ـ 1 ـ
تجود
بك المقامات الزكية ... كولي الطاهر عندما
يؤوب به المساء الندي .
فما حيلتك ... الآن ؟
مسح من على نظارته الشمسية ، وتحسس أوراقا
كانت في جيبه .
قال في خلده :
ـ هذه صورة شمسية لبطاقتي التعريف الوطنية .
ـ وهذه صورتكَ مع فلذات كبدي .
كنت أعرف أن طابور الجند ، سيحتل كيلومترات
طويلة ، وسيارات نقل المؤونة و العتاد ستزفر فوق الإسفلت الصَّاهد ، لترمي سحابات قطنية
من عبق كثيف و معـْتم . كالعادة ، رحلت النساءُ والأطفالُ إلى مدار ابن زيدون ؛ آخر نقطة في
سيرة الوجع . إنها تحية وداع ، لكل غال يدافع عن وطن أسير . من النساء من ينتحبن كعرائس
القيامة لهذا الطابور ، الذي أزمع على الرحيل . يبدو في أفق المساء كطيور تغادر
أعشاشها و وُكـُناتها الرطبة ، ولا تلتفت إلى الوراء حيث يشتد الجذب والوجد .
صورة بئيسة ، هي التي كانت تختزنها ذاكرتي حول هذا الأفول في اتجاه غروب
شفقي ، يتيه عاريا بين وراء و ما وراء ، فيظهر حادا كنصل يشق الجسد ، ويفصله عن
الروح ..
ـ 2 ـ
جلبة و لغط و هرْج و مرْج ...
تطاير نقع في الساحة المتربة كهن منفوش.
من الجند من لا يستطيع حتى أن يكتب رسالة ،
ويختمها بالشائعة ؛ " لا يخصنا سوى
النظر في وجهكم العزيز ". من الجهة الشمالية للساحة ، كان طابور الجنود طويلا يترددون على كاتب
الرسائل الوحيد ، وبين الفينة و الأخرى تزرع فتنة الأقاصي .
إنها لعبة تبادل الأدوار ... لعبة الهدايا و العطايا .
فلكي تكون متواصلا مع من تركته وراءك ، حيث
يشتد الوجد و الحنين ، يجب ألا ينقطع حبل غسيل يدك السَّابغة ... حكايات أخرى
للسقوط و الانتظار .
ـ 3 ـ
على مفرق الوادي كمين لجنود لقوا حتوفهم
الغامض المبهم ...
منا من كان يقول :
ـ أهكذا يتخلصون من رجالات الوطن ؟
ـ 4 ـ
رجْـل
ممددة على السرير ، و السرير في الخوان ، يتدلى عليه ستار كخشبة المسرح . كنت أضمد
جراحا غائرة ، غائرة في جسد نحيف ، كان يتحلق حوله نفر يشهد النهاية ، عيونهم تسح
بالدموع .
كان يلهج بكلام غير واضح :
ـ في قلب العاصفة ، انهال الرصاص علينا بالويل
و الثبور . تناثرت الجثث أشلاء على حافة الوادي ... إنها النهاية .
بعدها كان الممر الضيق يشهد البكاء و العويل
و لطم الخدود ، على مجزرة الوادي . جاء جند غفير يشهد مراسيم الدفن في المقبرة
.



