أولًا: عتبة البحث عندما ظهرت اللسانيات، وفرضت وجودها، شكلت دافعًا مهمًّا وخلفية معرفية حاسمة في ظهور البنيوية، باعتبارها إبدالًا معرفيًّا، شكل قطيعة في تاريخ الفكر الإنساني. اتخذها الباحثون والمشتغلون بالأدب عمومًا، رافدًا معرفيًّا في مقاربتهم للأدب في شتى أجناسه، وبخاصة مع المبادئ التي أسسها العالم اللساني فردناند دو سوسير، وظهور كتابه “محاضرات في اللسانيات العامة”، حيث تم الاهتمام بكل مستويات اللغة، ونعني بذلك، المستوى الصوتي، المستوى المعجمي، المستوى الصرفي، المستوى التركيبي، المستوى الدلالي”. وهكذا “وجدت الدراسات الشكلانية، وكذا اللسانيات الحديثة، إقبالًا كبيرًا خلال الستينيات من القرن الماضي، وأصبح السرد Narration يحظى بمكانة متميزة. وهذا ما جعل رولان بارت (1966)، وهو ينهل من الوعي الجديد، الذي تشكل في المرحلة البنيوية، وهو يشتغل على مفهوم “السرد” يتفطن إلى أن السرد لا يكون حاضرًا فقط من خلال الأنواع السردية التقليدية مثل الملاحم والأساطير والحكايات، أو الأنماط الحديثة مثل القصة القصيرة والرواية، وإنما يشمل الوجود بكامله “إنه تمامًا مثل الحياة”. كان لهذه المقولة فعل السحر والهيمنة على كل الدراسات الحديثة التي تهتم بالسرد. ومنذ ذلك الزمن، وانطلاقًا من هذه الكلية التي أصبح يكتسبها مفهوم “السرد”، انبثقت السرديات والسيميائيات الحكائية من خلال اجتهادات (جنيت- غريماس)، وهما المنظران اللذان يتمتعان بالصرامة والدقة وتوليد المفاهيم، حيث ركز السرديون على الشكل “الدال”، وركز السميائيون على المحتوى “المدلول”. كما لعبت الصحافة العلمية المتخصصة دورًا بارزًا في نشر وتوسيع أفق الاهتمام بالسرد، بخاصة مجلة “بويطيقا”، ومجلة “سيمويطيقا”، إضافة إلى النقاش العلمي المجدد الذي كانت تصدح به المؤتمرات العلمية. فتقدمت الأبحاث السردية العالمية وتعددت تصوراتها ومقارباتها وصارت لها بصمتها الخاصة وسط منجزات الفكر الأدبي الإنساني.



