-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

ثقافتنا والعولمة... الممكن المستحيل. : محمد أديب السلاوي


-1-
        يتحدث الإعلام العربي كثيرا خلال هذه الفترة من التاريخ، عن "العولمة" وعن تداعياتها الاقتصادية والسياسية والتجارية / يتحدث عن علاقتها بالتشكلات الدولية، وبالحروب الباردة والساخنة، وعلاقتها بالشركات الكبرى التي تخترق القارات وتعمل على سقوط الحدود بينها تجاريا واقتصاديا.
         ولكنه – أي الإعلام العربي – نادرا ما يتحدث عن علاقة هذه العولمة بالثقافة، رغم أن تأثيرها على هذه الثقافة، أصبح واضحا وبينا، وخطير في قيمه وتداعياته.
         المفاهيم الأساسية للعولمة، هي اقتصادية أساسا، علما أن لها جوانب اجتماعية عديدة، كونها تلغي الحواجز بين الدول، وتؤدي إلى نوع من التفاعل الحضاري بين البلدان المختلفة في شرق الأرض وغربها، وهو ما أدى / يؤدي إلى تغيير واضح في أنماط التعاملات الإنسانية، والى نقل الأفكار والعادات والثقافات إلى مختلف أنحاء العالم.
         يعود صمت الإعلام العربي عن علاقة العولمة بالثقافة، إلى اعتبار العولمة، درجة متقدمة من تداخل الأنظمة والأنساق الاقتصادية، لذلك جاء الاهتمام بها إعلاميا في البلاد العربية بعيدا عن الثقافة وقضاياها وصراعاتها وقيمها التي نعتبرها في عالمنا قضية ذات ارتباط وثيق بالهوية... وبالمواطنة.
         في العديد من الملتقيات والتظاهرات العربية التي اعتنت / تعتني بالعولمة، يقع الحديث عنها كسلاح امبريالي يهدد الخصوصيات الثقافية / يهدد الوطنية وما جاورها من حقوق وقيم في الوطن العربي.
         إن المثقفين العرب في المحيط كما في الخليج، يعملون كل من موقعه من أجل بناء مفاهيم ثقافية جديدة / حداثية بعيدة عن مفاهيم العولمة وقيمها، ولأنهم يعتبرون الثقافة العربية من الثقافات الكبرى في تاريخ البشرية، تلح أطروحاتهم وخطاباتهم على ضرورة تجدير الديمقراطية / تعميق الحرية / إرساء دولة الحق والقانون وقواعد المجتمع المدني، وهو ما يعني عند الكثير منهم التمسك بنمط الثقافة العربية وقيمها الخاصة، والانخراط في زمن الألفية الثالثة، وعولمة مجتمعها....ولكن مع بقاء "الثقافة" العربية بقيمها وهويتها خارج مفاهيم وشروط وآليات العولمة.
-2-
         الذين يرفضون العولمة، يعتبرونها "ظاهرة تاريخية" / مرحلة من مراحل النظام الرأسمالي / الاستعمار الامبريالي، قابلة للارتداد وللتراجع، وثقافيا يعتبرونها قابلة للموت والفناء، ذلك لأنه من الصعب عمليا عولمة القيم / عولمة الأنماط السلوكية / عولمة الهويات الوطنية والدينية والأخلاقية والتاريخية، وجميعها ذات طابع إنساني، مطبوع بالاختلاف والترابط مع القيم الأصيلة.
         السؤال الذي تطرحه العولمة : أين موقع الثقافة العربية منها...؟ وهل يمكن لهذه الثقافة أن تصبح عولمية...وكيف...؟
         الثقافة العربية هي سلسلة مترابطة من المعايير المشكلة لنظام العقل والسلوك، / التي تحدد نظرة الفرد إلى نفسه والى الآخر، وبالتالي إلى الكون وإشكالياته، ومن ثمة تتحول هذه الثقافة إلى هوية...والى عقل وحضارة.
         من هنا تبدأ نظرة مفكرينا العرب والمسلمين إلى العولمة التي تتجاوز – في الأطروحات الغربية – كل الحدود الثقافية القومية، والتي تعمل أنظمتها على حصر كل الثقافات ومحوها من أجل نشر ثقافتها على حساب الثقافات القائمة الأخرى.
         حتى الآن تقابل العولمة عربيا بالسحب والرفض، ليس فقط لأنها في نظر المفكرين العرب، تقدم فقط على الاستهلاك، ولكن لأنها أيضا تقوم على إزاحة كل المصادر المعرفية الأخرى، وهو ما يجعلها أمرا مستحيلا في ثقافتنا العربية...وهو أيضا ما يفرض على الثقافة العربية، العمل على المشاركة في صنع الثقافة العالمية الجديدة.
-3-
         العولمة في نظر العديد من المنظرين بالغرب، تهدف إلى بث ثقافة جديدة في العالم الحديث، ثقافة تقوم على حرية التعبير/ حرية العقيدة / الانخراط في  الثورة الإعلامية المرافقة للاستخدام اللامحدود لشبكة الانترنيت والتواصل الاجتماعي / التركيز على ثقافة الأسواق / الاهتمام بقيم حقوق الإنسان عموما، وحقوق المرأة والطفل على الخصوص.
         في هذا السياق، تمثل العولمة تحديا حقيقيا للثقافة والهوية العربية، عن طريق انتشار الكثير من المظاهر المادية والمعنوية التي لا علاقة لها بالقيم الثقافية العربية، مثل ملذات الحس وإثارة الغرائز، واختفاء العادات والتقاليد والقيم الأخلاقية والدينية.
         وتهدف ثقافة العولمة من جانب آخر في نظر منظريها، إلى تشكيل المبادئ والقيم المتشاركة المرتبطة بالقيم الغربية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الترابط بين الشعوب والثقافات المختلفة.
         هكذا يرى العديد من الفلاسفة والمفكرين في الغرب، أن ثقافة العولمة / عولمة الثقافة، هي عملية تاريخية معقدة، ليس فقط لأنها تقوم على دمج الإنسان في قيمها الحضارية، الاقتصادية، الاجتماعية والدينية، ولكن أيضا لأنها تتطلب الكشف عن الاختلاط الثقافي عبر القارات والحضارات / عبر العودة إلى الماضي الإنساني، في لغاته ودياناته وتقاليده، وهو ما يعني أنها عملية صعبة، تقوم على الممكن المستحيل.
        والسؤال المحير : متى تصنع الثقافة العربية عولميتها...؟
        وهل تسمح لها العولمة بذلك...؟

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا