-
1. أين تقع الجاذبية:
يعالج ياوس، جماليات التلقي، ضمن جدلية ثلاثية: (الإنتاج، التلقي، وأفق التوقع)، فالأدب والفن لا ينتظمان في تاريخ نسقي: (إلاّ إذا نُسبتْ سلسلة الأعمال المتوالية، لا إلى الذات المنتجة وحدها، وإنما إلى الذات المستهلكة)، وهو يرفض الخلط بين جمالية التلقي، وسوسيولوجية الجمهور التاريخية. وبالتالي، فهو يحصر العملية الجمالية في عملية إنتاج النص، والقراءة، أي أنَّ إضافة ياوس، هي (بُعد القارئ). لقد مرّت الجماليات بمراحل متعددة: الشعر أولاً، والنصّ ذريعة، ثم: المزج بين الشعر والشاعر، وأخيراً: النصّ، ولا شيء غير النص، أي (موت المؤلف). أمّا – ياوس، فهو مرحلة رابعة، تعني: إضافة بُعد القارئ، والعملية الإنتاجية. فهناك إذن، نوعان من الإيصال: الإيصال الموجود في النص بمنظور المؤلف، وهو يتشكل من طبقات أسلوبية ومنظورية في زمكانية محددة، والاستقبال لدى القارئ الذي يكمل النصّ. ذات مرّة، سألني صحافي، عن مفهوم العالمية والهوية، فأجبته: (أنا شاعر عالمي حتى قبل أن يترجم لي حرف واحد)، فاندهش، واندهش معه بعض القرّاء. بالنسبة لي، الأمر واضح: تكون العالمية في النص أو لا تكون – قبل الترحمة.
الإشكالية هنا، ليست في القارئ وحده، بل في عملية الإنتاج، فهي التي تحدّد (أفق التوقع) لدى القارئ. فالتلقي، يرتبط بكسر أفق التوقع التقليدي، لأنه كلما كثرت المفاجآت، كلما اندهش القارئ، وتحققت متعته: مثلاً، رواية يوليسيز لجميس جويس، كسرت أفق توقعات الرواية في القرن التاسع عشر ذات الطابع الاجتماعي التاريخي، كما أن رواية (تلك الرائحة)، 1966 لصنع الله إبراهيم، وروايات جمال الغيطاني ومحمود المسعدي ذات الأسلوب السردي التراثي، ورواية رجال في الشمس لغسّان كنفاني – مثلاً، كلها كسرت أفق التوقع التقليدي، لجهة الأسلوب والبناء، أو لجهة المنظور.
إنّ عملية الإنتاج، عملية معقدة يطول شرحها، كما أنَّ عملية التلقي، عملية معقدة، ترتبط بعملية الإنتاج، والزمان والمكان والطبقة، والمكبوت في القارئ، ومدى التطابق السايكولوجي بين القارئ والنص، لكنَّ عملية التلقي، ترتبط بمحصّلة ذلك كله، أعني ما أسميه: الجاذبية، فالجاذبية تكون في النص، لكن لابدّ أن تكون عناصر الجاذبية في النص، قابلة لأنْ تتطابق مع مغناطيس القارئ. فنحن ببساطة، نقول: أحببتُ هذه الرواية أو هذه القصيدة، أو نقول: لم تعجبني، وهذا ليس مجرد انطباع، لأن الناقد – القارئ، هو الذي يجيب على السؤال الكبير: لماذا؟، لكنّ جواب هذه اللماذا، هو محصلة عملية
– شاعر فلسطيني، (أستاذ)، جامعة فيلادلفيا، عمّان – الأردن.
التلقي، لأنه عندئذٍ يشرح أسباب الانجذاب، علماً أن جاذبية التلقي، قابلة للتحول دائماً. إذن، هناك جاذبيتان: في النصّ، وخارجه.
لقد تمَّ استبدال أهمية المؤلف، بأهمية القراءة المرتبطة بعملية إنتاج النص، لهذا تتمركز الجاذبية في منطقة تقع داخل النص أولاً، من خلال عملية التشويق في السرد، أو في بناء الحبكة، بصفتها النسيج الذي يجمع أجزاء الأحداث ، أو في خلق حالات شعرية، أو في توليد أبطال غير نمطيين، أو في خلق حالة تناقض أسلوبي. أما في الشعر، فتولد الجاذبية من خلال توليد استعارات غير مستهلكة، أو تشابيه جديدة مفاجئة، أو من خلال توليد إيقاعات متتابعة تمنح الأذن متعة الامتلاء، وهي إيقاعات جديدة، تختلف عن إيقاعات الوزن العددي، أو من خلال مفارقات ترتبط بالتضاد والتباين وجمع المتناقضات التي تقوم بتوليد تشكيل شعري جديد، أوْ من خلال اللغة المتشكلة في النص الشعري، حيث تلعب الأفعال والضمائر دوراً هاماً في نسيج النص، كذلك تنوع الطبقات الأسلوبية، ومدى حداثتها. والأهم من ذلك هو أنَّ الجاذبية هي محصّلة عملية الإنتاج، لهذا تتكوّن في النص، أو لا تكون موجودة فيه. هناك نصّ شعريٌّ متفوق بذاته، بما يمتلكه من الجاذبية التي هي درجاتٌ من العشق والصياغة المبُهرة. وهناك نصّ شعريٌّ متوسّط قد تكون