الأولى من عمره في هذه الجغرافيا، ما سمح له أن يعرف أدق عيوب الشخصية العربية، مقترحًا بمبضع جراح بريطاني بارد سبلًا للتخلص منها.
صحيح أن الرجل أمضى حياته في القاهرة كخواجة، لكنه حين جلس ليكتب خلع قبعة الخواجة، ووجّه لومًا إلى طبقته الاجتماعية المتداعية في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، التي عملت في مصلحة الرأسمالية العالمية. يلوم الاستعمار بتطبيقه سياسة "فرق تسد"، مضيفًا أن الأحزاب السياسية المتنازعة في مصر دليل على نجاح هذه السياسة: "لقد حكم البريطانيون مصر أولًا وأخيرًا بمساعدة أسرة حاكمة متداعية، وأقلية حاكمة مرتشية وعقيمة، تفتقر إلى الكفاءة من أصحاب المال والأراضي والنسب.. فهل جلبت بريطانيا معها الأمية والأمراض؟"..
يروي لنا كيف عاش لحظة الصدام بين الجماهير الشعبية الغاضبة في استقبال بطلها الشعبي مصطفى النحاس باشا، ضد السلطة التي يمثلها والدُه، الذي كان تقريبًا أهم شخصية في مدينة المنصورة: "في ذلك اليوم المشؤوم في المنصورة انقسم ولائي بين أبي وأعدائه، وبعد ذلك بثلاث سنوات أصبح مصطفى النحاس باشا رئيسًا للوزراء، وأُجبر أبي على الاستقالة، ومن ذلك الوقت فصاعدًا أقمنا في القاهرة في ظروف معيشية لا تتناسب مع وضعنا الاجتماعي".
يحكي عن النماذج المصرية التي رآها وتعلم منها، يحكي عن الأمير فايز، ابن الأسرة الملكية العاق، الذي كان يحاول كل فترة عبور الصحراء بمفرده، مشيًا على الأقدام، ما كان يعرضه للأهوال والأخطار، ويقول: "فكرتُ أنا أيضًا، وكنت أصغره بخمسة عشر عامًا في الفرار من المنزل، لكني لم أذهب إلى أبعد من حديقتنا".
تتمة


