-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

شارل بودلير يُضارع إدغار ألآن بو : ذ. رشيد سكري


 يظل الإبداع العالمي ملكا للإنسانية، وهذا ما جعل التأثير والتأثر أمرا حتميا بين الأدباء  والشعراء والروائيين . إن النظر في خريطة الأثر والصدى، التي تربع عليها الإبداع، سنجد أن الشاعر الكبير لا يتأثر إلا بشاعر كبير أيضا، وهذا ما تـُخلق، للتداخل النصي ، شرعية تتجاوز كل الحدود. إن بدر شاكر السياب، الشاعر العراقي، رائد الشعر الحديث، تأثر بالشاعرين الإنجليزيين إديث سيتويل  و  ت.س . إليوت، كما أن نصوص السياب هجرت بدورها إلى الشاعر المغربي محمد الخمار الكنوني ، وهذا الرحيل يأخذ معه البناء الشعري كله من فضاء ورؤية ومتخيل .

   كما أن للترجمة دورا حاسما في انتشار وإذاعة الإبداع من مختلف المشارب المعرفية ، محافظة على إيقاعية المعنى و بنائه ، حيث تسعى نحو انفتاح المعرفة على تجارب أخرى . ولأننا لن نجد تطابقا كبيرا بين النص الأصلي و النص المترجم  ، لذا فالترجمة الناجحة تلك التي تحافظ على صخب الحياة وسكونها ، أو التي تجسر بين صاحب النص الأصلي و بين صاحب النص المترجم . من هذا المسلك الدقيق كانت العلاقة، التي ربطت شارل بودلير(1821ـ1867) بإدغار ألان بو(1809ـ 1849) ، تجاوزت كل الحدود الجغرافية. ف" بو" كان من بين رعيل الرومانسيين الأمريكيين ، الذين احترفوا النقد الأدبي ، واستهوتهم القصيدة والقصة والصحافة  والدرامتورجيا . بينما بودلير رائد الحداثة والرمزية في الثقافة الفرنسية ، يدافع بشراسة عن مجهول الفن وعن التجاوز المستمر للذاتية الرومنسية ، التي تجعل من الأنا قطبا أساسيا في الإبداع .

   ففي منتصف الأربعينيات ونيف من القرن التاسع عشر ، وبالضبط ما بين 1846ـ 1847 ، وفي صخب الحياة الماجنة لبودلير ، تعرف هذا الأخير ، من خلال نصوصه المترجمة في الصحافة الفرنسية ، على إدغار ألان بو . وعبر صديق الأسرار الكاتب والصحفي شارل أسولينو تلقت الساحة الثقافية الفرنسية أول سيرة ذاتية لبودلير، والتي تحمل عنوان " شارل بودلير حياته وعمله "  ، وذلك سنة 1869 ، أي بعد سنتين من وفاة الشاعر . يقول أسولينو : " حياة بودلير الصاخبة تحتاج إلى الكتابة ..." ، وفي هذه السيرة الذاتية سلط الضوء ، أسولينو ، على حياة الصداقة والنساء والخمر والكتابة ، وهذه الأخيرة  لم تفارق بودلير حتى آخر رمق من حياته . يقول بودلير عن بو : " عثرت على كاتب أميركي ، الذي أثار في تعاطفا منقطع النظير ، وحب الحياة و التفاني فيه تجاه بو " .

  إن اكتشاف بو من طرف بودلير ، كان السبب الرئيس في انتشار أفكاره ورؤاه في المشهد الثقافي الفرنسي ، فلما كان البرناسيون يهيئون للمعركة الكبرى ، بهدف السيطرة على مداخل ومخارج الأدب الفرنسي ، وتحقيق الانتقالة الكبرى من الكلاسيكية إلى الرومنسية ،   تحمس الواقعيون أمثال غوستاف فلوبير و سلامبو إلى جانب الطبيعيين ؛ إميل زولا وكلود برنار ليخطفوا مشعل التغيير وجوهره ، ويعلنوا بالمكشوف عن التأثير الكبير ، الذي حققه بو في أدبهم .

    في يوليوز ، من سنة 1848 ، كانت مجلة " حرية التفكير " الفرنسية ، التي يديرها الصحفيان والأديبان أميدي جاك و جولي سيمون ، على موعد مع أول نص ترجمه بودلير لإدغار ألان بو ، وهو عبارة عن قصة تحمل عنوان " كاشف الذبذبات " ، التي يحكي فيها  عن الدور الذي تلعبه الأشعة المغناطيسية للكشف عن الأمراض التي تعلل الإنسان ، وبموجبها ـ أي الأشعة ـ ينتقل من عالم الخرافة والأسطورة إلى عالم الحقيقة ، علاوة على أنه علم يوازي مطلقا علم الخيال ، ومدى تأثير التنويم المغناطيسي في المجال الطبي .

