ما معنى أن تكون لك نظرة ٌ فنية ؟
في هذا السؤال إحراج كبير
للذين لا يولون اهتماما كبيرا لصناعة الفن بصفة عامة . عادة ما كنا ننتصر إلى ذوق رديء
، وعادة ما كنا ننظر إلى المنحط ، نغما وإيقاعا ، نظرة إعجاب وهيام . وفي سبيل ذلك ، تدحرجت هذه الكرة الثلجية كثيرا
في المنحدر ؛ لتشمل كل مناحي الحياة القريبة منا والبعيدة . فلم نعد بمقدورنا أن
نميز بين كلام و كلام ، أو بين نغم ونغم ،
بل أصبحنا ضعافا أمام العاطفة والوجدان ، باعتبارهما رافدين أسنيين لصناعة الفن وتذوقه
.
الفن الرفيع يتحسسه القلب قبل العقل . وهذا ما دأبت عليه ، في منتصف
القرن الماضي ، الموسيقى العربية .
فحيثما اجتمع الثالوث الشاعر والملحن والمغني ، اجتمعت سمفونية الوجود ؛ لتعزف
لحنا خالدا طروبا . فمع محمد الموجي ورياض السنباطي وعبد الحليم حافظ ، مثلا ، كان
إيقاع الحياة مشاءً نغما وجمالا ، رافق أجيالا متعطشة للفن الرفيع والراقي على امتداد
الوطن العربي ، إلى درجة أننا كنا نضع صورة العندليب الأسمر على ظهر غلاف دفاترنا
بالقسم الابتدائي . إن العمل الفني الرائد ، بهذا المستوى ، يسمو فوق الأذواق
جميعها ؛ ليخلق لذاته إطارا من الإمتاع والمؤانسة .
أثناء قيامي بمراقبة واجبات منزلية
، بخصوص تعلم اللغة الفرنسية ، الخاضعة لبعدها الشفهي التواصلي ، كانت بودكساتها تغزو
مواقع إلكترونية عديدة ؛ إن قراءة ًوتعبيرا . بيـْد أن القائمين ، على هذا المشروع
اللغوي الضخم ، كانت لهم مقاربة جديدة ذات بعد فني ؛ فتعلم اللغة ، وتحبيبها إلى
الناطقين وغير الناطقين بها ، لا يستقيم عوده إلا عبر مسالك ومعارج فنية ـ أدبية . فلا يتركون الفرصة تمر إلا و يعرضون، في هذه
النصوص، بعدا جماليا فنيا مرتبطا بالأحداث والزمان والمكان.
فتقديم فن العيش ، واستغلال
وقت الفراغ لا يتم التعبير عنه ، في هذه البودكسات ، إلا في قالب فني مستساغ ،
يسهل هضمه واستيعابه . كالحديث ، مثلا ، عن متحف عرض التحف الفنية النادرة ، أو بسط
حوار حول رواية حققت نجاحا كبيرا ، أو وصف تقنيات فن السباحة والتصوير والرسم
والنحت والرقص . وبذلك ، يتم تحبيب هذا
المكون اللغوي ـ التواصلي عبر مسوغات فنية ؛ لأن الإنسان فنان بطبعه .
