تظل الرواية ظاهرة مثيرة للجدل ، لا على مستوى البناء الحداثي الذي تصبو إليه من خلال أعمال رائدة فحسب ، بل على مستوى المضامين أيضا ، التي تؤلف بين بنياتها ،
والقضايا الحاسمة و المصيرية ، التي تتشكل من داخلها . فإن كانت الغاية التي تطمح إليها هي خلخلة واقع موبوء و نفض الغبار عن مصير أو انتماء ؛ فإنها ، بذلك ، تشغل بال الفكر وتؤرق الواقع أيضا ، بل تذهب إلىحدود أن تلامس الوجدان الإنساني ، مادامت المعاناة قضية شاملة للوجود ككل ، بما هي ـ أي المعاناة ـ خيط ناظم ، على امتداد التاريخ الثقافي والفكري ، للكل التجارب الإنسانية . فبالحديث عن الرواية ، كتجربة إبداعية ، نطل من خلالها على رمزية الوجود في أسمى معانيه . فضلا على استبانة ، أمام ضمير العالم ، حق تقرير المصير الفردي والجماعي .و خصوصا إذا ما انفتحت الرواية على تجربة الآخر ، من خلال نقلها إلى لغات أخرى بفعل الترجمات ، التي غالبا ما تفنن في صيد وانتقاء مفرداتها ، وعباراتها السابحة في ماء الحكاية . فمن بين الروايات العربية التي تتقلب في وجداننا و تقض مضاجعنا ، بل تنغص الضمائر الحية ، وتجعلنا أمام شلال من الأضواء الكاشفة للذات و للآخرين ؛ الرواية الفلسطينية .
في
الأدبيات الحديثة و المعاصرة ، ارتبط الإبداع الفلسطيني عموما بالمقاومة ، كشكل من
أشكال إثبات الذات ، والحضور الفعلي الدائم في الساحة الثقافية و الفنية ؛ العربية
و غير العربية . إن المقاومة بالأدب لم تثبت جدارتها ، في الساحة الثقافية ، إلا
بعد ما تمَّ احتلال فلسطين ، في منتصف القرن الماضي ، من طرف الصهاينة . فبات من
الواضح جدا أن نجد هذا الإبداع يقاوم من أجل العيش والكرامة و الوجود و الهوية .
فتدبير مسألة الهوية ، مثلا ، ولمِّ الشتات في الثقافة الفلسطينية ، لم يعد مرتبطا
فقط بالخيال الإبداعي ، وإنما اكتسح كل الروافد المعرفية والعلمية ، الطامحة نحو
خلق جبهة مقاومة حقيقية ، تقف ندا أمام سياسة طمس و إقبار وتدمير الثقافة
الفلسطينية . لقد كان الكيان الغاشم يدرك ، آنئذ ، مدى فعالية تغيير البنية
المجتمعية و الثقافية ؛ بفعل ترحيل قسري للسكان الفلسطنيين ، وتهجيرهم خارج الوطن
. غير أن المقاومة بالثقافة و الإبداع ، ظل يؤرق الكيان الصهيوني ، و شوكة في حلقه
ردحا من الزمن . فما كانت قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم سوى جمرات
متقدة و لافحة على الطريق ؛ تقاوم بإرادة متحررة من كل أنواع الحيف والظلم ، وتكشف ألاعيب الغاصب الغاشم . فقصيدته
التي عنونها ب " والمواعيد أنا " فجر فيها ينابيع شهوة القول الشعري ،
مبئرا نكبة النازحين الفلسطينيين ، بشهادة نقاد يتابعون عن كثب تطورات و إبدالات
التجربة الشعرية لسميح القاسم . كان مطلعُ القصيدة من بحر الرمل :
" شهوة الكدح من الفجر ، وموال الإياب
مسرب الوعر ، وآلاف الأكف السمر
ترتاح على مقبض باب
والمواعيد أنا ، وزغرودة الميلاد
والدمع على تطريز منديل اغتراب
وأنا نعناعة التل
أنا النبع و غصن الورد
والمرزاب و المدفأة المهجورة
السطح ... أنا سنبلة الحقل
الشجيرات ... ودوري القباب
كنت راعي الغنم الأسمر " .