    وفي تصريح مثير أقدم عليه الشاعر ليون لُمونيي ، مفاده أن شارل بودلير كان هو الأنسب لترجمة أعمال إدغار ألان بو ؛ لأن الكبار لا يناسبهم في الترجمة إلا الكبار . وفيها ضربَ لُمونيي عرض الحائط كل المجهودات ، التي قام بها كل من وليام هوغس و فرنسوا راب  وإزابيل مونيي . وفي اليم الذي تتلاطم أمواجه ، وتهب رياحه بالترجمة والتأليف كان صاحب " أزهار الشر "  لم يشرع في ترجمة أعمال إدغار ألان بو إلا بعد وفاته ، وإن كانت روح بودلير تتماهى مع مثيلتها في هذا الجسد النحيف ؛ جسد الكاتب الأمريكي .

    سارع بودلير في الترجمة ، التي شملت الدراسات النقدية التي أنجزها بو ،علاوة على رواياته وقصائده . وكانت روايته " حكايات عجيبة " من بين الأعمال ، التي استأثرت باهتمام كبير من لدن الأدباء الفرنسيين ، وبها اعتبروا إدغار ألان بو رائد الحداثة في عصره . والوصل بحكاياته العجيبة ، التي أطبقت شهرتها كل الآفاق ، والتي وصل فيها رجل إلى القمر بواسطة البالون الهوائي ، فضلا عن خروج الموتى من المقابر لترويض الأحياء في الشوارع العامة ، وبهذا تأثر بو بالحلم والروحانيات وما وراء الطبيعة ، وتمكن بذلك من أن يبدع عالما غير حقيقي ، ماثلا إلى السريالية ، يقول عنه بول فاليري : "  ألآن بو استعار طريقا ملكيا نحو الفن ، اكتشف الغريب داخل البديهي ، والشيء الجديد في القديم ، والجمال في القبح ، إنه مبدع مثالي " .

    في لقاءات صحفية عدة عقدها بودلير بسبب شهرته الشعرية والفنية ، وكان السؤال الذي يهيمن في مثل كذا لقاء ؛ لماذا تـُترجم لإدغار ألآن بو ؟ وكان الجواب دائما : لأنه يشبهني ، وعندما أفتح كتابه ، أحس أنه قريب مني ؛ قريب بالخوف والدهشة و الفرح . هذا التطابق جعل من " بو" النفس الثانية لبودلير ، فضلا عن هذا التشابه بينهما ، قرب ـ أي التشابه ـ المسافة الجغرافية ، التي تفصل بينهما ، ف" بو " ينتمي إلى القارة الأمريكية ، بينما بودلير إلى القارة العجوز، فبالرغم من هذا التباعد الخاص في البعدين الثقافي والاجتماعي ، إلا أنهما يتقاطعان على مستوى الرؤية الإبداعية ، وعلى مستوى صروف الدهر والحياة . وفي هذا المرمى الخاص ، كان بودلير يعتبر هذا الاستحواذ ، المتعلق بالترجمة ، على أعمال إدغار ألآن بو، مهمة دينية .

   كانت اعترافات بودلير في مذكراته الحميمية " القلب المكشوف " الخاصة بالوضع الاعتباري للكاتب الأمريكي في الثقافة الفرنسية ، بمثابة تقاربا خطيرا على مستوى الظروف الاجتماعية الصعبة ، التي كانا يتقاسمانها ؛ ففي مقدمة هذه الصعوبات نجد الفاقة المالية ، التي أثرت عليهما على حد سواء ، علاوة على المعاناة مع الديون ، التي كانت تربك مسيرتهما الإبداعية ؛ فالعوز المادي كان هو القاسم المشترك ، الذي يؤلف بينهما . غير أن في " القلب المكشوف " ، والتي لم يشق طريقه إلى القراء  ، أي ظل في حالته الورقية ، إلا بعد وفاة صاحب " أزهار الشر" سنة 1867 ، تجاوزا لهذا الإملاق ، الذي عرف به الأديبان ، فيجئ منطق الرسائل ليعوض فشل بودلير في تعلقه بأهداب الحياة المنفلتة من بين الأصابع .        

 

 

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا