بعد رحلة نزوح طويلة لتلك القرية النائية، لم يكن النوم قد غلبني بعد رغم أن الفجر قد اكتمل بزوغه لكن ببطء شديد، كأنه كان مترددًا في حضوره حيث أصوات استغاثات تمزقه بين حين وآخر أخرجتني من شرودي. أمي تحاول أن تبدو غير مبالية وهي تخفي نظراتها عني، لكن شيئا من الخوف يتوسد قلبها وهي تحتضن ما تبقى من ملابس أخي الذي استشهد منذ عامين. دفعت بجسدي إلى باب سكننا الجديد الذي كان أقرب إلى زريبة منه إلى بيت، فتحت درفته التي أكل الصدأ ثلثها بصعوبة، أدهشتني كتل من سواد بشري تتدافع وتتكدس لتستقر أمام الساحة المقابلة، إلى جانبها من الطرف الآخر مجموعة رجال أغلبهم طاعنون في السن لا يملكون سوى غضب وخوف عالق بين الأضلاع، وشفاه معطّلة. كانت وجوهم باهتة كالحة يلفها غبار لافح من أعمدة الصمت، امتزجت بنظرات متشنجة، يصطحبون خلفهم أطفالا بشفاه مزرقّة، وعيون يملأها الخوف والنعاس؛ وأياد صغيرة تقبض على ثياب الأمهات بارتعاش، وأخرى تشد سراويل متهدلة أو تقتلع أقداما متثاقلة الخطى انغرزت عميقا في الطين، فتشتّد زفرات حادة متململة ويشتّد صراخ تائه يضج فيه الذهول بإيقاع الخوف. همستُ متسائلة: ألا تحسّون بارتجاف قلوب صغاركم! لماذا تأتون بكل هذه البراءة لتشهد ما تشهدون؟ فردت إحدى النسوة بحنق بعد أن تملكتها رعشة عنيفة: (الله يخليكي يا أختي إما تعالي معنا، أو ادخلي وسكري هالباب، باين عليكي جديدة عنا وما بتعرفي شي).كان ردها أقرب إلى الهمهمة لم يسمعه أحد سواي، لكنه كان ردًا صاعقا بالنسبة لي.
فولجت بصعوبة حجرتنا المظلمة بعد أن أغلقت الباب خلفي.
بعد دقائق علت أصوات الاستغاثات فدفعني فضولي من جديد لأن أشق الباب قليلا وأبصر ما يجري خلسة. كان في وسط الساحة ثلة من مخلوقات أخرى، مرعبة بما يكفي، لا تملك من حقيقة الإنسان إلا السيماء حيث فارت ثورة غضبهم للتو؛ كانوا بين الخامسة والثلاثين والخمسين من العمر بأبدان ضخمة، وسكاكين طويلة، وسياط مخيفة، داكني البشرة، ذوي مقل ماكرة، حادة وشريرة، ولحى تميل للحمرة ، يرتدون رغم البرد الشديد سترا قصيرة من قماش خفيف، وسراويل فضفاضة، يضعون على رؤوسهم عمائم بيضاء قد بلغت من الاتساخ حدا كبيرًا؛ يفرغون طاقاتهم في طقوس جلد دموي رهيب لا يريدون أن ينتهي لطفلين يرتعشان بعنف شديد، بجسديهما النحيلين، وسنواتهما الثانية عشرة أو أكثر بعام. لم أكن النعامة الوحيدة في هذا المشهد المهول، كان الجميع نعامات لم تأخذ فعلتهم النكراء تلك مأخذ الجِد ولم تحتج على بلوغهم في الضرب مبلغ الجنون، ولم تجرؤ على رد الاتهام عن الطفلين أو حتى الاستفسار عما إذا كانا مخطئين أم لا، لأن السؤال عن ذلك يدخل في باب المعصية والعمل غير الصالح الذي لا يرتكبه المؤمنون الطيعون فقد علّموهم السكوت ليكونوا صالحين وأطعموهم الخوف كله، والبؤس أيضا! وجعلوهم مؤمنين لطيفين ودودين طيعين كما القطيع.
تلك اللحظات القاسية التي قضيتها في متابعة هذا المشهد المرعب جعلتني أنوس بين الواقع والكابوس. حولت نظري نحو الطفلين اللذين راحا يغيبان عن الوعي مرة بعد أخرى، فكنت لا أرى إلا ارتجاف كتفيهما وارتعاش جسميهما النحيلين يترنحان يمنة ويسرة في محاولة لمغالبة لهيب تلك السياط، وابتلاع أناته أنة تلو أخرى فقلت بصوت خفيض: يا إلهي كم في قلوب هذه الوحوش من حقد وقسوة!؟ همست إحدى النسوة: هذه السياط أهون الشرور بما أوقعوه من عقاب بشيخ قرية مجاورة، حين دفع ثمن احتجاجه على رجم إحدى فتيات قريته غاليًا، بقطع رأسه وتعليقه على باب الجامع.
أردفتُ بغضب مكتوم: أين العقلاء؟ أين إله المظلومين؟ أين إله الأطفال؟ ذلك أقسى بكثير من التحمّل يا الله! أرهبته نار الخوف وشراهة القتل! الكل شفاهه معطلة؛ والأسئلة تلد أسئلة أخرى..!
صمد الطفلان محاولان تحمل ثقل السياط حيث ينتقمان من البغاة بالصمت الذي تحول سمًا زعافا في وجوه الجلادين، خاصة أقصرهم قامة، صاحب الساق العرجاء وهو يترنح من فرط الإعياء، مخلوق مخيف، أفطس الأنف، أحمر الشعر مجعد، فيه بقايا شيب أبيض، يجلب القشعريرة لكل من رآه، لم تزره الرحمة منذ أربعمئة قسوة وقسوة.
هوى بضربتين أطاحت بالصغيرين أرضا وهما يطوفان بنظرهما عن شيء ما، مصدرين أكبر صرخة ألم أسمعها طيلة خمسة وثلاثين عاما من طفلين وحيدين؛ وحيدين في الخوف، وحيدين في الجراح التي تلهو بها الريح والسياط، وحيدين في الألم، وحيدين في البكاء، ما هي إلا لحظات حتى انبرت من بين الحشود امرأة شديدة الكبرياء؛ ترتدي رداءً أبيض، أضاء سواد المكان، اندفعت كالسهم في جوف الساحة، تنفض عن الوجوه آثار الصمت والفزع الذي أخذهم إلى جهته ساخرة تتأمل تعبيرات الوجوه صارخة بصوت مدوٍ: هه.. الألم البشري سيكون ذات يوم ماضيًا، ولن نبكي أبدًا يا من جعلتم خبزنا علقمًا! هل سألتم أنفسكم قبل حفلتكم هذه عن بطون صغارنا التي لم تمتلئ منذ أسبوع مضى ولو بكسرة خبز عفنة، عن سقمنا، عن بؤسنا، هل كنا مرضى أم أصحاء، هل أنتم بحاجة لأعلمكم بأن سُرج بيوتنا انطفأت منذ غادرها أحبتنا حين سقتموهم إلى النحر، أي قلوب من صوّان في صدوركم تنبض؟!! هل أنتم بشر حقًا؟!.
فجأة، وبِغِلٍ وشراسة انقضوا على المرأة، وكأن الساحة خالية إلا منهم! قلبي المذبوح ينبض بكثافة، أشعر أني أنجرف صوبهم، إلا أن ساقاي بقيتا غصنين يابسين نابتين بصخر صلد. كانت ضربات السياط تصلني أقوى فأقوى حتى شعرت بأني قد توحدت معها وأصبحت أحس بطعمها على جسدي.
(فرنسا)