وفي غمار ما هو مسموح به ، نستطيع
أن ننظر إلى دواخلنا ؛ بهدف العثور على الأسباب والمسببات ، التي تخلق هذا التميز
بين ما هو فني و غير فني . في سبيل ذلك ، تغدو الإسقاطات الذاتية على التجارب
الشخصية منعطفا خطيرا في توسيع رسالة الفن إلى العالم. ومن هذا المنطلق نظر
الدكتور زكي نجيب محمود إلى الوجود الخارجي محفزا ضروريا ، لتشغيل على أوسع نقاط ،
الملكات الفنية التي يزخر بها الإنسان
الفنان . فأيا كانت هذه الرسائل ، التي يحملها العالم الخارجي ، فإن المرء باستطاعته
أن يسقط عليها تجاربه الشخصية ، غير بعيد عن تلك النظرة القريبة من ذاته ؛ وعبرها
يضمن المرور السلس من الحالة الفنية إلى الحالة العلمية . وهذا ما ينطبق على
مقاربة الأديب للظواهر والقضايا التي تصادفه ، وهو في صالونه الأدبي . فالوردة ، مثلا ، تقبل سمتين اثنين ؛ إما أن
ننظر إليها نظرة الفنان بإحساساتنا ومشاعرنا ، وما تحدثه من تغيرات على شعورنا ،
وكيف وظفنا الوردة في تدفقات مشاعرنا
الصادقة تجاه الآخرين . وإما أن ننظر إليها نظرة العالم المجرد من الإحساس
والمشاعر ؛ فنبحث في تكوينها الجيني ، وتفاعلاتها الضوئية والخلوية ، وما يعتمل
بداخلها من طاقات حرارية ، تضمن بها النمو تحت أشعة الشمس ودفئها . وفي هذا الصدد
ميز الدكتور زكي نجيب محمود بين الفن والعلم من خلال تعريف شامل للرسالة التي
يوقعها الفنان بفنه ، حيث يغدو هذا الأخير نظرة داخلية وذاتية مباشرة .
ومن هذا المنطلق المترامي الأطراف ، الذي يخلق علاقة متوترة بين الفن
والعلم ، انبثقت رؤية الإنسان الجديدة للوجود و الكون . وفي ذلك حدد زكي نجيب محمود في كتابه "
الشرق الفنان " روافد الأصول الفنية في الشرق العربي ، باعتباره مصدر إلهام
في الإبداع والذوق الجمالي والروحي . غير
أن هذا الشعور والإحساس الفني يخبو ضوؤه ، وينكسر عند صخرة الغرب الحالم ، الذي
يخضع موازين قواه على محك العقلانية .
فكيف يستطيع هذا الشرقي العيش في زوابعَ فنية تذهب به كل مذهب ؟ وماذا
جنى من تشبثه الجامد بفلسفات وجودية ذات أبعاد فنية ؟
انطلاقا من العلاقة المتوترة ، التي تربط العالم بالفنان استطاع الغرب
أن ينحت طريقا يتم بموجبه القضاء على تلك النظرة الجمالية للكون عند الشرقي ، عن
طريق إغراق الشرق في متاهات وشراكات سوسيواقتصادية بغية الهيمنة السياسية . من هذه
الزاوية ينطفئ وهج الرؤية الفنية ، وتصبح مجرد رؤيا ينقشع سرابها في سحَر .
فبالرغم من الانتصار القوي الذي حققه الشرقي في بسط مفاتن الحياة وملذاتها ، وجعل
منها حياة يتنفسها و يحياها ، إلا أنه أدرك مع متواليات زمنية أن ما يتهدده أكبر
بكثير مما يتصور . خصوصا مع أعداء الفاشست العائدون ؛ ليصفعوا الفجر الوليد ، حسب
" أغنية انتصار " لعبد الوهاب البياتي . ومما لا شك فيه أن زوايا النظر
و البارمترات تختلف باختلاف حواس الغربي الحالم ، الذي تحولت نظرته للشرقي من الإعجاب إلى الازدراء ، بفعل الحملات
العسكرية ، التي شنها الغرب على المشرق العربي .
وبالموازاة مع ذلك ، لم تخل
الرواية العربية من هذا التفاعل بين الشرق والغرب ، بل استطاعت أن تحفز القارئ
العربي إلى اكتشاف عوالم هذه المقاربة غير المتكافئة بين الشرقي الفنان والغربي
الحالم . إن ما سطره لورنس العرب ، في يومياته عن حياته بالمشرق العربي ، عقب
التحاقه بالصفوف الداعمة للحرب ضد المد
العثماني ، كان وثيقة استدلت بها الرواية العربية في بناء معماريتها الفنية . وفي سبيل ذلك ، جاءت رواية " سباق
المسافات الطويلة " لعبد الرحمان منيف لتملأ الحفر، التي تركها التأريخ
العربي لهذه الانعطافة التاريخية الحاسمة للشعوب العربية .