وفي ذات المسعى ، كيف يكون الإبداع من دون
وطن ؟ أكيد أن للوطن حميميتـَه و دفْأه ، اللذين
يؤمِّنان فعل العبور نحو ضفاف فسيحة من القول و الحكي . إلا أن الأدبَ ، في فلسطين
، أبى إلا أن يكون غير ذلك ، ويغرد خارج السرب ؛ ينصت لدقات قلبه ، بل يسيخ السمع لوثبات الموت تدبُّ رويدا ... رويدا ؛ فيُبعث من
تحت الرماد كالطائر الفينيق ، بما هي الأسطورة التي تشبع بها أغلب أدباء فلسطين . بالموازاة
، مع ذلك ، نجد الغربة والضياع ، كتجربة ، ألفت بينهم ، ورصَّت دعائم المقاومة في
ظل انقسام جَلَّاء بين من يحسون بالغربة خارج الوطن ، وبين من استأنسوا بها ،
وتعايشوا معها من داخله . فجبرا إبراهيم
جبرا عاش متنقلا بين مختلف العواصم العربية ؛ من بيروت إلى دمشق مرورا
ببغداد والقاهرة ، كما هو شأن بالنسبة لغسان
كنفاني و الكاريكاتوري ناجي العلي صاحب الرمز المبيان ، الذي نحته
في الصخر البرونزي ؛ " حنضلة " . أما الغربة الغريبة التي عاشها المبدع
الفلسطيني من داخل فلسطين ؛ فإننا نجد صاحب الورد الأقل ، وملهم القصيدة العربية محمود
درويش برفقة رفيق دربه سميح القاسم و توفيق زياد بالإضافة إلى
المتشائل إميل حبيبي .
إن هذه المقاومة ، التي أبداها
الأدب الفلسطيني ، تدافع عن حصون الثقافة العربية العريقة ، إما بالعودة إلي تلك
المنابع الطاهرة من تاريخ الأدب العربي ، لإثبات و تأصيل الهوية للأدب الفلسطيني ،
وبذلك تقف كالطود العظيم ، أمام سياسة التهجين و الذوبان في ثقافات وافدة مع
الكيان الصهيوني ، وإما التوفيق بين ما هو عريق ، و في الوقت نفسه التطلع إلى ما
هو حديث ، دون التفريط في هوية الشعب الفلسطيني . وأمام هذه الإشكالية في تاريخ
الأدب العربي ، نجد بالمقابل أن التأريخ الجديد لأهم الإبدالات الثقافية ، في
مختلف فنون الأدب ، يبدأ مع نكبة الاحتلال ، وسياسة تهجير الفلسطينيين ؛ ليعيش
الأديب تجربة الضياع و البحث عن وطن بديل
، حاملا معه هموم وطنه الأسير . ففي مثل هذه الظروف العصيبة ، التي يمر منها الشعب
الفلسطيني ، أكد يحيى يخلف أن الرواية الفلسطينية تأثرت ، إلى حد
كبير ، بهذه الاضطرابات و الإحباطات الخطيرة
، ومن ثم أصبح الروائي الفلسطيني يبحث عن لغة جديدة ، بل عن شكل جديد في
أفق مرحلة تتسم بالضيق و قمع الحريات الفكرية و السياسية . وغير خاف علينا أن بهذه
الظروف ستسعى الرواية الفلسطينية إلى فتح جبهات النضال و الثورة ، وتلتصق بهموم
الإنسان الفلسطيني والعربي . وفي ضوء ذلك ، أخذت الرواية سكة الكفاح الوطني ؛
فجاءت أعمال كل من إميل حبيبي وغسان
كنفاني بالإضافة إلى توفيق فياض و أفنان القاسم و رشاد أبو
شاور وغيرهم ، تتغنى بالأمل في الحياة ، وحق العودة إلى الوطن السليب . فبهذه
الخامات الأدبية الرفيعة ، استطاع الأدب
الفلسطيني أن يجد له موطئ قدم في الساحة الثقافية العربية و غير العربية .
