-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

لمحة عن نظرية الأنواع الأدبية بقلم: مصطفى بحبح*

لمحة عن نظرية الأنواع الأدبية بقلم: مصطفى بحبح*
إن تصنيف الأدب إلى أنواع فكرة قديمة، تعود إلى التراث اليوناني على الأقل. و قد
ظلت مقولة "النوع الأدبي" حاضرة على امتداد التاريخ، من أفلاطون إلى نقاد ما بعد الحداثة. احتلت هذه المقولة مكانة محورية في كل دراسة أدبية، رغم اختلاف المداخل وتباين الخلفيات والمرتكزات.
تنبع ضرورة التمييز بين الأنواع الأدبية، من حاجة الإنسان إلى التمييز بين الأشياء والمقارنة أو الجمع بينهما. يتناول الدارسون الأعمال الأدبية من منظور النوع لكي يكتشفوا القوانين المتحكمة في عدد من النصوص المتشابهة، والمظاهر المشتركة بينها.
كان أفلاطون أول من قام بتصنيف الأدب. و قد ميز فيه بين ثلاثة أنواع: ملحمي وغنائي، ودرامي؛ إلا أن أرسطو من خلال كتابه " فن الشعر" كان المؤسس الفعلي لنظرية الأنواع الأدبية.
استعمل أرسطو طاليس (Aristot) في مختلف كتاباته الفلسفية كلمتي "جنس" و"نوع"،والجنس عنده أعم من النوع؛ فالأدب، مثلا، جنس، تنضوي تحته مجموعة من الأنواع. قام أرسطو بتصنيف الأنواع الشعرية (أي الأدبية) التي كانت معروفة في عصره معتمدا على مقاييس تصنيفية متعددة: أخلاقية، نفسية، اجتماعية وأسلوبية. وقد أوجز هذه المقاييس في ثلاثة هي: أ- وسائل المحاكاة، ب- الموضوع، ج- الأسلوب. "وتختلف المحاكاة – يقول أرسطو- وفقا لهذه الفروق الثلاثة"1. ويرجع تعدد الأنواع كذلك إلى تعدد حالات "النفس المبدعة". يقول: "لقد انقسم الشعر وفقا لطباع الشعراء. فذوو النفوس الخسيسة حاكوا أفعال الأدنياء فأنشدوا الأهاجي، بينما أنشأ الآخرون الأناشيد والمدائح".2
تتسم نظرية أرسطو بالطابع المقارن. يتضمن كتاب "فن الشعر" مقارنة بين الملهاة والمأساة. فهذان النوعان، في نظر هذا الفيلسوف يتفقان في كونهما مسرحا. ويتميزان في نفس الوقت بموجب مقياس أخلاقي نفسي. كما يختلفان في الموضوع، وفي الأسلوب (ويقصد أرسطو بالأسلوب الوزن). وميز هذا الأخير، كذلك بين المأساة والملحمة. وهما تلتقيان في كونهما محاكاة للأفاضل، من الناس، ومصدرهما الشعراء ذوو النفوس النبيلة، وتختلفان في كون المأساة مسرحا والملحمة حكاية، وتفترقان في الطول. وبينما تستعمل الملحمة وزنا واحدا، تستعمل المأساة أوزانا عديدة.
جاء ما ورد في هذا الكتاب عن الملهاة والملحمة في سياق الحديث عن المأساة. ولا يستبعد أن تكون قد ضاعت صفحات قيمة عن الملهاة والملحمة والتاريخ، وربما أنواع أخرى من "فن الشعر".
 ظفر كتاب أرسطو بمكانة خاصة عبر التاريخ، ومن لدن كل الأمم. ففي العصر الوسيط ترجمه العرب وشرحوه، وخاصة الفلاسفة، بيد أن أدباء العربية لم يقوموا بالإبداع على منوال الأنواع الأدبية اليونانية. لقد كانت الأغراض الشعرية والنثرية المتوارثة منذ العصر الجاهلي متمكنة من وجدان الإنسان العربي القديم- مبدعا ومتلقيا- كما أن هذه الأغراض كان لم ينضب معينها بعد.
ينقسم الأدب العربي القديم إلى شعر ونثر. ويضم كل نوع أغراضا متعددة.يضم الشعر الرثاء والفخر والحماسة والغزل والهجاء... إلخ. أفردت القصائد أحيانا لغرض واحد، وتمازجت الأغراض في أغلب الأحيان. ويطلق النثر على الخطبة الرحلة والمقامة والرسالة، وما إلى ذلك. ولكل غرض شعري أو نثري، خصائص معلومة عند أهل الصناعة والعارفين بها.
و يعد ابن رشيق من خلال كتابه " العمدة" و حازم القرطاجني في " سراج الأدباء و منهاج البلغاء" أبرز من خاض في قضية أغراض الشعر , مستندين إلى مقولات منطقية و نفسية و بلاغية.
عرف الأدب العالمي منذ عصر النهضة الأوربية تحولات عميقة. لقد بدأت الأنواع الأدبية في الغرب، تتجدد وتتغير. وبدأت المعايير تتعرض للتطوير والخرق. إن أهم تغير حصل خلال العهد الحديث هو ما يمكن أن نسميه: "عولمة الأنواع الأدبية". وظهرت في العصر الحديث تصنيفات جديدة تبعا لما استجد من أنواع أدبية. وقد اتكأت نظريات النوع الحديثة على أرضيات فلسفية وجمالية جديدة.
ميز رونيه ويليك وأوستن وارين بين "النظرية الكلاسية الجديدة"، والتي حمل مشعلها نيكولاس بوالو وهيو بلير وآخرون، و"النظرية الحديثة". وهما ينتقدان النظرية الأولى نظرا لعتاقتها، وعدم مواكبتها لتطور الأدب والتفكير النقدي، ولافتقادها للاتساق وافتقارها إلى الإقناع، وإيمانها"بنقاء النوع"3. بينما يدافعان عن النظرية الحديثة التي هي، في نظرهما، نظرية وصفية. "إنها لا تحدد عدد الأنواع الممكنة ولا توصي الكتاب بقواعد معينة فهي تفترض أنه في المستطاع "مزج" الأنواع التقليدية وإنتاج نوع جديد، مثل المأساة – الملهاة وترى أن بالإمكان إنشاء الأنواع على أساس الشمول أو الغنى كما كانت تبنى على النقاء (...) والكاتب يمتثل جزئيا للنوع كما هو موجود ثم يمدده تمديدا جزئيا أيضا."4
وفي سياق تقييم نظرية الأنواع الأدبية كذلك، أصدر ناقد أنجلوسكسوني معاصر يدعى طوماس كينت (Thomas kent) سنة 1983 مقالا هاما تحت عنوان "تصنيف الأنواع". يميز كينـت بين مرحلتين أو صورتين لنظرية الأنواع الأدبية- وهو يسميها "نقد النوع"-. فنقد النوع في صورته التقليدية يتوجه إلى الإجابة عن سؤالين أساسين هما: كيف يمكن لنوع أدبي أن يتميز عن نوع آخر؟ وكيف تتطور النصوص الأدبية؟ أما نقد النوع اليوم فلا يواجه، في نظره، مهمته التقليدية فقط: تصنيف الأنواع الأدبية ووصف تطورها وإنما يتكفل بمشكلات من قبيل: الأدبية وتلقي القارئ5. إن الأدبية والتلقي ليسا إلا مثالين فقط من قضايا نظرية الأنواع المعاصرة.
عندما تحدث نورثروب فراي عن الأنواع الأدبية، أسس كلامه على "كيفية التقديم" والتي يعتقد أنها علامة دالة على النوع. يقول: " فالكلمات يمكن أن تؤدى ويتلقاها مشاهد ويمكن أن يتكلم بها ويتلقاها مستمع ويمكن أن تغنى أو ترتل، وربما تكتب لقارئ."6 و بدل أن يشرح العلاقات الداخلية التي تربط نصوص كل نوع، حاول أن يوضح كيف أن هذه الأنواع تدخل في علاقة تاريخية متبادلة مع الأنواع المبكرة لقد كان جهده موجها بشكل مباشر إلى الحديث عن التقاليد الأدبية.