حداثية، لكنه يخلو من الكثافة، ويميل إلى الاسترسال غير الضروري، وبالتالي تكون درجة الجاذبية فيه، درجة ضعيفة. وهناك بطبيعة الحال، نصٌّ شعري ضعيف، يكتفي بالاستسلام للخصائص العامة للشعر، حيث يخلو من أية جاذبية. هنا، إذن تتشكل: (بنية الجاذبية) المرتبطة بعملية الإنتاج في قلب النص، فتصوغ جاذبية الاستقبال الأولى. أمّا – جاذبية الاستقبال الثانية، فهي نابعة من القارئ في الزمان والمكان والطبقة الاجتماعية. وهنا نؤكّد (العلاقة الجدلي) بين الجاذبيتين: فالأساس هو كسر أفق التوقع في الجاذبية الداخلية، وهذا (الكسر) لد درجات قوية ومتوسطة وضعيفة. أما (الجاذبية الخارجية) أي التي تتعلق بالقارئ العلني، فهي مرتبطة بالزمان والمكان ورأس المال، وآليات الإنتاج والتسويق، أي الذات المستهلكة. فالذات المستهلكة لها إديولوجيا، وهي مرتبطة بطبقة، وسلطة أو معارضة، وبالتالي، فإن جماليات الاستقبال عند القارئ العلني، هي مُحصّلة كل ذلك، فهي ليست حيادية، ولكنها تكون فاعلة في النص، لأنها تكمل القراءة. وبالتالي، فإن تحول النصّ بعد إنتاجه إلى السوق، يجعله خاضعاً لتقاليد السوق في زمان ومكان محدد. وهكذا تصبح النصوص، عُرضة لتحولها إلى التكريس، أو الغياب والقمع، لكنَّ القارئ، والزمان، والمكان، كلها عُرضةٌ للتحول إلى حالة جديدة، عندما يتغير القارئ، وتتغيّر القيم الثقافية نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، مثلاً: عندما حدث التوافق في الستينات والسبعينات حول: (شعر المقاومة) من قبل النقاد والعرب والسياسيين العرب، كان التوفق مشابهاً للتواطؤ، حيث حُذف (شعر الثورة)، مع أنه الأقرب إلى مفهوم المقاومة، ويومها قلنا: ترتبط فكرة المقاومة بمنظور عدم الاعتراف بشرعية الدولة الاستعمارية التي تحتلّ فلسطين، وأنَّ الاحتجاج على عنصرية النظام ضمن النظام، لا يمكن أن يكون مقاومة. فجأة وفي ظلّ (ثقافة اسلام)، انقلبتْ المعايير، فأصبح (الجمع بين المقاومة والتأسرُل والتأمرك) أمراً مقبولاً لدى بعض المثقفين العرب، بل ومُنع حق الاختلاف من التعبير عن نفسه. إنَّ جماليات الجاذبية في الاستقبال، داخل النص وخارجه، يفترض أن تتمثل في جماليات الاختلاف في النص، حيث القارئ الضمني، وجماليات الاختلاف في القارئ العلني، حيث تتمركز جمالية الاستقبال في التعدديّة الفعلية النوعية، إذْ لا يمكن أن يكون الجمال في القراءة التعسفيّة التوحيدية، عبر التقنيات الشكلية، حيث يصبح النص هيكلاً عظمياً، ولا يمكن أن يكون في القراءة العلنية الأُحادية، عبر الإسقاطات الخارجية على النص. نحن دائماً نصنع صنماً من تمر، نعبده في المساء، ونأكله في الصباح، ونبصق عليه بعد الظهر. هذه هي مشكلة القراءة في الوطن العربي. وقد يحدث العكس تماماً: لم نقرأ قصيدة النثر في الخمسينات والستينات، ضمن مفهوم (شعرية الترجمة)، وقام النقاد بقمع هذه القراءة، بربط هذا النوع الأدبي العابر للأنواع، بشبهة سياسية، تتعلق بالمجلاّت التي روّجت لهذا النوع، ثمّ عاد النقاد في مطلع التسعينات، مع صعود ثقافة العولمة، بتجميد وإعلاء هذا النوع على سائر الأنواع بطريقة تعسفيّة أيضاً. وها هي قصيدة النثر تعود إلى المربّع الأول، أي البحث عن الاعتراف بشرعيتها كشعر. لقد قلنا منذ البداية: إن قصيدة النثر هي نتاج شعرية الترجمة، وبالتالي، فهي نوع مستقل عن الشعر والنثر، فهي فرع من فروع (أدب الاختلاط والتهجين)، وهو ادب شرعي. وهنا نكون قد اعترفنا بجمالية الاختلاف، إذْ بدلاً من البحث عن كمية الشعر في قصيدة النثر، أو كمية السرد فيها، يفترض أن نبحث عن الجماليات الجديدة التي أنتجها هذا النوع الأدبي. نعم، هناك (درجة أو أكثر) من الجاذبية في قصيدة النثر، لكن هذه الدرجة، تخصُّ طبيعتها الإبداعية المختلفة.
الجاذبية إذن موجودةٌ في عملية الإنتاج، وفي القراءة، أي أنها بنية داخلية وخارجية، تؤثر في تحديد كيفية تجلّي درجات التلقي.