في ظل متغيرات
الإبداع ، التي تفرضها الظروف السياسية و الإجتماعية الجديدة ، في بلاد فلسطين ، استطاع
الروائيون السابقون ، أن يدشنوا الدخول
الثقافي و الأدبي قبل النكبة والتهجير . وكان في مقدمتهم اسكندر خوري و نجاتي صدقي
و صاحب رواية " الوارث " خليل بيدس وغيرهم كثير . غير أن الذين أرسوا
دعائم الرواية الفلسطينية بشكل رسمي ، وخاضع لمعايير فنية شائقة ، وجعلوا لها
وجودا في الساحة العربية و الدولية نجد كل من غسان كنفاني و جبرا
إبراهيم جبرا وأخيرا إميل حبيبي
.
إن الحديث عن الرواية الفلسطينية ، التي تلهج و
تدافع عن حق الحلم والانتماء ، لا يستقيم عوده إلا بذكر هذا الثالوث ، الذي كان
ينظر إلى الوجود و الكون نظرة تدافع عن الهوية الفلسطينية ، وتذود عن العودة إلى
الديار كحق من حقوق الإنسان ، تضمنه المواثيق والمنتظمات الدولية . ففي إبداعات غسان
كنفاني ، التي تستند إلى قوة الفكرة و
الموقف ، يرصد أهم التغيرات و الإبدالات التي مر منها الإنسان الفلسطيني بعد إعلان
عن دولة عبرية في قلب الأمة العربية ، بل يصور شخصياته من واقع الانسان العربي
المهزوم . فرواية " رجال في الشمس " لغسان كنفاني ، رسم فيها واقع
الإنسان الفلسطيني من خلال استئصاله من أرضه ، و تهجيره بواسطة عصابات مدربة على
ذلك ، تشبه إلى حد ما فعلته النازية في أوروبا ؛ إبان الحرب العالمية الثانية .
فضلا عن ذلك ، استطاع أن يرفع القضية الفلسطينية إلى مصاف القضايا الإنسانية.
لتبقى عبارة " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟" على لسان أبي الخيزران ،
جاثمة على كل الصدور والضمائر الحية . إن غسان كنفاني استطاع أن يجعل من الكلم
سلاحا مزعجا ، يؤرق بها الأعداء ، علاوة على ارتباطه الجامد بالوطن ؛ فلسطين . ففي
باقي أعماله الرائدة الأخرى ؛ " ما تبقى لكم " و " برقوق نيسان
" انتقل فيهما من الحكي إلى الفعل
الحقيقي والمواجهة الموت بصدر عار ، لا
يخشى المنايا التي لا تطيش سهامها . فهو
كفاح بالقلم ، جعل من أرض فلسطين بؤرة الصراع التاريخي ؛ بؤرة تتقاتل و تتصارع
فيها الأديان السماوية . فهي لم تعد مجرد
حفنة من تراب فحسب ، وإنما هي دم و روح
وجسد ينبغي أن يخضع لعملية التطهير و الطهارة من كل الشوائب التي علقت به
جراء التهجير القسري الذي تعرض له فلسطينيو ثمانية وأربعين ، الذين اعتبروا بمثابة
حجر الزاوية في أي حل مرتقب لهذا الصراع الحضاري . لقد استطاع غسان أن يتفرد في
إبداعاته ؛ " عائد إلى حيفا " و
" أم سعد " كي يرسم معالم الإنسان الفلسطيني ، و يرسخه بشكل مطلق في
الوجدان البشري . يقول غسان في روايته " عائد إلى حيفا " :
" وضع إصبعه على الجرس ، وهو يقول بصوت
خافت لصفية :
ـ
غيروا الجرس .
ـ
وسكت قليلا ثم تابع :
ـ و
الإسم طبعا ..." .
إن الرمزية ، عند غسان كنفاني ، تتجاوز
الجاهز و المألوف ، و تضعنا أمام اختيارات صعبة ، لا على مستوى الأحداث فقط ،
وإنما على صعيد الرؤية الفنية التي تسكن الروائي. فبهذا يؤثث فضاءاته الروائية بما
يتناسب و الحلمَ الفلسطيني ، في تقرير مصيره
والعودة إلى الديار . وتبعا لذلك ، يجعلنا نطل على عالمه الروائي من شرفات
متعددة ؛ نتذوق معه لحظات التأمل في الطريقة التي يعرض ، بفنية رائعة هموم و انشغالات الشعب الفلسطيني. علاوة على ذلك
، فالعائد إلى حيفا ، حسب غسان ، هو نفسه العائد إلى عكا ويافا و نابلس و بيسان وطولكرم و جنين و نهاريا و الطنطورية وغيرهم من
المدن الفلسطينية سواء منها السليبة أو غير الأسيرة .
يطفح
أدب غسان كنفاني بالمواقف السياسية المعروفة ، فهو لم يعد عنده الأدب مجرد
رسم الحدود و القبـْع و الانزواء وراء ابتكار الصور الخيالية و الاستعارية ، وإنما
هو نشاط يتجاوز به كل المساحات التي يمكن أن يتحرك فيها المثقف العضوي حسب أنطونيو
غرامشي . فلا نستطيع أن نفصل بين غسان الروائي و الآخر القصاص و المناضل السياسي و
الصحفي ؛ لذلك أصبح رقما صعبا ، بل هدفا استراتيجيا لقوات الاحتلال ، في إخماد هذا
الصوت المزعج الصاعد من عكا ؛ هذه أياد آثمة كانت تسرق القمر ، اختارت مرة أخرى ، تفخيخ
و تفجير سيارة غسان أمام أنظار زوجته و ابنته ، تاركا قلمه وأغراضه على مكتبه بالبيت ... ورحل بابا بعيدا ...
بين الغيمات كما قالت ابنته لحظة التفجير .
أما جبرا إبراهيم جبرا يظل
هرما في بحر الإبداع الفلسطيني ، تربع على عرش الرواية الفلسطينية لما
يزيد عن أربعة عقود ، كتب في مختلف الأجناس الأدبية قبل أن تستقر رؤيته الفنية على
جنس الرواية ؛ لما توفره له من مساحة أكبر للتفاعل مع القضايا السياسية والإجتماعية . للسفر و الترحال ، بين مختلف
العواصم العربية و غير العربية ، دور
أساسي في إغناء تجربته الروائية . فضلا عن تجربة في الإبداع دامت قبل السقطة و
بعدها ، فكانت التيمات الروائية التي تناولها جبرا إبراهيم جبرا في مختلف رواياته
بدءا من " صراخ في ليل طويل " مرورا ب" صيادون في شارع ضيق "
إلى حدود " البحث عن وليد مسعود " يجعل القضية الفلسطينية في الجوهر ،
بل في قلب الحدث الروائي ، ساعيا في ذلك إلى التعريف بها في مختلف المنابر
الإعلامية العربية و غير العربية . إن جبرا إبراهيم جبرا من رعيل المثقفين الفلسطينيين
، الذين يؤمنون بالتغيير عن طريق القوة الإبداعية و الثقافية ، التي تسعى جاهدة
إلى تحقيق الحلم ، الذي لا طالما راود كل المثقفين ، الذين يحملون معهم هموم الوطن
الأسير . وفي هذا المقام ينضاف جبرا إبراهيم جبرا إلى قائمة الروائيين العالميين
الذين يولون اهتماما كبيرا إلى شخصيات الرواية أمثال ؛ إميل زولا و غي موبسان وبروست ، بما هي الوسيلة التي تعبر عن الرؤى
الفنية والدواخل . ففي رواية " البحث
عن وليد مسعود " تتحول الشخصية الرئيسة ، في النص الروائي ، إلى الضمير
الفلسطيني ، بل إلى الضمير العربي و الإنساني ، المغيب عن ساحة هذا الصراع غير
المتكافئ ضد قوى الاحتلال . فمهما كان
الاهتمام المتزايد بالشخصيات الروائية ، حسب جبرا إبراهيم جبرا ، فإنه يقع اختياره
، دائما ، على الشخصية النامية . بما هي تنمو وفق الحلم و الشعور والإحساس بالزمن
و بالمكان أيضا ، خصوصا إذا كان الروائي يتقن الصناعة و الدُّربة، التي تبني الحدث
بمعاييرَ جد فنية . وعلى هذا الأساس ، تصبح البوليفونية تتعدى الأصوات التي تتردد
صداها ، وتزمجر من داخل العمل الروائي ؛ لتشمل الشخصيات النامية في نسيج ضام لعُرى
العمل الإبداعي . وبشهادة كبار النقاد و المتتبعين للشأن الثقافي العربي ، تعد
رواية " البحث عن وليد مسعود " اختزالا لحياة جبرا إبراهيم جبرا ، وبهذا
المعطى يمكن اعتبارها ، أيضا ، سيرة الكاتب في مرحلة عمرية محددة .