بينما كان فراي يتجه ببحثه في النوع إلى التقاليد والصلات التي يمتلكها كل نوع، اتجه ياوس إلى دراسة الإستجابات التاريخية للقراء المحكومين  ب" أصول اللعبة". ولا بد أن نشير إلى أن كلا منهما كان مهتما بتغيرات النص وبالصلات بين النصوص. ورغم أن ياوس لم يهتم كثيرا بالكيفية التي يتشكل بها نص ما بوصفه عضوا في نوع، فإنه قدم إجراءات مهمة بالنسبة للنظرية التفسيرية. يقول: "إن النص الجديد يستدعي لدى القارئ أفق التوقعات و"أصول اللعبة" التي ألفها في نصوص سابقة، وهو أفق يمكن بعد ذلك أن يعدل أو يوسع أو يتم تصحيحه، بل ويتم تحويله أيضا وتهجينه، أو ببساطة تتم إعادة إنتاجه. إن عمليات التحويل والتوسيع والتصحيح تحدد نطاق البنية الخاصة بالنوع. والقطيعة مع التقاليد من ناحية، ومجرد إعادة إنتاجها من ناحية أخرى، وهي التي تصنع حدود البنية الخاصة بالنوع." 7ولكي يشرح ياوس العلاقة بين النص المفرد والنوع يقدم الرأي التالي: "إن العلاقة بين النص المفرد وسلسلة النصوص المكونة لنوع ما، تقدم نفسها كأنها عملية خلق دائم لآفاق التوقعات وتغيير لها."8
وتطرح مقولة النوع في نظر تودوروف عدة أسئلة منها: هل  لنا أن نناقش نوعا ما دون أن تتوفر لنا دراسة كل الأعمال التي كونت هذا النوع؟ ويجيب بأن المنهج العلمي يتقدم عن طريق الإستنتاج. يقول: "إن من أولى سمات المنحى العلمي عدم مطالبته بكافة تحيزات الظاهرة [والمقصود كل مكوناتها] فهو بالأحرى يعمل عن طريق الإستنباط."9 فليس المهم في نظر تودوروف هم كم الملاحظة، وإنما هو التماسك المنطقي للنظرية. لقد اعتمد هذا الأخير على أفكار كارل بوبر المنطقية في إجابته عن السؤال الأول.
إن مستوى التعميم الذي يصل إليه مفهوم النوع جعل تودوروف يطرح السؤال الثاني: هل هناك عدد محدود للأنواع؟ هل للأنواع عدد أم أنها غير محددة العدد؟ وللإجابة يميل إلى آراء الشكلانية الروسية. يقول: " كتب توماتشفسكي:
"تتوزع الآثار إلى أقسام واسعة،و هذه بدورها تتخلق في صيغ وأنواع. وفي هذا المنحى، إذ ننزل في سلم الأجناس سنصل من الأقسام المجردة إلى التميزات التاريخية الملموسة (قصيدة نيرون، قصة تيشخوف القصيرة، رواية بلزاك، الأود أو النشيد الروحي، الشعر البروليتاي) بل وحتى الآثار الخاصة."10
طور تودوروف البحث الشعري السيميائي في مقولة النوع، معتبرا إياها مقولة جوهرية في الدرس الأدبي. ويرى أن النوع الجديد يتأسس بتحويل نوع أو أنواع قديمة. ويتحقق هذا التحويل بواسطة آليات عديدة منها: القلب والنقل والتركيب.
ومن منظور سيميائي يؤكد تودروف على الطابع المؤسساتي للأنواع الأدبية. يقول: "توجد الأنواع الأدبية كمؤسسة تعمل "كأفق انتظار" بالنسبة للقارئ و كـ"نماذج للكتابة" بالنسبة للكتاب."11 يكتب المؤلف، إذن، وفق نسق نوعي موجود ويقرأ القارئ من خلال وظيفة هذا النسق النوعي، وإن لم يكن على وعي تام بخصائصه.
