لكل منا (وهذا لا يخفى على احد )سر ما يحفظه في مكان لا يستطيع احد ان يطلع عليه ، سر يكون بمثابة كنز بحمولة كبيرة لو اكتشفه الآخرون ، غير انه كنز قد لا يحوي بداخله ما يريح البال ويزيح الغمة عنك او قد يكون سلاحًا تجابه به من اخفى عنك سره زمنًا وانكشف بعد ذلك ..قد لا يكون لا هذا ولا ذاك ..وربما قد يخلق لديك لحظة اكتشافه تصدعا وقلقا وربما يوصلك الى مفترق العلاقة التي تربطك به وتشعل فتيل نار لا تخيى شعلتها بل تحرق كل ما تلاقيه في طريقها ...
فالمرأة والرجل لهما اسرار كثيرة و يعملون بجد على عدم الإفشاء بها ويقيمون حواجز كثيرة في كل الطرقات التي قد تفضح أسرارهم و يسدون الطريق على كل من حاول التطاول للدخول في مفاوضات لمعرفة ما يخفونه ...فمحرابهم محرم حتى على اقرب أقربائهم ، وقد يسمحون طوعا وبرضاهم للبعض في اكتشاف جزء من عوالمهم الخفية وقد يعيشون حياتهم بطولها وعرضها في عمق أنفسهم مشفرين تعلو سمائهم ضباب كثيف يحجب الرؤيا حتى على اعينهم ..
ونفس الشيء تجده عن الشباب من الذكور والإناث ، وخصوصًا في فترات عمرية محددة ( كالمراهقة مثلا ) يميلون الى اخفاء الكثير من أسرارهم اليومية التي يعيشونها في البيت او المدرسة او الشارع ، يحاولون خلق عالمهم الصغير المليء بالغموض وينفصلون عن الأسرة من اجل استقلال في اتخاذ القرارات وتحمل المشؤومة دون الرجوع الى الاستشارة الأبوية او التواصل معهم من اجل الإخبار ، فتجدهم مغلوقون على أنفسهم يفكرون في أمور دينية وجنسية ووجودية وعاطفية وفسيولوجية تدخلهم في دائرة من الأسئلة المحيرة لعقولهم ،
فالأسرار بالقدر الذي قد تحميهم من فضول وشر وعدوان الاخر بنفس القدر الذي قد تخلق لهم الضياع و الشتات و ترميهم في بحر من الأمراض النفسية تجبرهم على الاستسلام او العيش بشخصيات مختلفة ..ففي ذلك ضعف بداخل كل واحد منا فقد تحفظه لنفسك في خلية حفظ الأسرار وتبقى على ذلك بين حزم واحتياط ، تبعث حواس صبرك لتغازل نيران إفشاء السر لغيرك لتخفيف ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقك ، وتسر سرك على من تعتبره أمينًا على قولك او فعلك ، معتقدا انك بفعلك هذا قد اغلقت باب الغواية في فضح ما خبأته زمنًا وانت الان في مأمن من نفسك وإنك استودعت الأمانة لمن هو أقوى منك في الصير والاحتمال وكتمان السر . قال الإمام
علي : (سرُّك أسيرك، فإن تكلمت به، صرت أسيره)
من هنا يتضح ان السر قوته تكمن في مدى وقعه على من يخفيه من جهة ومن يبحث عنه من جهة اخرى ، وكلما تمكن السر منك واستحوذ على تفكيرك وبات متحكمًا في انفعالاتك يقودك بارادته وليس بإرادتك في غياهب الشك ويرسل الوساوس تأكل توازنك شينا فشيئا..
فالسر له طاقة بشحنتين مختلفتين ولكل واحدة منها تاثير على الفرد ، على المجتمع بل على الكون ..
فهناك طاقة بشحنة إيجابية تجعلك اكثر إيجابية مع نفسك ومع الاخر وكلما فكرت في ذلك وركزت مجهودك الدهني وقدرتك في الاتصال الروحي تحظى بنظرة مغايرة للعالم وتعمل جاهدا على المضي قدمًا في سعيك للرقي و الانسجام مع محيطك .
وهناك طاقة بشحنة سلبية مدمرة لكل سبل التواصل مع اَي من مكونات الحياة ، فبمجرد ان تلتصق بك او ان تطيل التفكير بشأنها او بشأن من هم سلبيون في افعالهم او أقوالهم او نواياهم .. تسيطر عليك بدون سابق إنذار ..وتبدأ في خلق الإحباط بداخلك تذبلك من الداخل وترميك في متاهة مظلمة لا تستطيع الخروج منها ، انها النهاية اذا ما لم تستيقظ ذات صباح بشحنة إيجابية تمحي كل القاذورات السلبية التي عطلت منبه الاحاسيس بداخلك .
اننا دائما نعيش في عالم مليء بالأسرار ، وكلما يحثنا على فهم سر واستطعنا حل لغز واجهنا أشياء مخفية مغلفة بلغة مشفرة وبرموز قد لا نفهمها ابدا ...ان الكون كله منذ نشأته الاولى يتمحور حول موضوع السر ..فبخلاف ما يخفيه الانسان من مشاعر او معلومات او اخبار او حقائق لا يعرفها الا من له علاقة مباشرة بها سواء كان ذلك في نطاق مفاوضات مصيرية ( مهمة رسمية في اطار ما تتحكم فيها آليات الدولة او المؤسسة الاقتصادية او حزب سياسي او مجموعة مالية او هيئة استشارية او بعثة ديبلوماسية ، وقد تكون أيضا صفة بوليسية مخبرية ، او صفقة تجارية ...او بحكم عمل طبي او قانوني الخ ) هذه الأسرار جميعها تكون بمثابة بيان متفق عليه ضمنيا لحفظ المعلومة او الوديعة او ماشابه حتى يدخل في خانة الكتمان ..


