"خاص بالمجلة
ولد
الدرب" هي مرتبة جد محلية في تراتبية العلاقات الاجتماعية بالمدن والحواضر المغربية.
ولها مسميات مختلفة في مدن أخرى مثل "ولد الحومة" أو "ولد الحي".
وهذه
العلاقة هي أشبه ما تكون بنوع من "القبلية السكنية" لا علاقة لها بأي
شكل من أشكال الانتماء سواء كان عرقيا أو عقائديا أو غير ذلك. إنها نوع من "حلف
غير مكتوب" بين أبناء فضاء جغرافي محدد، ليس من الضروري أن يكونوا أصدقاء أو حتى
أن يتعارفوا بينهم، ولكنهم عند التحقق من هذه "الهوية" خصوصا في الغربة وبعيدا
من "الدرب"، تلي ذلك مباشرة مشاعر من الألفة ونوع من على الإجبار على المساعدة
عند الحاجة.
هذه
العلاقة هي التي ربطتني بالراحل مصطفى المسناوي الذي غادرنا إلى دار البقاء أمس صباح
الثلاثاء 17 نوفمبر 2015 بالقاهرة حيث كان يحضر، كعادته كل سنة، مهرجان القاهرة السينمائي
الدولي. كان بيت الراحل غير بعيد عن بيتنا، وكان عبارة عن بناية من طابقين علويين بينما
الطابق السفلي كان محلا تجاريا لبيع المعدات المنزلية من ثلاجات وأفران مطبخ وأجهزة
راديو وتلفزيون وغيرها من التجهيزات الكهربائية. وكان يديره والده السي الحسين، الذي
أتذكر دائما أناقته الراقية سواء باللباس التقليدي أو الأوروبي.
كان
السي الحسين مشهورا في الدرب بشكل كبير، لأنه هو الذي سمح للعديد من العائلات وخصوصا
المعوزة منها في "الدرب" من متابعة بعض برامج التلفزة المغربية التي كانت
قد بدأت إرسالها فعليا في بداية الستينات. أمام متجر "السي حسن" كانت توجد
ساحة صغيرة يتم تأهيلها مساء كل سبت إلى فضاء مفتوح لاستقبال سكان "الدرب"
لمتابعة السهرة الفنية الكبرى التي كانت تبثها التلفزة المغربية مباشرة من استديوهاتها
بنفس الحي عين الشق، والتي تمتد أحيانا إلى ما بعد منتصف الليل.بعد ذلك ستتطور جلسات
العرض التلفزي لتشمل بعض المسلسلات المغربية والأجنبية التي لاقت متابعة جماهيرية كبيرة
في تلك الأثناء. كان أغلب السكان يأتون قبل السهرة بوقت طويل لحجز أماكنهم بالساحة
الصغيرة، ويضعون لذلك بعض الكراسي الخشبية. ومن يأتي متأخرا كان عليه متابعة السهرة
واقفا. وغالبا ما كانت الحشود تتجاوز يوم السبت فضاء الساحة ليقف المتفرجون على الرصيف
المقابل وراء الطريق الفاصل بين حي "درب الخير" و "درب بناني"
المقابل. وكان السي الحسين يضع أمام باب المتجر وعلى منصة عالية جهاز تلفزة لكي يراه
الواقفون والجالسون من الجمهور المحتشد.
في هذه
الأجواء الاحتفالية عرفت الراحل مصطفى المسناوي "ولد الدرب". كان يجلس في
الصفوف الأمامية رفقة والده وبعض أفراد عائلته ومعارفه لمتابعة السهرة مع سكان الدرب.
كان أنيقا مثل والده، ولم يكن يشاركنا ألعابنا وشقاوتنا كأطفال حي شعبي. وأظن أن التربية
الصارمة التي كان والده السي الحسين يفرضها على أبنائه جعلت منه "ولد الدرب"
نخبويا بشكل من الأشكال، لأنه لم يشاركنا شؤوننا اليومية كأطفال، ولكنه بالتأكيد كان
يشاركنا، في صمت، شجوننا كما تأكد ذلك بعد التحاقه بالجامعة.
انتقلت
عائلة السي الحسين، بعد ذلك،من "دربالخير" بعي نالشق إلى شارع المنظرالعام
بحي "بين المدن" لأن الشارع كان أكثررواجا ويجاورأحياءجديدة مما يعني زبناء
جدد. كماأن العديد من العائلات في "الدرب" اقتنت أجهزة التلفزة وصارالجيران
يلتئمون في بيت واحد لمتابعة سهرةالسبت والبرامج الأخرى.
لا أذكر
أنني تبادلت الكلام مرة مع الراحل مصطفى المسناوي، رغم أننا عشنا في نفس الدرب كل سنوات
طفولتنا، وحتى عند انتقالنا إلى الجامعة بالرباط، حيث كان يدرس بكلية الآداب بالرباط
التي تجاور كلية العلوم حيث كنت أدرس، لم تسنح الفرصة بذلك. ولكننا في لقاءات عابرة
عبر دهاليز كلية الآداب التي كنت أتردد عليها لدروس الفلسفة، كنا نتبادل الابتسامة
عبارة عن التحية وعن إبراز لهوية "ولد الدرب".
فترة
الاعتقال التي عاشها الراحل خلال سنوات الرصاص كانت قاسية عليه وأكثر على والده وعائلته،
خصوصا وأن الانتماء الفكري للراحل كان على النقيض للالتزام الديني الصارم لوالده
"السي الحسين". وكنت أتابع بفخر كل كتابات "ولد الدرب" في الصحافة
الوطنية، خصوصا مقالاته النقدية ذات النبرة الساخرة التي كانت دليلا ناصعا على أنه
نهل من نفس المعين الاجتماعي الذي عشناه في طفولتنا رغم أنه لم يكن يشاركنا ألعابنا
وشقاوتنا.
أمس،
عندما تلقيت نبأ وفاته، تراءت إلي الساحة الصغيرة أمام متجر "السي الحسين"
وقد جلس في الصفوف الأمامية مع عائلته وبعض أعيان "الدرب" ووراءه صفوف متراصة
من الكراسي وحشود واقفة من سكان الدرب لمتابعة سهرة السبت الأسبوعية. آنذاك تيقنت بأن
هذه السهرات كانت فعلا درسا تطبيقيا وتأهيلا فطريا لما سيكون عليه مستقبل الطفل المؤدب
والأنيق الجالس جنب أبيه: ناقد أدبي وفني متمكن.
رحم
الله مصطفى المسناوي "ولد الدرب"، وغفر له ورزق أهله الصبر والسلوان، وإنا
لله وإنا إليه راجعون.
عزيز
رزنارة
الشارقة
18 نوفمبر 2015



