الذي انتصر حقيقة في الاستحقاقات الأخيرة بالمغرب
ليس هو " الأصالة والمعاصرة " و لا " العدالة والتنمية " ... قد
يكون انتصارهما سياسيا و تدبيريا لكنه مؤقتا .
الذي ساعدهما أيما مساعدة حقا أخطأته الحسابات الإحصائية
و النسب المئوية التي اعتمدت في تفسير نتائج الاستحقاق أو تعمدت ذلك .
الذي انتصر ليس هو العدمية كموقف فكري يعي روح عدميته .
المنتصر حقا و حقيقة هو اللامبالاة و غض الطرف و
الرفض العدمي والانتقام و رد الفعل و الصاع
صاعين و الغل والحقد .....
و الدليل على ذلك مفارقات شتى :
1- مجموع
اللامبالين و غاضي الطرف و الرافضين و المنتقمين و الحاقدين .. يفوق مجموع المهتمين
و المشاركين والإيجابيين في الاستحقاق . وإذن عدد اللامبالين العازفين أكثر
من عدد المنخرطين المساهمين . هكذا تكون ديمقراطيتنا الأقلية التي شاركت تحكم وتسير
الأغلبية التي لم تشارك . و كأنها المركزية الديمقراطية متاع زمان .
2- الحملة الانتخابية كانت رديئة عموما باستثناء
بعض الحملات التي وصفت بالنظيفة في بعض الأحيان . حملة فيها لغط الرعاع بشعارات فارغة ، كروية بذيئة وموسيقى شعبوية ، رقص هجين ، و تراشق بألفاظ يندى
لها الجبين .. هذه هي أشكال الحوار المباشر
و القريب من الناس . حتى التأطيرات القيادية لم
تنفلت عموما من هذا المسار
.. سب وشتم وقدح واتهام و تشهير ..وغابت البرامج وغاب الحجاج ولم يتحول المغرب
بطوله وعرضه إلى أغورا حوارية للنقاش و لمرافعة و المجادلة كما كنا نحلم .
الرعاع هم الذين قادوا الحملة الانتخابية عمليا
سواء كانوا في القاعدة أو في القيادة . و زهد فيها اللامبالون الرافضون للمشاركة .
وكان الأجدر بالقيادة و التأطير والنقاش والجدال من هم من طينة غير طينة الرعاع .
هكذا ترك الحبل على الغارب .. فكانت نتائج استحقاقنا
غريبة لا طعم فيها .
3- أصبح من تقليد الخطاب السياسي المغربي الحديث
( سواء كان تقدميا أم لا ) أن يقدم النساء إلى الواجهة السياسية و أن ينوه يدورهن الرائد
وأن يدعو إلى المناصفة أو المشاركة أو اقتسام السلطة و التسيير والتدبير و التأطير ..
لكن إذا تأملنا واقع الحال أو حال الواقع سيان ،
سنجد أن المشاركة النسائية ضعيفة و لا تعكس
وزن نون النسوة بأية حال . وأن العقلية الذكورية ما زالت مهيمنة أكثر من 200 رئيسا
وعمدة في البلديات والقرويات و 12 جهة كلها رؤساء . والاحتياط النسائي مازال مدخرا
تقريبا برمته . أما الجزء الذي استطاعت أن
تحركه أطراف من الطيف السياسي الفائز جعلها
تفوز . و الحال أن هامش النساء في منازلهن
و معاملهن وحرفهن و ... يجعل منهن لا مباليات كبيرات قانتات . وهكذا يمكن الإحساس بأن الجمع
بصيغة المؤنث لا زال صعبا ومقلقا .
4- الجهات في المغرب وجه آخر للاستحقاق . إذن
وجه آخر للمهزلة . لكن هذه المرة بوجه أكثر قتامة و بشاعة يلطفه القانون المنظم للجهات
. عنصر قطع الأنفاس الهيتشكوكي مارس ضغطه بكل
الأشكال : فوز تكذيب ، تحالفات تحالفات مضادة
، أوامر منتصف الليل ، انسحابات استقالات فردية جماعية ، حقيقية و مفترضة .. بمفرده
المفسد الذي أفسد الاستحقاق و تمكن من المال هو المتيقن الوحيد من رصيده الجديد ..
و في الأخير فاز من فاز في سياق يبدو بحكم النّصب
توافقيا . لكن الخاسر الكبير هو المصداقية
السياسية التي لا قوة لها ولا حراس إلا الصدق . نشعر أن الأيادي المهندسة للاستحقاقات بالمغرب
تريد المحافظة بكل ما أوتيت من قوة على القوة الهائلة النائمة ، على الاحتياط
اللا مبالي . الموقف الذي لا يبالي هذا ليس موقفا سياسيا و لا عدميا وإنما هو
في سلبيته و عدميته موقف احتياطي طوع يد من يعرف استخدام الاحتياط
و فائضه . من عاج وذهب لأنه بشر .
يبدو أن مستقبل اليسار حين يخرج سالما من جروحه ، هو تفعيل هذا الاحتياط
السياسي .