أما
الروائي " إميل حبيبي " ينتهج أسلوبا متفردا في الرواية الفلسطينية و
العربية ، فكان في جل إبداعاته ، لصيقا بالظروف السياسية ، التي أفرزت عالمين غير
متكافئين . وبهذه الخصوصية ، يكون أميل حبيبي قد دشن عهدا جديدا مع الإبداع
الفلسطيني ، من خلال أهم رواياته الذائعة الصيت . علاوة على ذلك ، فإميل شديد
الارتباط بعوالم الشرق الساحرة ؛ بدءا بمقامات بديع الزمان الهمداني ، وصولا إلى
عوالم الحريري الفاتنة ؛ قرنان من الزمن عاشهما إميل حبيبي لحظة بلحظة ، فضلا على
عشقه الأزلي الدفين لكتب السير و التاريخ و الفلسفة . وبهذا ، يظل الإبداع عند
حبيبي مطرزا بقيم معرفية متعددة المشارب
والمناهل. ففي رواية " سرايا بنت الغول " ابتكر إميل خطابا
روائيا هجينا ، يمزج فيه الخيال بالأسطورة ، مادامت هذه الأخيرة تعد الحجر الزاوية
في بنية العقل العربي . و مهما اختلفنا حول مسار الروائي الفلسطيني إميل حبيبي ،
إلا أنه يظل واجهة ثقافية يقام لها ويقعد
. ولا ننسى ما فعلته ، أيضا ، الأديبة و الروائية المصرية رضوى عاشور في روايتها
" الطنطورية " ، حيث استطاعت أن ترسم ببهاء و حنية حياة الفلسطينيين ،
الذين هُجِّروا قسرا من قراهم ، في هذا العمل الروائي الرائد . وذلك عن طريق خلق صور تبقى خالدة في الذاكرة ،
تقول : " غريب .كل امرأة شجرة .أقصد كل امرأة ولها شجرة . هناك . ليمونة أم
سمير . برتقالة أم إلياس . خروبة أم هنية . لوزة أم العبد . نخلة أم الناهض . توتة
أم محمد تينة أم صباح ..." مثلها مثل
عندما تحتفظ النساء الطنطوريات في جيدهن بمفاتيح منازلهن ، كحلم العودة إليها بعد
التهجير . تقول رضوى عاشور " مدت أم إبراهيم يدها في صدرها ، وأرتني المفتاح
المعلق في حبل حول رقبتها . قالت : مفتاح دارنا . لا حقا سوف أعرف أن أغلب نساء
المخيم يحملن مفاتيح دورهن تماما كما كانت تفعل أمي . البعض كان يريه لي ، وهو
يحكي عن القرية التي جاء منها . وأحيانا كنت ألمح طرف الحبل الذي يحيط بالرقبة و
إن لم أر المفتاح . وأحيانا لا ألمحه ، ولا تشير إليه السيدة ، ولكنني أعرف أنه
هناك ، تحت الثوب ."
بهذه الصور السردية ، يكون الأدب الفلسطيني ، قد حفر أخاديد في الوجدان
العربي ، ونحت على صخرة الشهداء بأظافر
الأدباء و الشعراء و المفكرين . فما كان لهؤلاء إلا أن يرسموا سمتا نحو المقاومة
بالقلم و المواقف الإنسانية ، التي لا
تنحاز إلى الفئوية والطائفية ، وإنما
تدافع عن قيم العدالة و الحرية و نبذ العنف ؛ لأنه بقدر ما يكون البيت متراص
الأركان والدعامات ، بقدر ما يتنفس فجرا جديدا آت من وراء غيمات ندية . تماهيا مع
خالدة ميخائيل نعيمة البسكنتي
سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر
فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر
و اسبحي يا غيوم و
اهطلي بالمطر
وبانتظار سوبرمانات التغيير ، حسب تعبير
أدونيس ؛ أطفال الحجارة . وعلى ضوء ذلك ،
نكون على أهبة زمن جميل آت ، نحس به يدب دبيب النمل في الشعور والإحساس ، فيكبر و يكبر ... ريتما يشتد عوده ؛ فيدوي كالرعد أيام الشتاء .



