-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

*السهروردي... الإشراقة الموءودة *علي كرزازي


واحد من الشخصيات القلقة التي طبعت تاريخ الثقافة الإسلامية بميسمها الخاص والمتفرد، هو أبو الفتوح يحيى بن حبش الحكيم الملقب بشهاب الدين السهروردي، نسبة لسهرورد، القريبة من مدينة جازان شمالي إيران، اشتهر باسم "السهروردي المقتول" تمييزا له عن صوفيين آخرين هما: عمر السهروردي وأبو النجيب السهروردي.

ولد السهروردي حوالي سنة 549هـ وقيل سنة 551هـ، انتقل صغيرا إلى بلدة المراغة، حيث تلقى تعليمه الأول على يد الشيخ مجد الدين الجيلي وقد زامله في هذه الفترة فخر الدين الرازي، ثم انتقل بعدها إلى أصفهان حيث انفتح على دراسة المنطق والفلسفة من خلال تتلمذه على يد الشيخ ظهير الدين القاري، وكذا دراسة كتب "ابن سينا" و"عمر بن سهلان الساوي"، وفي هذا الصدد عمل على ترجمة رسالة الطير لابن سينا إلى الفارسية.

لاشك أن سعة الأفق الثقافي لدى السهروردي عبر تشبعه بالروافد الفقهية والفلسفية، مكنته من نحت "حكمته الإشراقية "، التي اكتمل قوامها من خلال عاملين اثنين: الأول ويتمثل في السفر بما هو مرادف ومضارع لطلب العلم، والثاني ويتجلى في مصاحبة المتصوفين ، وهو ما أتاح له الانخراط في تجربة التأمل والزهد وكذا تصفية النفس وتنقية القلب والجوارح.

 أجمع الدارسون على نبوغ السهروردي وتمكنه من علوم عصره، وفي هذا الصدد يورد ابن خلكان توصيفا جامعا مانعا لثقافة الرجل، نقله عن ابن أبي صبيعة في (طبقات الأطباء) إذ يقول: "كان أوحد أهل زمانه في العلوم الحكيمة ، جامعا للفنون الفلسفية ، بارعا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح  العبارة، لم يناظر أحدا إلا بزه، ولم يباحث محصلا إلا أربى عليه ، وكان علمه أكثر من عقله ".

إن سعة العلم هاته الطاغية على رجحان العقل هي ما أوقعت بالسهروردي في المحظور، وهنا ستحضر مأساة صوفي آخر كان قد افتتن به، ألا وهو الحلاج، إنه التاريخ ذلك الذي يعيد نفسه مرة أخرى إذ بعد أن أعياه التنقل بين الشام وفارس، استقر صوفي الإشراق في حلب، وهناك توثقت علاقته بالملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي، لكن حقد الفقهاء عليه جعلهم يوشون به لصلاح الدين مخوفين إياه من قدرته على إفساد [عقيدة] إبنه الملك الظاهر، بسبب فكره الصوفي ذي النزوع الإسماعيلي (نسبة للحركة الإسماعيلية التي كانت الدولة الفاطمية تتبنى عقيدتها)، فما كان من صلاح الدين إلا أن أصدر أمره بإعدام السهروردي... هكذا إذن ، اتحدت سلطة الفقيه مع سلطة السياسي لتخنق صوت الصوفية.

إذا كان الفقهاء قد تمترسوا خلف ظاهر النص، والفلاسفة تحصنوا بقلاع العقل ، فإن الصوفية رأوا العالم بعين القلب ولذلك اتسمت لغتهم ورؤاهم بالغرابة لاعتقادهم بأنهم اختصوا بعلم الباطنية، أي بأسرار الدين التي لم يستطع العامة والفقهاء فهمها. ومن أجمل أشعار السهروردي التي تعكس مأزق الصوفي، قوله في حائيته المشهورة التي تعتبر إحدى روائع قصيد الحب الإلهي:

وارحمتـا للعاشقيــن تكلفـوا

**

سر المحبة والهوى فضاح

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

**

وكذا دماء العاشقين تباح
 

وقوله:

إليْكَ إشاراتي، وأنتَ الذى أهْوَى         **       وأنتَ حَدِيثى بين أهل الهوَى يُرْوَى

    وأنتَ مرادُ العاشقـــــين بأسْرهِم          **       فطُوبَى لقَلْبٍ ذابَ فيكَ من البـــَلْوَى

خلّف السهروردي العديد من الكتب لعل أهمها: "حكمة الإشراق" و"هياكل النور"، "مؤنس العشاق" و"الواردات الإلهية" و"مقامات الصوفية".

لئن أعدم السهروردي بتهمة الزندقة، فإنه من المؤكد أن إجماع العلماء لم ينعقد على مسألة زندقته وضلاله، بل إن عددا كبيرا منهم " كان يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات" بحسب ما ذكره ابن خلكان.

كانت وفاة السهروردي سنة 587 هـ/1191م، تغمده الله بواسع رحمته.

 

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا