بدأ القصة في منتصف الخمسينيات كحالة كثير من كبار المبدعين الذين بدأوا في العقدين الذهبيين الخمسينيات والستينيات. تعامل مع شظف الحياة مبكرا حيث فرضت عليه العمل في مهنة تحمل اقصى المفارقة حين يتشكل من رحمها وتفاصيلها مبدع بحجم زكريا تامر. ترك دراسته امعانا من الحياة في حرمانه من ابسط حقوقه لممارستها ومع ذلك لم ييأس او يسلم ناصية موهبته لمنغصات الحياة هذه المهنة هي الحدادة التي كان يقتات منها قوت حياته لكنه كان يستل خبز ابداعه من قبضة المواجع والقلب النابذ لكل التفاهات والبلادات اذ تسلح بالغضب والتمرد، استعان بالبصيرة لكي يقرأ ما خفي عن الجهلاء والمتعامين.
لم يسع الى الاضواء، كان يكتب في صمت وينشر في هدوء لكن يبدو انه لم يتحمل الحياة حوله فغادر الى فضاء آخر ربما يحتويه فكانت لندن عاصمة الضباب فعمل كمحرر لدى شركة رياض الريس وتولى عمله ايضا كمدير تحرير مجلة الدستور وبدأ يلمع اسم زكريا تامر ولا غضاضة اذا قلنا ان مجموعة النمور في اليوم العاشر هي التي لفتت الانظار لابداع هذا الرجل، فقد كانت صدمة بكل المقاييس للذائقة العامة التي تعودت على الشخصيات الانسانية كمحور للحدث القصصي ومجريات السرد الفني بعدها او قبلها بقليل بدأت ترجمة هذا السيل من الانتاج «التامري» وقام البعض باعداد دراسات ورسائل ماجستير ودكتواره وهو مالم يحدث للكثير من المبدعين اللهم إلا في مجال الشعر مثل الشاعر العراقي البياتي على سبيل المثال.
وزكريا تامر رجل رافض لكل شيء، لا يقبل مقولة ان مشروعه الابداعي خارج من عباءة ما، يجزم انه خارج السرب وانه لايغرد بل يحمل ناقوس الخطر بمعنى اخر لايشرح الواقع بل يشّرحه ويقترب بجرأة غريبة من الكتلة الغاطسة تحت سطح الحياة المعروفة ليقدم لنا نماذج مهولة وغريبة عن الوعي الساذج لكنها في نهاية الامر موجودة وبقوة لكنها تحتاج الى التبصر واعمال الوعي وفيما وراء المنظور والمشهود.
اقتربت منه وانا ممتليء بتجربته القصصية التي تعتبر احدى العلامات الفارقة في القص العربي.. كل ما امتلكه هو قسوته السردية، وقانونه تجاه البشر ورعوده عن معنى الحياة وفحواها، حصان جامح لاتغريه البراري ولا ليونة الاعشاب رجل لايعترف «بالفخفخة» الحياتية، لا تغويه الطقوس والمراسيم، فهو وصيف المعاني المريرة، والقسوة المبررة والقوانين الانسانية المدفونة تحت ركام الصمت والخنوع.. جعل النمور تعتاش على النباتات، وسخر الموتى «المحمودي» لخدمة السلطان والجاه المستبد.. جمع بين رقة كاتب الاطفال وصلابة كاتب الكبار اقتربت منه فوجدته هادئا مخفورا بالطيبة والياسمين «قلت في نفسي: ها انت تخسر رهانك على طبيعة الرجل.. لكن ما ان بدأ الحوار حتى استعدت رهاني الرابح.. انه زكريا تامر الفائز بجائزة العويس، مناصفة، عن القصة القصيرة.
ـ ماذا يعني لك حصولك على جائزة العويس في حقل القصة القصيرة؟
ـ لقد سعدت حقاً بفوزي بجائزة العويس، فهي تكريم لي وللقصة القصيرة العربية، فهذه أول مرة تمنح فيها جائزة العويس لكاتب لا يكتب غير القصة القصيرة، ويؤمن بها جنساً أدبياً مؤهلاً للتطور والتجدد، وبأنها قادرة على تفجير طاقاتها التعبيرية، والاستفادة من الأجناس الأدبية الأخرى.
ـ الجوائز العربية متهمة بأنها تمنح غالباً للمبدعين في أغلب المجالات، وهم في أرذل العمر، فما تعليقك على ذلك؟
ـ من الروائع ان تمنح الجائزة لكاتب لايزال شابا، لكن مانحي الجوائز لا يستطيعون الاقدام على مثل هذه الخطوة، وهم مضطرون الى منح جوائزهم لمن قدم انتاجاً متكاملاً، وله اسهاماته في تطوير الأدب والثقافة، خاصة ان الوطن العربي لا وجود فيه لرامبو آخر. لكن في الحقيقة أنا مندهش من ان تمنح الجوائز لبعض الشباب بينما أساتذتهم مركونون على الرف.
ـ بعض المبدعين الفائزين بجوائز كبيرة تنتابهم حالة من الكسل الابداعي، فماذا عنك بعد حصولك على هذه الجائزة الكبيرة؟
ـ ساذج من يظن ان الراحة المادية للكاتب تغريه بالتكاسل، فالكاتب مخلوق من لحم ودم، ويحق له ما يحق لغيره من الكائنات البشرية، أما الأوهام الزاعمة بأن الفقر ينمي الموهبة ويصقلها، وان الشقاء يشجع على الابداع والابتكار، لهي أوهام لا يليق بها الا الدفن، ومادمت كنت أكتب بنشاط من دون أي تقدير معنوي أو مادي، فليس من المعقول ان أستسلم للكسل بعد التقدير غير المتوقع الذي نلته، عموماً أنا كتاباتي مجانية وليس لها ثمن، لأنها للحياة والانسان.
ـ كيف تنظر للقصة القصيرة؟ وهل ثمة تطورات لاحظتها في الأجيال الجديدة من مبدعي هذا الفن؟
ـ القصة القصيرة هي بحق الغرفة الأنيقة التي تحتاج الى ذوق رفيع وحساسية مرهفة لتأثيثها بعناية فائقة، وهي شكل من أشكال التعبير الأدبي القادر على التطور والتجديد.
ـ البعض يقول ان القصة العربية القصيرة أخذت شكلها النموذجي والمثالي على يد يوسف ادريس.. ما هو تعليقك؟
بغضب شديد:
ـ ما أكتبه من قصص ليس له أية علاقة بيوسف ادريس، وهذا القول ليس انتقاصاً من المكانة الفنية ليوسف ادريس، بل هو وصف لأمر واقع. ولا وجود لناقد عربي ادعى وجود مثل هذه الصلة بين عالمي القصصي وعالمه. يوسف ادريس نجح في التواصل مع النماذج الحياتية بلحمها وشحمها وواقعيتها، بينما أنا قمت بأسطرة الواقع عبر استدعاء واكتشاف نماذح انسانية لا تخطر على بال، لكنها موجودة. هذه الأحكام غير منصفة، وتعبر عن قراءة يعوزها الوعي، فما أكتبه بعيد كل البعد عن عباءة ادريس.
ـ هل لنا بتوضيح أكثر تفصيلا في هذا الموضوع؟
ـ لست ناقداً حتى أشمّر عن ساعدي وأحاول تحديدها اذا كان ادريس يملك حقاً عباءة تحولت الى دار توليد لأفواج من الأدباء الجدد الحاملين للروايات الادريسية يلوحون بها تخليدا للراحل الذي اختار التواري مبكراً تاركا لهم عباءته. وإذا وافقنا مرغمين على القبول بالزعيم الأوحد في المجالات السياسية، فهل المطلوب منّا متابعة المسيرة؟.. لماذا لا ننادي بالفريد الأوحد، بمعنى تباين البصمات الكتابية على مستوى الابداع.
عموماً هذه الأحكام تعبّر عن حالة عربية متخلفة استمرأت شعار الزعيم الأوحد في كل المجالات. ويجب ان تعرف ان يوسف ادريس اشتهر بجرأته وبراعته في تصوير الواقع المصري، لكنه لم يشتهر ولم يعرف عنه انه كان مجدداً في مجال الأساليب الفنية أو أشكال القصة أو قدرته على المغامرة الفنية.
ـ في فترة الخمسينيات وحتى منتصف السبعينيات كان بطل القصة هو محور النص والمؤثر الوحيد في الأحداث، وهو ما يرفضه النقّاد والمعاصرون، حيث فضّلوا ان تكون الشخصية علائقية، أي تستمد فاعليتها من خلال شخصيات هامشية رافضين في الوقت نفسه الاتكاء على شخصية تاريخية بحجة ان دلالاتها الماضوية تفتقر لخدمة المستقبل.. ما رأيك؟
ـ بالنسبة للجزء الأول من سؤالك: أنا لا أهتم بما يقوله النقاد وبتصنيفاتهم الغريبة، فالناقد العربي في رأيي كائن غريب وطريف، فإذا كتبت عن دمشق قالوا انه يقصد بيروت، ولو كتبت عن الشرق قالوا انه يعني الغرب... وهكذا. أما بالنسبة للشخصية التاريخية فهي دليل آخر على رأيي في النقاد العرب وما يلوكونه من عبارات فارغة، لأن استخدامي احيانا يعتبر وسيلة من وسائلي لاثراء الواقع. تسليط المزيد من الاضواء على جوانب مظلمة، فكيف يمكن اضاءة الحاضر واستشراف المستقبل دون اللجوء الى تجارب التاريخ وشخصياته.