باعتبار الأنواع الأدبية مؤسسة فإنها تفيد المؤرخ والأتنوغرافي.12 بالنسبة لهذا الأخير مثلا، قد يقارن الأنواع الموجودة عند الشعب المدروس وعلاقاتها- وجودها أو عدمها- بما عند الشعوب الأخرى، كما أنه يضع الأنواع الأدبية إلى جانب العناصر الأخرى لنفس الثقافة. أما بالنسبة للمؤرخ فيوجد في كل عصر نسق من الأنواع الأدبية تكونت في علاقة مع الإيديولوجيا السائدة وكغيرها من المؤسسات، توضح الأنواع الأدبية الخصائص المتحكمة في المجتمع الذي تنتمي إليه، ويختار كل مجتمع الصيغ التي تتلاءم قليلا أو كثيرا مع إيديولوجيته. ولهذا السبب نجد حضور بعض الأنواع في مجتمعات معينة وغيابها في أخرى.
تساعد المعرفة النوعية على التربية على النظام والتقليدية أو التمرد على التقاليد والمعايير وتجاوزها. وتفيد هذه المعرفة الناقد والكاتب. "فالبنسبة للناقد نجد أنه لمحاولته وصف هيكل بنيوي لجنس أدبي معين يعمل على ابتكار مجموعة من المصطلحات تمكنه في خطوات تالية من تحليل عمل فردي أما المؤلف فإنه - بقبول " دعوة" بنية جنس أدبي معين أو رفضها- يستوعب التوجه الاجتماعي نحو أشكال معينة."13
يعبر أندرسون أمبرت عن عمل المهتم بنظرية الأنواع الأدبية قائلا: "والأمر أن المنظر الذي يقوم بوضع ملامح جنس أدبي معين لم يتمكن من قراءة كل الأعمال الأدبية التي تندرج في سياق النوع. فربما لا يتسع عمره لهذه المهمة . و بالتالي، فهو يستخرج مما قرأه افتراضا يساعده بعد ذلك على الحكم على الأعمال التي لم يقرأها. وعلى ذلك فإن نظريته قابلة بالضرورة للتعديل."14 ثمة تحد كبير يواجه هذه النظرية، ويتمثل في انتشار الكتابة على نطاق واسع، وتراكم الآلاف من النصوص في وقت وجيز. ومن ثم لا يسع هذه النظرية إلا تفعيل الإجراء الانتقائي الاستنتاجي كما طبقه تودوروف بخصوص دراسته للنوع العجائبي.
تتسم نظرية الأنواع الأدبية بنسبية خلاصاتها وتجددها، وانفتاحها على مستجدات العلم الإنساني الشامل.
الهوامش:
[1]- أرسطو طاليس: فن الشعر، مع الترجمة العربية القديمة وشرح الفارابي وابن سينا وابن رشد .ترجمة عبدالرحمان بدوي. دار الثقافة بيروت. ط2، 1973. ص 10.
2- نفسه ص 18.
3- رونيه ويليك واوستين وراين: نظرية الأدب ترجمة محيي الدين صبحي مراجعة د. حسام الخطيب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ط 2 1987 ( ص ص 241 - 246). ( الطبعة العربية الأولى 1984).
4- نفسه ص: 247.
5-  مقالة ضمن كتاب: القصة، الرواية المؤلف (مجموعة مقالات) ترجمة د. خيري دومة. دار شرقيات القاهرة ط 1 1997 ص 57.
6 ـ عن " التاريخ والنوع". مقالة لرالف كوهن. ضمن " القصة، الرواية، المؤلف". ترجمة د. خيري دومة .ص 29 .
7 ـ عن رالف كوهن: التاريخ والنوع. (م.م). ص 32.
8 ـ  نفسه. ص 32.
9 ـ  تزفتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي. ترجمة الصديق بوعلام.تقديم محمد برادة. دار الكلام الرباط ط 1 . 1993 ص 27.
10 ـ نفسه ص 28.
11 ـT.Todorov : la notion de littérature, et autres essais .coll. Points. Ed seuil. 1987. P 34.
12-  Ibid : p 35.
13- أنريكي أندرسون أمبرت: القصة القصيرة: النظرية والتقنية. ترجمة علي إبراهيم منوفي.مراجعة صلاح فضل.المجلس الأعلى للثقافة.مصر.2000.ص 12
14- إنريكي أندرسون أمبرت : القصة القصيرة: النظرية والتقنية .(م.م. ) ص 14
.
مصطفى بحبح باحث من المغرب . نُشرت له مجموعة من المقالات في بعض الجرائد 

والمجلات الالكترونية المغربية.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا