لم نكن نعلم ، مسبقا ، أن الحياة ستتبدل بهذا الشكل ، ولم نكن على دراية أن الجائحة ستجتاح طقسنا اليومي ، بل ستدخل في تفاصيل مواقفنا و سلوكاتنا ، التي كانت تأخذ حيزا تلقائيا في باحة اللاإرادي و اللاشعوري . لم نكن مستعدين ، بما فيه الكفاية ، إلى هذا النزال والإبدال العميق في الحياة ، وأنت ... تنظر إلى الآخر نظرة يشوبها ارتياب وشك وريب ، بل وخوف وحنين وأمل وألم . لا نستطيع دخول معركة ، كي نتجرع فيها خسارة وهزيمة ساعة بساعة ... قطرة بقطرة ... إننا مجردون من أسلحة نقاوم بها هذا الإبدال ، الذي أربك العالم بأسره ، وسافر عبر الوتين .
منذ
ظهور هذا الوباء ، ونحن نسابق الزمن ، ونراهن على فصل الصيف ؛ فصل الحرارة ، التي
قيل إنها ستنتصر على هذا الفيروس ، ستعمل على جلده و إذابة طبقاته الذهنية ، ومن
ثم التلاشي ... مدحورا يسقط تاجه من على رأسه ؛ لتدوسه أقدام البشر، خائبا سيعود
إلى مباءته وعشيرته ؛ ليتجرع مرارة الهزيمة ، ويتعلم الدرس ؛ أن الشمس والقمر
والنجوم و الكواكب والرياح والأمطار هي مسخرات للإنسان ؛ لأنه خليفة الله في الأرض
. وأخيرا ، سيدرك الفيروس أنه كان يطارد خيط دخان .
وبمجرد ما بدأت صور رعب وخوف و موت ، تسافر في أثير قنوات البث التلفزي عبر
العالم ، ومن خلال شبكاتها العنكبوتية ، علاوة على رسم حدود جديدة برية وبحرية
وجوية بين دول المعمور ، وفضلا عن إغلاق كل ما يسبب التقارب ، ولا يضمن التباعد بين
الأجساد البشرية ، حتى شرعت الكفة في الميلان
نحو النفق المظلم ، نحو مغارة بين الضوء والماء . سرداب مدلهم ستدخله
البشرية مكرهة ، تاركة وراءها عالما من الحنين والشوق الأبدي إلى العمل والسفر
والأكل و الكلام واللقاءات والسمر ...
جاء
الحجر الصحي يقرع طبول الندم ، وكان الكل يسابق الزمن ضد إغلاق أمكنة تبضع وتسوق ،
لطالما كنا نتمسح بغبارها ، وننعم بأفيائها وظلها المترامي ، فوضعت حواجزُ في مداخل
ومخارج المدينة وفي أحيائها ، فانفصلت المدينة عن مدينة ، التي تغنى بها الشاعر
المصري عبد المعطي الحجازي . فأصبحت ـ أي المدينة ـ منذورة لصفارات الإنذار ، التي
تطوي أزقة وشوارع ، متسارعة نحو أقرب مشفى .
فكنا
نعيش ، حقيقة دون مواربة ، حربا ضروسا ضد فيروس غير مرئي ، استطاع في لمح البصر ، أن
يفجر ينابيع الوجل في دواخلنا ويشل أذهاننا ، ويغير من عاداتنا وسلوكاتنا الكثير . فكثير من الناس كانوا يحملون
المؤن إلى ذويهم ، ويضعونها على عتبة منازلهم ، ويغادرون في صمت ودون إزعاج ...
خوفا من عدوى تتربص بكل فرد فرد ، بيت بيت ، زنقة زنقة . أو أن تكون هناك وساطات لجمعيات التموين ؛
مبادرات لشباب تمرسوا على العمل التطوعي ، يزودون الأهل بأغراض ومتطلبات اليومي .
في صمت الجائحة ، هل انتصر علينا الفيروس ؟
أم سياسة الاحتراز كافية للخروج من هذا
النفق المُعـْتم ؛ هل التباعد الجزئي أو الكلي ، وغسل اليدين باستمرار ، ووضع
الكمامات كفيلة بإنقاذ البشرية من هذا الوباء المتفشي؟ فأيَا كانت الأخطاء ، التي اقترفها بعض
المسؤولين في خرجاتهم وتصريحاتهم الإعلامية حول الجائحة ومتطلبات الوقاية منها ، فإن للزلة
عذرا مقبولا ؛ وذلك أننا لم يسبق أن واجهنا مثل هذه الظروف الاحترازية من قبل ، بل
لم نعش يوما ملابسات تصاحب أوبئة ضربت
الإنسانية عبر التاريخ الحديث.
إن
لحظر التجول ، في صمت الجائحة ، وقعا على النفوس ، الشيء الذي يدفع الخوف على
الأقارب و الأحبة ، خصوصا من كبار السن ، كي يبلغ مداه . وفيها يسعى الوجل الشديد
نحو تأزيم النفوس عندما تـُنقل على شاشات التلفزة مئات ، بل آلاف اللحود تنقل ،
بفعل الجائحة ، إلى مثواها الأخير . وبالرغم من ذلك ، إننا سنكمل الدرب نحو النور
، رافعين التحدي ؛ نؤمن بقوة الوعي و المسؤولية . فمهما حاولنا أن نتيه في تفاصيل
اليومي والمعيشي ، إلا أننا ننشد بقوة
وعزيمة ، بل ننتصر إلى المجتمع المتحضر و المثقف فيه يبوصل الرؤية و العمل معا نحو
غد كله أمل في الحياة .