ـ ما سر القسوة أو لنقل الافراط في القسوة ـ إن سمحت لنا ـ وذلك عبر رسم شخصيات تصل لحد العجائبية المهينة احياناً؟
ـ سؤالك هذا يصلح لأن يسأله سائح لا يعرف الوطن العربي، لأنني أزعم بأن أكثر قصصي قسوة هي أقل قسوة من الحياة العربية المعاصرة، وأنا لا استطيع وصف السماء بجمالها الأزرق متناسياً ما يجري تحت تلك السماء من مآس ومجازر ومهازل.. صدقني الأسطورة أصبحت أكثر تصديقاً من واقعنا المرير.
ـ هل انعكس عملك كحوار في هذه القسوة الابداعية؟
ـ أشكرك على هذه الالتقاطة الجميلة، لكن يجب ان تعرف انني عملت نجاراً ايضاً، وعملي كحداد في بداية حياتي ليس له دور، أي دور في اسطرة الواقع، او في القسوة عليه، بل ان دوره ينحصر في كيفية تعاملي مع الواقع، لانني اعتبره مجرد مادة خام قابلة للتشكل، والحداد هنا قادر على ان يصنع من قطعة حديد واحدة مئات من الاشكال، كل شكل له استخدام مختلف عن الاخر، ولقد علمتني الحدادة القدرة على استيلاد اكثر من واقع مرير يختفي في الواقع السائد والمألوف لنا، لذلك ما اكتبه لا اعتبره قسوة، كل ما افعله هو ان اضع القارئ امام المسكوت عنه، او غير المقروء، او المدجن.
ـ«النمور في اليوم العاشر» هي التي قدمت زكريا تامر للناس، رغم انه يكتب القصة منذ منتصف الخمسينيات، هذه القصة التي انتهت باستئناس النمرالى ان تحول الى حيوان كاريكاتوري.. هل هذا هو رهانك على الانسان العربي؟
ها انت وقعت في الخطأ الذي وقع فيه كثير من النقاد والقراء.
لم يفكر احدكم، او بذل جهداً فكرياً في معنى اختياري للنمر كنموذج لهذه القصة. النمر يا عزيزي هو الحيوان الوحيد الذي يستطيع ان يعود الى طبيعته الحيوانية في اية لحظة مهما حاولت ان تدعي ترويضه واستئناسه في السيرك مثلاً.. لذلك فإن قصة النمور في اليوم العاشر تعني في المقام الاول ان الانسان العربي سيعود الى طبيعته الانسانية الحقة ليصلح الاوضاع العائلية، والدليل على ذلك ما يحدث في فلسطين المحتلة الان.
ـ لكنك انهيت القصة على ان النمر تحول بشكل نهائي الى كائن يخضع لشروط سيده؟
ـ وهل مطلوب مني ان اضع الحلول لكي تتحول قصصي الى خطبة منبرية عصماء.. القصة الحقيقية هي التي تتسم بالنهايات المفتوحة، وليس ذنبي انك اخفقت انت وغيرك في فهم دلالة وجود النمر كبطل لقصتي.
ـ وما دلالة اليوم العاشر؟
ـ لا دلالة ولا يحزنون انها مجرد صدفة وهي من عندياتي.
ـ ما جديد تامر زكريا الابداعي؟
ـ لدي ثلاث مجموعات قصصية بعنوان الاغتيال، ولماذا سكت النهر، وسنضحك، قد ترجمت الى اللغة العربية. اما مجموعة «نداء نوح» فقد ترجمت الى الايطالية. ولقد صدر لي هذا الشهر مجموعة قصصية جديدة بعنوان «تكسير ركب».
ـ لماذا اشعر من خلال صوتك وملامح وجهك بأنك غاضب من شيء ما، او ناقم على اشياء حدثت لك في هذه الرحلة؟
ـ كم وددت ان تعفيني من هذا السؤال، لكنني سوف اقول لك ما يصلح للنشر.. جائزة سلطان العويس معروفة ومهمة للمبدعين العرب، وكل يوم تكتسب مصداقية ما.. ولقد انتظرت طويلاً ان يرشحني ناقد او مفكر، او مبدع كبير، فلم يحدث، وكنت اشعر بضيق شديد من هذا التجاهل لي. وعندما علمت ان المبدع بامكانه ان يرشح نفسه، استغربت كثيراً من هذا الذي يقول عن نفسه «انا مبدع كبير يستحق جائزة» .. وظللت على هذا الاستغراب والرفض، حتى وجدت الوقت يمر وانا ارى كبار المبدعين يرشحون انفسهم، ويفوزون، لذلك قمت بترشيح نفسي للجائزة، وهذا الامر يحزنني جداً رغم فوزي بالجائزة. اما باقي الامور فلا داعي لها منها لأني اشعر بالاشمئزاز بمجرد تذكرها.



