يظل الإبداع العالمي ملكا للإنسانية، وهذا ما جعل التأثير والتأثر أمرا حتميا بين الأدباء والشعراء والروائيين . إن النظر في خريطة الأثر والصدى، التي تربع عليها الإبداع، سنجد أن الشاعر الكبير لا يتأثر إلا بشاعر كبير أيضا، وهذا ما تـُخلق، للتداخل النصي ، شرعية تتجاوز كل الحدود. إن بدر شاكر السياب، الشاعر العراقي، رائد الشعر الحديث، تأثر بالشاعرين الإنجليزيين إديث سيتويل و ت.س . إليوت، كما أن نصوص السياب هجرت بدورها إلى الشاعر المغربي محمد الخمار الكنوني ، وهذا الرحيل يأخذ معه البناء الشعري كله من فضاء ورؤية ومتخيل .
كما أن للترجمة دورا حاسما في انتشار وإذاعة الإبداع من مختلف المشارب
المعرفية ، محافظة على إيقاعية المعنى و بنائه ، حيث تسعى نحو انفتاح المعرفة على
تجارب أخرى . ولأننا لن نجد تطابقا كبيرا بين النص الأصلي و النص المترجم ، لذا فالترجمة الناجحة تلك التي تحافظ على صخب
الحياة وسكونها ، أو التي تجسر بين صاحب النص الأصلي و بين صاحب النص المترجم . من
هذا المسلك الدقيق كانت العلاقة، التي ربطت شارل بودلير(1821ـ1867) بإدغار ألان
بو(1809ـ 1849) ، تجاوزت كل الحدود الجغرافية. ف" بو" كان من بين رعيل
الرومانسيين الأمريكيين ، الذين احترفوا النقد الأدبي ، واستهوتهم القصيدة والقصة
والصحافة والدرامتورجيا . بينما بودلير
رائد الحداثة والرمزية في الثقافة الفرنسية ، يدافع بشراسة عن مجهول الفن وعن
التجاوز المستمر للذاتية الرومنسية ، التي تجعل من الأنا قطبا أساسيا في الإبداع .
ففي منتصف الأربعينيات ونيف من القرن التاسع عشر ، وبالضبط ما بين 1846ـ
1847 ، وفي صخب الحياة الماجنة لبودلير ، تعرف هذا الأخير ، من خلال نصوصه
المترجمة في الصحافة الفرنسية ، على إدغار ألان بو . وعبر صديق الأسرار الكاتب
والصحفي شارل أسولينو تلقت الساحة الثقافية الفرنسية أول سيرة ذاتية لبودلير، والتي تحمل عنوان
" شارل بودلير حياته وعمله " ، وذلك سنة 1869 ، أي بعد سنتين من وفاة الشاعر . يقول أسولينو : "
حياة بودلير الصاخبة تحتاج إلى الكتابة ..." ، وفي هذه السيرة الذاتية سلط
الضوء ، أسولينو ، على حياة الصداقة والنساء والخمر والكتابة ، وهذه الأخيرة لم تفارق بودلير حتى آخر رمق من حياته . يقول
بودلير عن بو : " عثرت على كاتب أميركي ، الذي أثار في تعاطفا منقطع النظير ،
وحب الحياة و التفاني فيه تجاه بو " .
إن
اكتشاف بو من طرف بودلير ، كان السبب الرئيس في انتشار أفكاره ورؤاه في المشهد
الثقافي الفرنسي ، فلما كان البرناسيون يهيئون للمعركة الكبرى ، بهدف السيطرة على
مداخل ومخارج الأدب الفرنسي ، وتحقيق الانتقالة الكبرى من الكلاسيكية إلى
الرومنسية ، تحمس الواقعيون أمثال غوستاف
فلوبير و سلامبو إلى جانب الطبيعيين ؛ إميل زولا وكلود برنار ليخطفوا مشعل
التغيير وجوهره ، ويعلنوا بالمكشوف عن التأثير الكبير ، الذي حققه بو في أدبهم .
في يوليوز ، من سنة 1848 ، كانت مجلة " حرية التفكير " الفرنسية
، التي يديرها الصحفيان والأديبان أميدي جاك و جولي سيمون ، على موعد مع أول نص
ترجمه بودلير لإدغار ألان بو ، وهو عبارة عن قصة تحمل عنوان " كاشف الذبذبات
" ، التي يحكي فيها عن الدور الذي
تلعبه الأشعة المغناطيسية للكشف عن الأمراض التي تعلل الإنسان ، وبموجبها ـ أي
الأشعة ـ ينتقل من عالم الخرافة والأسطورة إلى عالم الحقيقة ، علاوة على أنه علم
يوازي مطلقا علم الخيال ، ومدى تأثير التنويم المغناطيسي في المجال الطبي .
وفي تصريح مثير أقدم عليه الشاعر ليون لُمونيي ، مفاده أن شارل بودلير كان
هو الأنسب لترجمة أعمال إدغار ألان بو ؛ لأن الكبار لا يناسبهم في الترجمة إلا
الكبار . وفيها ضربَ لُمونيي عرض الحائط كل المجهودات ، التي قام بها كل من وليام
هوغس و فرنسوا راب وإزابيل مونيي . وفي
اليم الذي تتلاطم أمواجه ، وتهب رياحه بالترجمة والتأليف كان صاحب " أزهار
الشر " لم يشرع في ترجمة أعمال إدغار
ألان بو إلا بعد وفاته ، وإن كانت روح بودلير تتماهى مع مثيلتها في هذا الجسد
النحيف ؛ جسد الكاتب الأمريكي .
سارع بودلير في الترجمة ، التي شملت الدراسات النقدية التي أنجزها بو
،علاوة على رواياته وقصائده . وكانت روايته " حكايات عجيبة " من بين
الأعمال ، التي استأثرت باهتمام كبير من لدن الأدباء الفرنسيين ، وبها اعتبروا
إدغار ألان بو رائد الحداثة في عصره . والوصل بحكاياته العجيبة ، التي أطبقت
شهرتها كل الآفاق ، والتي وصل فيها رجل إلى القمر بواسطة البالون الهوائي ، فضلا
عن خروج الموتى من المقابر لترويض الأحياء في الشوارع العامة ، وبهذا تأثر بو
بالحلم والروحانيات وما وراء الطبيعة ، وتمكن بذلك من أن يبدع عالما غير حقيقي ،
ماثلا إلى السريالية ، يقول عنه بول فاليري : " ألآن بو استعار طريقا ملكيا نحو الفن ، اكتشف
الغريب داخل البديهي ، والشيء الجديد في القديم ، والجمال في القبح ، إنه مبدع
مثالي " .
في لقاءات صحفية عدة عقدها بودلير بسبب شهرته الشعرية والفنية ، وكان
السؤال الذي يهيمن في مثل كذا لقاء ؛ لماذا تـُترجم لإدغار ألآن بو ؟ وكان الجواب
دائما : لأنه يشبهني ، وعندما أفتح كتابه ، أحس أنه قريب مني ؛ قريب بالخوف
والدهشة و الفرح . هذا التطابق جعل من " بو" النفس الثانية لبودلير ،
فضلا عن هذا التشابه بينهما ، قرب ـ أي التشابه ـ المسافة الجغرافية ، التي تفصل
بينهما ، ف" بو " ينتمي إلى القارة الأمريكية ، بينما بودلير إلى القارة
العجوز، فبالرغم من هذا التباعد الخاص في البعدين الثقافي والاجتماعي ، إلا أنهما
يتقاطعان على مستوى الرؤية الإبداعية ، وعلى مستوى صروف الدهر والحياة . وفي هذا
المرمى الخاص ، كان بودلير يعتبر هذا الاستحواذ ، المتعلق بالترجمة ، على أعمال
إدغار ألآن بو، مهمة دينية .
كانت اعترافات بودلير في مذكراته الحميمية
" القلب المكشوف " الخاصة بالوضع الاعتباري للكاتب الأمريكي في الثقافة
الفرنسية ، بمثابة تقاربا خطيرا على مستوى الظروف الاجتماعية الصعبة ، التي كانا
يتقاسمانها ؛ ففي مقدمة هذه الصعوبات نجد الفاقة المالية ، التي أثرت عليهما على
حد سواء ، علاوة على المعاناة مع الديون ، التي كانت تربك مسيرتهما الإبداعية ؛
فالعوز المادي كان هو القاسم المشترك ، الذي يؤلف بينهما . غير أن في " القلب
المكشوف " ، والتي لم يشق طريقه إلى القراء
، أي ظل في حالته الورقية ، إلا بعد وفاة صاحب " أزهار الشر" سنة
1867 ، تجاوزا لهذا الإملاق ، الذي عرف به الأديبان ، فيجئ منطق الرسائل ليعوض فشل
بودلير في تعلقه بأهداب الحياة المنفلتة من بين الأصابع .



