بطبيعته، يسير الإنسان السوِيّ نحو أهدافه قاطعا محطات شتى. منها ما يتعلق بأهدافه ومنها ما خرج عن السياق. ومنها جميعها يكتشف نفسه شيئا فشيئا مارًّا بالآخرين.
منذُ عامي الثالث عشر، حين اكتشفتُ أن فلسطين تنبض في شرياني الرئيسي، عرفتُ وأدركتُ صعوبة التالية من السنوات. لكنني، لم أكن أعلم بأنها ستكون صعبة بقدر بساطة الحلم الأول.
كان حلمي البِكر هو أن أشارك في مظاهرة يُرفَع بها علَم دمي.
كبُرَ الحلمُ معي وفيَّ، حتى صرتُ أشتهيه. ولأنني كبرتُ في بيتٍ لا يمشي في المظاهرات، بل ويرى في مشاركة المرأة فيها، نوعا من الاسترجال، ولأن الاسترجال عيب، صار حلمي هو ذلك الحمْل السِرٍي الذي أخفيه في أحشائي كي لا يُفضح أمره، وأخذتُ أرتدي أحلاما أوسع حتى لا تضيقَ تضاريسي عليّ.
فحلمتُ أن أدرس في الجامعة دون اكتراث لموضوع التعليم الذي سيرسم لي مستقبلا، دوري المهني. ودرستْ.
الصورة الوحيدة التي كنت أراها، هي صورة خلود بدوي وهي تقف فوق سيارة ما، وبيدها علم فلسطين في جامعة حيفا أثناء إحدى المظاهرات التي كانت تنظمها الحركات الطلابية العربية في الجامعة.
خلود بدوي ابنة صديق والدي من الناصرة. تسنى لمسمعي مرة أثناء زيارة له في بيتنا، أن أسمعه متحدثا عن ابنته مفاخرا بها. أمّا صديقه، والدي، فقد كان يبدي إعجابه بها وبنشاطها على الأقل أمام والدها.
غالبا ما كنت أتساءل، كعادتي في التساؤل، لمَ هذه الازدواجية؟!
ليس مهما، لان المهم هو أنني التحقت بجامعة حيفا وعينَيّ موجهة كل الوقت نحو الطاولة الحمراء المقابلة للبرتقالية في باحة ال 700 في المبنى الرئيسي للجامعة. كنت أجلس هناك في الاستراحات، وأحيانا أثناء المحاضرات، مقتنصة وجها مألوفا كي أبدأ بالحديث معه، علّني أقدر على الانضمام لنشاطاتهم الحمراء او البرتقالية، لا يهم. عِلمًا بأن ميولي كانت بلون الدم.
لم أنجح. أعترف أنني فشلت. ولا علم لي، هل كان سبب الفشل هي أنا أمْ هو احتكار مجموعة معينة لتلك الطاولات!
بعد سنتين من المعاناة والحسرة ، نعم حسرة المظاهرة، قررتُ بمعية صديق لي في الدراسة في نفس الكلية أن نرشح انفسنا في انتخابات رابطة الطلاب كمستقلّين بعيدا عن الأحزاب. طبعا هو لم يكن يدري بحسرتي.
كل ما أذكره من هذه التجربة ، ليست المسيرة نفسها ولا النتيجة، إنما أذكر عيد روحانا حين جاءني طالبا مني التنازل عن الترشيح كي نضمن وحدة الصوت العربي! وهنا، شعرتُ بمسؤولية كبيرة خاصة أن شريكي كان يهوديا. فتنازلت وسحبتُ ترشيحي.
ولأن العرب جيدون في الإعراضِ بعد انتهاء المصلحة، وجدتُ نفسي مجددا أخفي حمْلي حلمي.
أثناء دراستي الجامعية ارتبطتُ بزوجي الحالي، ابن الشخصية السياسية الأولى في قريتي المنتمي للحزب الشيوعي.
فشعرتُ باقترابي من تحقيق الحلم! حيث اعتادت بناته قبل أبنائه الوقوفَ في الصف الأمامي في مخيمات العمل التطوعي وفي المناسبات الوطنية المختلفة.
لكن بعد وفاته، رحمه الله، اكتشفتُ بأن الناشطين سياسيا ووطنيا غالبا ما يصابون بالخذلان او بالخمول.
وهذا ما كان، فقد أصيب زوجي لاحقا بخذلان كبير حوّله إلى إنسان عملي جدا حد التنكر للنضال.
فابتعد الحلمُ مجددا.
بعد سنين شرعتُ في كتابة الشعر علنا، بعدما أخفيته مدة عشرين عاما في دفترٍ مهمَل كي لا يلتفت إليه أحد. أثناء العشرين سنة تلك حمِلتُ سِرّا بتوأميّ، المظاهرة والشعر.
ولما صدر ديواني الأول الذي رافقني به الكاتب محمد نفاع، الشخصية الشيوعية المعروفة، شعرتُ للمرة الثانية باقتراب الحلم الأول. فمن يكتب شِعرا، لا بد له أن يلتقي بكل الشخصيات التي تنظم المظاهرات.
خلال كل تلك السنوات، كنت أمارس عجزي في المشي في مظاهرة، وكنتُ أتابع كل الأحداث بنَهَم، فاهتميْت في مواكبة كل المستجدات ونبَضَ قلبي بكل المظاهرات التي رسمت شرايين القضية.
اليوم، كلما قررتُ أن أخرج للمشاركة في مظاهرة ما، ولو لوحدي، كانت تعترضني أسباب تافهة جدا، ذِكرُها يجعلني أتفه منها.
ها أنا الآن أقف عاجزة للمرة المليون أمام حلمي الأول، فقد انضممتُ لاتحاد كتّاب لا يشارك في المناسبات الوطنية، يشغل نفسه بانقسامات لا تعنيني.. وها هوالخذلان ينال من شريكي الذي بات خاملا أمام رغبتي في التظاهر وحاجتي لقول “لا” و “كفى”.. وها هم أصدقائي المقربون، بحُكمِ سنّهم وتجربتهم، يقفون بعيدا مفضّلين الهوامش.. وها أنا أستسلم وأعلِن اعتذاري أمام حلمي الأول وحملي الأشهى بعدم قدرتي على الولادة.. وها انا أنحني تقديسا لكل قَدمٍ جعلتْ من دبيبها حنجرة تصرخ بوجه الاحتلال والظلم والاستبداد والفقر والمذلّة.. وأكتفي بعينيّ دامعتيْن كلما لاحتا بحدثٍ وطني مشرّف.