هانس ياوس: جمالية التلقّي: أُفق التوقع:
يركّز – ياوس في كتابه (جمالية التلقي) على إعادة قراءة علاقة الأدب بالتاريخ، من أجل الوصول إلى نظريّته الجزئية، حول: (الإنتاج) و(التلقّي) و(أُفُق التوقعات)، منتقداً التيارين الرئيسيين: الماركسية والشكلانية… معاً، لإهمالهما بعد – القارئ الفاعل. وقد ظهرت نظرية – التلقي، في جامعتي: كونستانس وبرلين الشرقية في ظلّ الصراع الثقافي للحرب الباردة الثقافية بين الاشتراكية والرأسمالية، وتصوراتهما حول ثلاثية: (المؤلف – النصّ – الجمهور). وهو يلاحظ أنَّ تاريخ الأدب في طريقه إلى الاندثار، فالنظرية الأدبية ترى أنَّ التأريخ الأدبي، فرع من فروع علم التاريخ، لأنه قاصر عن تقويم الجمالي في موضوع الأدب باعتباره شكلاً فنياً. وفيما يلي نقدّم قراءة مونتاجية غير محايدة لأهم أفكار نظرية ياوس: جمالية التلقي:
أولاً: ينتقد ياوس الماركسية والشكلانية اللتين تتفقان في رفضهما المشترك لما تتسم به النزعة الوضعية والميتافيزيقية الجمالية لتاريخ الأفكار، فَرُغم تناقضهما، إلاّ أنّهما لـم يشكلا نظرية عامة للأدب: واختزاليته إلى صعوبات إبستمولوجية، يتعذر تذليلها، بدون إقامة علاقة جديدة بين المقاربة الجمالية والمقاربة التاريخية). وهو يعترف أنَّ الماركسية عوّضت (الطبيعة) بِ (الواقع)، لكنّه يقول بأن وظيفة العمل الفني ليست تصوير الواقع، فحسب، بل أيضاً – خلقه. كما ينتقد ياوس – نظرية الانعكاس الماركسية. كما ينتقد أيضاً مقولة لوسيان غولدمان، حول التناظر بين البنيات. وهو يرى مثل كاريل موزك، بأن كل عمل فني: (يمتلك خاصيتين، غير قابلتين للانفصال: فهو يعبر عن الواقع، لكنه يبني أيضاً واقعاً لا وجود له قبل العمل أو بموازاته، بل له وجود كامن في هذا العمل بالذات وفيه وحده). لهذا يقول ياوس: (يتعين إدراج العلاقة بين الأعمال الفنية، ضمن شبكة العلائق المتبادلة بين الإنتاج والتلقي، أي أن الأدب والفن، لا ينتظمان في تاريخ نسقي، إلاّ إذا نُسبت سلسلة الأعمال المتوالية، لا إلى الذات المنتجة وحدها، وإنما إلى الذات المستهلكة، أي إلى التفاعل بين المؤلف والجمهور). أما – الشكلانيون، فكما يقول ياوس، فقد أكدوا على الخاصيّة الجمالية للأدب، ويتم تعريف العمل الأدبي من قبل اللسانيات الحديثة، تعريفاً شكلياً ووظيفياً، أي بكونه: حاصل جمع الأنساق الموظفة فيه، وعليه فإن ثنائية الأدب- الشعر، التقليدية، تفقد ملاءمتها. فلا يمكن إدراك الأدب كفن، إلاّ انطلاقاً من التعارض بين اللغة الشعرية، واللغة العملية. فما يجعل من العمل الأدبي – يضيف ياوس – عملاً فنياً، هو اختلافه النوعي، أي انزياحه الشعري، وليس ارتباطه الوظيفي بالسلسلة غير الأدبية. وما يعرّف الفن في خصوصيته، هو قابلية الشكل لأن يُدرك بالحواس. ويستخلص ياوس من التضاد بين الشكلانية والماركسية بأنه: إذا كان ممكناً تأويل التطور الأدبي، بما هو تعاقب مستمر للأنساق، وتأويل تاريخ الممارسة الإناسيّة، أفلا يكون ممكناً أيضاً: إقامة صلة بين السلسلة الأدبية، والسلسلة غير الأدبية – تحدّد العلاقات بين التاريخ والأدب، دون تجريد الأدب من خصوصيته الجمالية!!. ويضيف ياوس: (إنَّ منظور جمالية التلقي، لا يسمح فقط بإنهاء التعارض بين الاستهلاك السلبي والفهم الإيجابي، وبالانتقال من التجربة المكونة للمعايير الأدبية إلى إنتاج أعمال جديدة، فإذا نظرنا إلى تاريخ الأدب من زاوية الحوار بين العمل والجمهور، فإننا نتجاوز كذلك التعارض بين الجمالي والتاريخي، ونعيد إقامة العلاقة بين أعمال الماضي والحاضر. فالعلاقة بين العمل والقارئ تكشف الجمالي والتاريخي). فالاستقبال نفسه الذي يحظى به العمل لدى قرّائه الأوائل: (يفترض حكم قيمة جمالياً، ثمَّ إصداره بالإحالة على أعمال أخرى، سبقت قراءتها).
ثانياً: العمل الأدبي – بالنسبة لياوس، ليس موضوعاً موجوداً في ذاته، بل هو مرصودٌ لأن يثير لدى كل قراءة صدى جديداً، ينتزع النص من مادّية الكلمات. وتاريخ الأدب، سيرورة تلقٍّ وإنتاج جماليين – كما يضيف – تتمّ في تفعيل النصوص الأدبية من قبل القارئ الذي يقرأ، والناقد الذي يتأمل، والكاتب نفسه، مدفوعاً إلى أن ينتج بدوره. ولا يستطيع الأدب، بصفته ديمومة حديثة متماسكة، أن يتكوّن إلاّ حين يصبح موضوع تجربة أدبية لدى الجمهور المعاصر واللاحق، قراءً ونقاداً وكتّاباً، كلٌّ حسب توقّعه الخاصّ به، كما يقول ياوس.
ثالثاً: نقصد بِ(أُفق التوقّع) – يقول ياوس: (نَسَق الإحالات، القابل للتحديد الموضوعي الذي ينتج عن ثلاثة عوامل أساسية: تمرُّس الجمهور السابق بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه العمل. ثم أشكال وموضوعات أعمال ماضية، تُفترض معرفتها في العمل. وأخيراً، التعارض بين اللغة الشعرية واللغة العملية، بين العالم الخيالي والعالم اليومي). فعلاقة النصّ المعزول بسلسلة النصوص السابقة المؤلفة للجنس، تتم وفق سيرورة مماثلة قوامها الدائم، هو خلق أفق توقع وتعديله. وكل عمل أدبي يُذكّر القارئ بأعمال أخرى، سبق له أن قرأها، ويكيّف استجابته العاطفية له، ويخلق منذ بدايته، توقعاً ما. كذلك فإنّ إعادة تشكيل أفق التوقع – يضيف ياوس – كما كان في الوقت الذي تمَّ فيه قديماً إبداع عمل ما، وتلقّيه – تسمح بطرح الأسئلة التي أجاب عنها هذا العمل، ومن ثمَّ بالكشف عن الطريقة التي أمكن بها لقارئ تلك الفترة أن ينظر إليه ويفهمه.
رابعاً: تقتضي جمالية التلقي – يقول ياوس –: (أن يُصنّف كل عملٍ، ضمن السلسلة الأدبية التي ينتمي إليها، حتى يُتمكّن من تحديد وضعه التاريخي، ودوره، وأهميته في السياق العام للتجربة الأدبية. فبالانتقال من تاريخ تلقي الأعمال الأدبية إلى التأريخ الحدثي للأدب، يتّضح أنَّ لهذا الأخير، سيرورة يؤدي فيها التلقي السلبي للقارئ والناقد إلى التلقّي الإيجاب للمؤلف، وإلى إنتاج جديد. وبتعبير آخر، سيرورة، يمكن فيها العمل اللاحق أن يحلّ المعضلات الأدبية والشكلية التي تركها معلقة، العمل السابق، وأن يطرح بدوره، معضلات أخرى). ودينامية التطور الأدبي – يضيف ياوس – جديرة بإلغاء إشكالية مقاييس الانتقاء، حيث تدخل في هذا المنظور، الأعمال التي تجدد، ضمن سلسلة الأشكال الأدبية. ولهذا لا يُحتفى بالأعمال التي تتكرر فيها الأشكال والأساليب والأجناس التي أصبحت مهترئة، حيث يتم إقصاؤها بانتظار مرحلة جديدة من التطور، تُدرك فيها من جديد. ويرى ياوس أن الشكلانية، تعتبر أحد أهم عوامل التجديد في الأدب. فقد أدركت بأن التحولات التي تتم في التاريخ تندرج، ضمن نسق معين. وحاولت بناء أنساق للتطور الأدبي. واقترحت نموذجاً، يقضي بتطور الأدب من الإبداع الأصلي (نقطة الذروة) إلى تشكل آليات تكرارية.
خامساً: من الممكن دراسة مرحلة من التطور الأدبي بالتقطيع التزامني، وتوحيد أعمال مُتعاصرة، ذات تعدد غير متجانس، في بنيات متعادلة، أو متنافرة أو متراتبة. والكشف بالتالي عن نسق شامل في أدب حقبة تاريخية معينة.
سادساً: إنَّ أفق التوقع الخاص بالأدب – يقول ياوس – يختلف عن أفق توقع الممارسة التاريخية في كونه لا يحافظ فقط على أثر التجارب المعيشة، بل يحدس كذلك بإمكانات لم تتحقق بعد. وهكذا – والكلام لياوس دائماً – من الممكن إلغاء القطيعة بين الأدب والتاريخ، بين المعرفة الجمالية، والمعرفة التاريخية، إذا كفّ تاريخ الأدب عن الاقتصار على تكرار سير (التاريخ العام)، وأظهر عبر مسار (التطور الأدبي)، وظيفة الإبداع الاجتماعي النوعية التي يضطلع بها الأدب.
سابعاً: ينطوي، التلقّي، بمفهومه الجمالي على بُعدين: مُنفعل وفاعل في آنٍ واحد. إنه عملية ذات وجهين – يقول ياوس – أحدهما: الأثر الذي ينتجه العمل في القارئ، والآخر كيفية استقبال القارئ لهذا العمل: فالجمهور يستجيب للعمل الأدبي بطرق مختلفة، حيث يمكنه الاكتفاء باستهلاكه، أو نقده، أو الإعجاب به، أو رفضه، أو التلذذ بشكله، أو تأويل مضمونه، أو تكرار تفسير له مُسلّم به، أو محاولة تفسير جديد له، أو ينتج بنفسه عملاً جديداً. والمنتج هو أيضاً ودائماً، مُتلقٍ، حين يشرع في الكتابة. وهكذا يتشكل المعنى الجديد، نتيجة تضافر عنصرين: أفق التوقع، (الكود الأول) الذي يفترضه العمل، وأفق التجربة، (الكود الثاني) الذي يكمله المتلقي.
ثامناً: لا ينبغي خلط جمالية التلقي – يقول ياوس – بسوسيولوجية الجمهور التاريخية التي ينحصر اهتمامها في تحولاتها ذوقه ومصالحه أو إديولوجيّاته.
تاسعاً: ظلَّ الأدب المقارن الذي أُسّس من أجل التعويض عن عزلة الآداب القديمة – يقول ياوس – خاضعاً لمدّة طويلة للمنهجية الوضعية، ولتاريخ الأفكار، أو للنزعة الشكلية، حيث تمَّ إقصاء الاهتمام المشروع بإعادة طرح مسألة – التواصل الأدبي. وهذا يقتضي كما يرى ياوس – إعادة بناء علاقات التلقي والتبادل بين الأمم، كما بين حقب الماضي والحاضر التي أتاحتها دائماً تجربة الفن التي تعاكس غالباً الإكراهات الدينية والسياسية. فمهمة تصور تاريخ الآداب في شكل سيرورة تواصلية، تتطلب أولاً: إعادة بناء الدور الفعّال الذي يخصّ الفهم في علاقات التلقي والتبادل الأدبيين، باتجاه تصور جدلي للتأريخ الأدبي. وقد حدّد دوريسين، أشكال التلقي، على النحو التالي: التذكُّر، الإيحاء، الاستعارة، المحاكاة، التكيف، والتنويع.
عاشراً: ترى جمالية التلقي – أن أسلوب أو نمط عصر أدبي ما، لا يعدو كونه، معياراً جمالياً مُهيمناً، يبرز اللاتزامن، ضمن التجليات الحادثة في زمن واحد في مجال التعبير الفني. كما أن التقليد الأدبي من وجهة نظر جمالية التلقي، لا يمكن أن يُبحث، إلاّ إذا أقرّ بتحيّز وجهة النظر، وسلَّمَ بمبدأ الاختيار المستمر، باعتبارهما شرطين لكل تواصل أدبي – كما يؤكّد هانس ياوس في كتابه الشهير: (جمالية التلقي).
– من جهة أُخرى يناقش – روبرت هولب – R. Holub، في كتابه (نظرية التلقي)، ما يلي:
أولاً: تشير نظرية التلقي إلى تحول عام من الاهتمام بالمؤلف والعمل، نحو: النص والقارئ، مثلما طرحها: ياوس… وإيزر – Iser. أما في النقد الأمريكي، فترتبط نظرية التلقي بما قد صار يعرف: (النقد المتعلق بالقارئ/ الاستجابة). وهو نقد يؤلف بين نُظُم مختلفة: النقد الإجرائي عند نورمان هولاند، الشعرية البنيوية، عند جوناثان كولر، الأسلوبية التأثيرية، عند ستانلي فِشْ – كما تحول عن الاهتمام بمؤلف العمل إلى محور (النصّ/ القارئ). كذلك يمكن الإشارة إلى – فلفجانج إيزر، بوصفه واحداً من مؤسسي نظرية التلقي يتجه إلى: (القارئ/ الاستجابة) كذلك. لكن ما يفصل بين نظرية (التلقي) ونظرية (القارئ/ الاستجابة)، هو أن نظرية التلقي، تعتبر إنجازاً أكثر وعياً وأكثر تماسكاً، بينما ترجع قوة نظرية: القارئ/ الاستجابة إلى البراعة في صنع اللافتات، وليس إلى تضافر الجهود والكلام دائماً للمؤلف.
ثانياً: استخدم – جادامر، قبل ياوس، مصطلح (أفق التوقع) بمعنى: (مدى الرؤية الذي يشمل كل شيء يمكن رؤيته من موقف مناسب بعينه): كذلك استخدمه: هوسرل وهايدغر، وكارل بوبر، وكارل مانهايم، قبل ياوس بزمن طويل. وقد عرّف – جُمبرِش، المصطلح – اعتماداً على بوبر، بأنه (جهاز عقلي يُسجّل الانحراف والتحويرات، بحساسية مفرطة). ويقول – هولب أن ياوس: (عرَّف (أفق التوقع) تعريفاً غامضاً. وربّما ظهر مصطلح (أفق التوقعات) لكي يشير إلى: نظام ذاتي مشترك، أو بنية من التوقعات، إلى نظام من العلاقات، أو جهاز عقلي، يستطيع فرد افتراضي، أن يواجه به أيّ نصّ). وهناك ثلاثة أشكال عامة من المقاربة لإنشاء الأفق، عند ياوس: 1. من خلال المعايير أو جماليات الجنس الأدبي الشائعة. 2. من خلال علاقاته الضمنية بالأعمال التي تتناول البيئة التاريخية الأدبية. 3. من خلال التعارض بين الخيالي والواقعي، كما يفسّر هولب. والمشكلة – يضيف هولب – هي أن ياوس، يعمل وفق نموذج، يقوم على التسليم بالوجود المادي للأشياء، وتطابق صورها الذهنية معها. كذلك يمكن قياس البُعد الجمالي بأنّه: (الفرق الفاصل بين أفق التوقعات، والعمل، أو بأنه: تغير الأفق، بمدى استجابة الجمهور وبأحكام النقد).
ثالثاً: إنَّ جذر المشكلة – يقول هولب – يقوم على الاعتماد المقصور إلى حدّ بعيد على نظرية الشكلانيين في الإدراك الحسّي من خلال التغريب، لتأسيس القيمة. إنَّ تأكيد (الجدّة)، يبدو أنه جانب من التحيز المحدث الذي يرجع في أغلب الظن إلى – توغل آليات السوق في المجال الجمالي. فالطريف أن ياوس يُعدّ (الجديد) صنفاً تاريخياً. وهذا التوجه نحو التجديد عند ياوس، يبدو غريباً. ويعتمد ياوس على الشكلانيين كذلك، في تبنّي الفكرة الشكلانية عن النسق الأدبي التعاقبي. أما تمييز ياوس بين الأعمال الأدبية، والوثائق التاريخية، فالواقع – يقول هولب – أن الطابع الوثائقي للأدب، هو الذي يسمح له بأن يتحدث على الإطلاق. وبهذا التمييز، يميل ياوس إلى أن يضع الأدب مرّة أخرى في المجال السحري.
رابعاً: يُعرّف – إيزر، مفهوم (القارئ الضمني) بأنه: حالة نصيَّة، وعملية إنتاج للمعنى على السواء. فالمصطلح يدمج كلاً من عملية تشييد النصّ للمعنى المحتمل، وتحقيق هذا المعنى المحتمل من خلال عملية القراءة. وهو أي أيزر، يقول: جذور القارئ الضمني، مغروسة بصورة راسخة في بنية النص. ويعلّق هولب: إذا كانت القارئ الضمني، مرادفاً لبنية التشويق في العمل الأدبي، وتسميتها: (القارئ)، فهي لغو مضلّل. وهنا تولد الثنائية الوظيفية لهذا المفهوم، من حيث إنه: (بنية نصيَّة) و(فعل منسّق). هنا تغيب الشراكة بين النص والقارئ!!. كذلك ناقش هولب – مفهوم: الفجوة والتوتر، أو الفجوة والفراغ، عند إيزر.
خامساً: لقد حدّد – ماركس، على نحو محكم – يقول هولب – العلاقة بين الانتاج والتلقي. فالنموذج الماركسي المضاد لنظرية التلقي البرجوازية يقول: إنَّ الإنتاج والاستهلاك، تجمع بينهما في وصف ماركس علاقة جدلية، ويمكن أن يُقال إنَّ كلاً منهما، (ينتج) الآخر. والانتاج (ينتج) الاستهلاك، بطرق ثلاثة: بإعداد الشيء للاستهلاك، وبتحديد الطريقة التي يتمّ بها الاستهلاك، وبخلق الحاجة إلى الاستهلاك، لدى المستهلك، لكنّ ناومان، يميز بين انتاج الفن، والانتاج الفني. فالأول يدلّ على سلعة السوق، والثاني: النشاط الخاص لدى الفنان لخلق عمل فنّي.
3. جاذبية التلقي: شعرية النصّ العنكبوتي:
حين نحلّل النصّ العنكبوتي الأدبي، فنحن نتعامل معه كنصّ سائل قابل للتحويل والتعديل ﻓﻲ أية لحظة، فماذا لو انطفأت الكهرباء!!. هنا نحن إذاً أمام نصّ لا يقيني افتراضي مجازي، وبما أنه يشترك مع النص المطبوع ﻓﻲ هذه المجازية، بل والافتراضية، ﻟﻬﺬﺍ يمكن عدم عزل أساليب النقد للنص المطبوع عن النصّ العنكبوتي السائل كمرحلة أولى ﻓﻲ التحليل. ﺛﻢ تأتي المرحلة الثانية المتعلقة بشعرية هذا النص. ولعلّ نبيل علي (مصر)، هو أول من قام بتحليل تشعيبي لنص عنكبوتي عندما حلّل رواية (ذات) لصنع الله إبراهيم عام 1992. وهناك محاولات أخرى ﻓﻲ النصف الثاني من التسعينات لتحليل قصيدة هنا وقصيدة هناك، اعتمدت على تعليقات انطباعية بسيطة، حين ظلّلت بعض الكلمات التي اختارتها كمنطلق دون أن تقول لنا: لماذا اعتمدت هذه الكلمات دون سواها، كذلك اكتفت مثل هذه التحليلات بالقول: إن هذه الكلمات إذا ما قمنا بالنقر عليها سوف تحيلنا ﺇﻟﻰ مرجعيات معرفية أخرى، دون النظر ﺇﻟﻰ النص كشبكة عنكبوتية سائلة، أي دون فهم العلاقات التي تولّدها الوصلات. كذلك يبقى السؤال: ﺇﻟﻰ أي مدى يمكن أن يحتمل النص الأدبي، الإحالات التي لا تُحصى، دون أن نقع ﻓﻲ المبالغة والاستطراد غير الضروري. فالكومبيوتر يحتوي العالم كله. وما مدى اختلاط الأدبية بغير الأدبية ﻓﻲ نصّ شعري إذا ما توسّعنا ﻓﻲ هذه الإحالات. وما هي حدود الحتمية التفاعلية والترابطية ﻓﻲ غياب التفاعل والترابط الحقيقي أحياناً، حيث يسيطر التشتت!! وفيما يلي سنحاول رسم حدود شعرية النص العنكبوتي، دون أن نقع ﻓﻲ خطأ التضخيم والتقليل:
1. اللايقينية: أول ملْمحٍ للنص العنكبوتي الأدبي، لأنه افتراضي أي غير مؤكد، فهو يشبه النص ويشبه الواقع ولا يشبهه. ومهما حشدنا من مؤثرات ووسائط حيوية مع النص المكتوب على الشاشة، فإنّ كبسة خاطئة على أحد الأزرار تلغي يقينيته. وهو افتراضي لأنه محشور ﻓﻲ جهاز صغير متصل بعالم افتراضي، منفصل تماماً عن الواقع، ولكن أعتقد أن افتراضية الانترنت قد اقتربت من الواقع أكثر بكثير من افتراضية الصورة التلفزيونية المتحركة ﻓﻲ بدايات نشوء التلفزيون، بسبب توليد الوسائط الجديدة التي بدأت تؤثر ﻓﻲ الأعصاب المرتبطة بالعقل البشري. فنحن مع النص العنكبوتي الإلكتروني نعيش حالة أثيريّة، تتغلغل ﻓﻲ الروح والعقل، تشبه حالة رائد الفضاء وهو ﻓﻲ سفينة الفضاء. وتختلف افتراضية النص العنكبوتي عن مجازية النص المطبوع المكتمل.
2. الليونة المائية: أحد خصائص النص العنكبوتي أنه نص سائل حتى بعد إنجازه، وهذا ما يمنحه حريّة أكبر من النص المكتوب والمطبوع، ويجعله قابلاً للتعديل والحذف والإضافة والتحويل. وهذه الليونة تجعل المبدع يشعر بقوة السيطرة، والقدرة على التراجع، وتحسين النص.
3. التشعيب: تعني العنكبوتية – التشعيب من النص ﺇﻟﻰ الواقع الافتراضي، والتشعيب ﻓﻲ قلب النص ابتداءً من الحرف والكلمة والجملة ﺇﻟﻰ النص وقائع الحياة وأرشيفها الضخم. وتلعب الوصلات والنقر عليها دوراً تمهيدياً ﻓﻲ صياغة النص قبل اكتماله الافتراضي.
4. التناصّ والتلاصّ: لا يمكن الموافقة على الرأي القائل بأنَّ التفاعل والترابط، يخصّان النص العنكبوتي وأنَّ التناص يخصّ النص المطبوع، فالتناصّ آليةٌ محركة للنص العنكبوتي والنص المطبوع، لكن آلية التناص ﻓﻲ النص العنكبوتي أكثر اتساعاً وأكثر انفتاحاً، فهي تفاعلية فيزيائية وكيميائية ﻓﻲ النص العنكبوتي بعد استخدام الوسائط الجديدة، كما أن سيولة التفاعل تمنح التناص حرية الحركة، ولكن ﺇﻟﻰ مدى يمكن استخدام آلية التناصّ والتلاصّ ﻓﻲ النص العنكبوتي، خصوصاً إذا نظرنا إليهما من زاوية تفاعلية تلازمية إيجابية. فالبعض ينظر بريبة ﺇﻟﻰ مصطلح التناصّ باعتباره يقود إلى التلاصّ أي النسخ والسلخ الأعمى، لكنّهم يتجاهلون حركية وحيوية وتفاعلية التناص. فنحن نجد أن تيار التبعية ﻓﻲ النقد يصف التناص بأنه مصطلح أصولي سلفي. وهنا يقع تيار التبعية ﻓﻲ خطأ – مقولة التأسيس الحتمي. والصحيح من وجهة نظرنا أن النص الجديد ليس ناشئاً من فراغ، كما أنّه ليس تقليداً بالضرورة. ومعنى هذا أن التيار السلفي وتيار التبعية يشدّان النص ﺇﻟﻰ منطقة التطرف العنفي، أي لقاء أقصى اليمين مع أقصى العدمية. أما تيار التجديد والتحديث الحقيقي، فهو يرى أن التناصّ يلعب دوراً محركاً بوساطة آلية المقارنة التي تكشف مدى المغايرة والاختراق والإضافة، ويلعب دوراً آخر أكثر أهمية ﻓﻲ النص العنكبوتي، حين ينفتح على الواقع الافتراضي انفتاحاً لا حدود له.
5. الترابط والتشتت: اعتمد النص المطبوع والمخطوط على نظام الحواشي والهوامش والمُنمنمات والتشجير، والعلامات السيميائية الرقمية السحرية… وغيرها، لكنَّ البعض يرى أنَّ هذا التشعيب كان عائقاً أمام متعة القراءة، رغم جماليته، ورغم أن المتن أصبح مفتوحاً. أمّا – النصّ العنكبوتي فهو مترابط، بسبب تفاعل الوصلات وتفاعل النص مع إحالاته، وهو مترابط من خلال تفاعله الكيميائي والفيزيائي، لكن البعض يرى عكس ذلك أي أنَّ التشتت والفسيفسائية ترتبطان أيضاً بالنص العنكبوتي.
6. الصدقية والتزوير: تلعب الصورة والمؤثرات الأخرى دوراً أساسياً ﻓﻲ انفتاح النص وقدرته على التأثير على القارئ بصفته شريكاً ﻓﻲ اكتمال النص، حيث تُمنح الصورة صفة الصدقية، لكن تطور آليات التزوير الافتراضية قد تقوم بتزوير الصورة.
7. المشاركة والتحاور: لا نعني بالتحاور ذلك التحاور البسيط – Chatting، ولا التراسل بالبريد الإلكتروني، وإنما: تعددية الأصوات المتحاورة ﻓﻲ النص العنكبوتي، حيث يتحاور المحتوى مع الشكل بطريقة تفاعلية جدلية، تلغي ثنائية الشكل والمحتوى. وتتفاعل البنية الإيقاعية ﻓﻲ النص مع الإيقاع الافتراضي، ويتحاور المتن مع الحواشي والإضافات التزيينية، ويتحاور الصوت مع الصورة مع الكلمة لخلق إيقاع شبكي عنكبوتي سائل. وتتحاور البنية السطحية مع البنية العميقة. فالانترنت ساحةٌ لحوار النصوص. ومن جهة أخرى هو ساحة لحوار العقل والخيال البشري مع التكنولوجيا، وبين البشر أنفسهم. فالنص العنكبوتي نصّ حواري فردي وجماعي.
8. التشيُّؤ: مازال الانترنت نخبوياً قياساً على عدد المستعملين ﻓﻲ العالم، إذْ مازال الانترنت طبقياً بمقارنة المالكين (الشركات الكبرى)، بالدور الاستهلاكي للدول النامية. كما أنَّ ظاهرة (عبد الحاسوب)، تكاد تجعل الإنسان منعزلاً عن حركة مجتمعة، لأنه يتواصل مع العالم افتراضياً، أي بعيداً عن واقع مجتمعه، وهو أيضاً أصبح مجرد مستهلك لآلة الحاسوب، مما أدّى إلى عزلته، حيث تسيطر الآلة على الإنسان وليس العكس مع أنَّ الحاسوب والانترنت مجرد آلية. وهو ما يؤكد نظرية – التشيُّؤ، حيث كما قال ماركس: (تصبح نتاجات العمل سلعاً، وأشياء، فوق الإحساس مع كونها محسوسة أو أشياء اجتماعية… ليست سوى الصلة الاجتماعية المحدودة للناس التي هنا بالنسبة لهم – تلبس الصيغة الخيالية لترابط الأشياء).(25) وتنعكس روحية التشيّؤ على النص العنكبوتي وعلى مبدع النص نفسه، بسبب الفجوة الهائلة بين الواقع العالمي ﻓﻲ الواقع، وبين الواقع العالمي ﻓﻲ جهاز الحاسوب، وبين الواقع وصناعة الرغبة، لتوهّم المبدع أنه يعيش (حداثة أبدية!!)، ممّا يولّد العزلة والاغتراب.
9. التعدديّة: يحتوي النصّ العنكبوتي المتشعب على تعددية الأصوات المتحاورة، بسبب انفتاحه اللامحدود على الرأي والرأي الآخر، بما يتجاوز الطباقية الثنائية، وبما يتجاوز بطبيعة الحال – الأحادية الدكتاتورية.
10. الإمبريالية والتهميش: رغم التعددية، فإن الأصوات الكبرى هي التي تسيطر على الإنترنت بحكم ملكيتها لوسائل الإنتاج، ولكنها تبقي هامشاً للنصوص الصغيرة، بما يجعلها دائمة الاستهلاك، ضعيفة المشاركة. كما يلعب (رأس المال) المحلّي دوراً ﻓﻲ تهميش التهميش، لأنّه يغتصب التمثيل. وهكذا يصبح النص العنكبوتي عالمياً لأنه مكتوبٌ بلغة القوى المسيطرة، ويصبح النص العنكبوتي المحلّي، هامشياً بسبب عائق اللغة وعوائق أخرى: (تريدون تقدماً إلكترونياً، عليكم أن تشربوا معه أقراص التطبيع مع إسرائيل)!!. وهكذا أصبح التطبيع ﻓﻲ كثير من الفضائيات العربية أمراً مألوفاً بعد سلسلة من الصدمات.
11. التكرار: يتم التكرار ﻓﻲ النص عبر آلية الاسترجاع والتوثيق، حيث تصبح آلية التكرار آلية إيجابية وسلبية ﻓﻲ الوقت نفسه. أطنان من النفايات الأرشيفية، وأطنان من المعلومات المفيدة.
12. الشفافية: النص العنكبوتي، نصٌّ معلن وصريح ومباشر، من جهة كشف المكبوت بسبب مساحة الحرية، ولكن تحت حُجج أخرى، يتم القمع، فقد كُسرت الحواجز حتى الوصول ﺇﻟﻰ أقاصي العالم وﺇﻟﻰ أسرّة غرفة النوم، لكن الحواجز الأخرى بقيت مرهونة بحوار حقيقي.
13. التكيُّف: بسبب ليونة النص العنكبوتي، يتكيّف النصّ مع المحيط، فهو قابل للتحول والتعديل والحذف والإضافة.
14. الجدلية العالمية: النص العنكبوتي، نصٌّ معولم، وحين نختاره من بين نصوص أُخرى، يصبح عالمياً. وهو يمتلك الجدلية من خلال تفاعله المادي واللغوي مع نصوص العالم عبر منهجية المقارنة والتناص.
15. الإثارة: بسبب إدهاش الوسائط الجديدة وليونتها وقوة انتشارها وكرﻧﭭﺎليتها، يصبح النص العنكبوتي – مثيراً للجدل.
16. الانفتاح السجين: رغم انفتاح النصّ العنكبوتي على نفسه وعلى الوسائط الجديدة وعلى العالم، إلاّ أنَّ هذا الانفتاح يبقى محصوراً ﻓﻲ جهاز الحاسوب، ومحصوراً ﻓﻲ شريحة عالمية نخبوية، والطبقة الحاكمة، حيث يتمّ حذف الطبقات الشعبية التي لا تستطيع التمتع بمزايا الانترنت والحاسوب.
17. التشكيل: عبر مفهوم التداخل والاختلاط، تتحاور الفنون مع الآداب ومع وقائع الحياة من خلال اللغة، فيصاغ النص العنكبوتي تشكيلياً.
18. التشفير: يمكن إغلاق النص بتشفيره، أي بتحويل المعلومات ﺇﻟﻰ رموز لا يعرفها سوى صانع النص.
19. المجاز الصناعي: كل نصّ عنكبوتي يولد من الخيال الرغبوي، أي من مجازات تشبيهية افتراضية، ونظراً ﺇﻟﻰ تعدد الوسائط، يصبح الخيال الصناعي قريباً من الواقع.
20. الفضاء الرمزي: يصبح النص العنكبوتي رمزياً من خلال الفضاء الإلكتروني، ومن خلال صناعة الرغبات، حيث يتحاور الخيال البشري مع الخيال الصناعي، لتتولد خيالية إلكترونية تؤثر ﻓﻲ الإنسان.
الإنسان هو مبدع الحاسوب والإنترنت والفضائيات، وهي مجرد آليات لفهم الواقع بوساطة العقل والخيال. ومهما تطوّرت هذه التكنولوجيا، فهي ﻓﻲ النهاية موجودةٌ لخدمة الإنسان، فنحن نعيش ﻓﻲ هذه المرحلة الانتقالية مرحلة – الدهشة والاستهلاك. وقد أصبح العالم قرية عنكبوتية ﻓﻲ الإنترنت والفضائيات، وليس ﻓﻲ الواقع، لأنَّ الهيمنة من قبل المراكز على الإطراف ﻟﻢ تسمح بجعل الأطراف شريكة أساسية إلكترونية.
لقد منحنا الانترنت فرصة التفاعل المحسوب مع العالم، وفرصة الحوار والجدل، لكننا نعيش حالة تهميش إلكتروني. ويمكن للنقد الأدبي المقارن الذي نعتبره تمهيداً جمالياً للنقد الثقافي المقارن، أن يستفيد من شعرية النص العنكبوتي لتوسيع مفاتيحه انطلاقاً من مبدأ التكامل بين آليات النقد للنص المطبوع، والنص العنكبوتي، رغم الفوارق بينهما، بعيداً عن الانغلاق وبعيداً الاندلاق. فالحاسوب جهازٌ عظيم للإنسان الذي يستطيع تطويعه لصالح الإنسان، أمّا – (عبد الحاسوب) فهو شخصٌ يُؤلِّهُ الآلة، فيصبح مجرد برغي من براغيها، يعيش حالةً من الدهشة والإعجاب، أي مجرّد مُستهلك.
المراجع:
هانس روبيرت ياوس: جمالية التلقي: من أجل تأويل جديد للنص الأدبي – ترجمة: رشيد بن حدّو، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2004.
روبرت هولَبْ: نظرية التلقي – مقدمة نقدية – ترجمة: عزالدين إسماعيل، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 2000.
رأي اليوم


