كيف تسلل الفساد للعديد
من المؤسسات العربية ؟!
إنها العبارات المطاطة
مثل "سنأخذ ذلك بعين الاعتبار" حيث تتحول الصراحة
إلى مراوغة وغموض ، وحيث يتحول تعبير " أنا " الشجاع إلى تعبير " نحن "
المتخاذل ،
وحيث يتحول مفهوم " العزيمة " إلى حالة هلامية ، ويتستر المسؤولون خلف
ما يسمى ثقافة المؤسسة
التي تحفل بفرق العمل
والمستشارين والخبراء الأجانب
ولجان الدراسة . وحيث تظهر النتائج في جو توفيقي
مدروس وتعلو الأصوات الحيادية
التي لا يمكن أن تلام : "لقد تقرر دمج الدائرتين
" أو " لقد أخذت وجهة نظرك بعين الاعتبار " . لقد
تمت تغذية مفهوم
" ثقافة المؤسسة " الجديدة بواسطة
اللغة البيروقراطية وقد شحنت بعبارات منسقة غامضة .....إنها
البيروقراطية : لغة النفاق والمراوغة !
ينتج من تطبيق
برنامج " تعزيز الإنتاجية والربحية
" تسريح مئات العاملين
وخسارة لا بأس بها للكوادر
الكفؤة تحت ما يسمى
" التقاعد المبكر "، والهدف
هنا هو تحقيق
إستراتيجية " قصر النظر المبكر" ، والتي
تعوض ظاهريا بهذه الإجراءات "الحازمة
شكليا " الخسارة المتراكمة
عبر السنين والناتجة
عن تضخم "
الفساد الإداري "
في المؤسسة . في مؤسسة أخرى
أنكر إداري رغبته في مناقشة
المعلومات الخاصة بتشريعات
مؤسسته ، وأخفى ذلك ضمن عبارة
" سأقدم تقريرا يشير لأهمية المواضيع
المتعلقة بتوجيه إستراتيجية
الحاسوب ، علما بأني حاولت جهدي الانغماس
في التشريعات والأمور
الإحصائية ، بينما من المهم المحافظة على فهم حيادي واضح
لمسار الأحداث القائم
، فانا معني أكثر بالتطبيق
المباشر للتشريعات على المستوى التشريعي" هل فهم أحدا شيئا من هذه الحذلقة الكلامية المراوغة ؟!
لماذا يتم التعبير
بهذا الشكل الغامض غير
المفهوم ؟ لماذا يتحول
"الحديث العادي" إلى "اتصال داخلي" ؟ ولماذا يتحول
الاحتراف الطبي إلى مفهوم "
تزويد الرعاية الصحية
اللازمة " ؟ ، ثم لماذا تتحول "
تعليمات العمل "
إلى " وثائق تشغيل صارمة
" ، ولماذا تتحول إجراءات التشغيل
غير الرسمية إلى إجراءات غير مطابقة للمواصفات ،
ولماذا يتحول مفهوم " تغيير الأحوال " إلى
"تغيير اسلوب العمل
" ، ثم لماذا يتغير مفهوم
الإيقاف عن العمل إلى "مغادرة
إدارية " ؟!
والأمثلة
تطول ولكن أكثرها
مراوغة حالة إنهاء مشروع ما ، فالبلاغة البيروقراطية
تحوله لتعبير " الانتقال إلى مرحلة
جديدة أكثر دقة وفعالية "
، وهذه تشبه في التلاعب
اللفظي حالة "
الاغتيال " في لغة عصابات
المافيا " حيث تتم الإشارة لها بجملة اصطلاحية
مراوغة مثل "
لقد قدمنا له عرضا مغريا لن يرفضه "!
الفساد
يتسلل كالصرصار الضخم داخل رداء البيروقراطية الفضفاض
فيطلب منك المدير الفني أن
تتأخر مثلا وزملائك لدراسة عطاء فني ، ناقلا
وموضحا رغبة المدير
العام بإرساء العطاء والمفاضلة على إحدى الشركات وحتى وان كان عرضها ليس الأفضل
، وحتى إذا رفضت ذلك و لم تستجب واستنكفت عن التوقيع
، فلا
توجد مشكلة ، فتوقيعك
البائس واسمك سيظهران
على أي حال ، ولك أن تنتظر
وتتوقع بعد ذلك عقابا مؤلما رادعا
يتجسد في تجميد راتبك وحجب زيادتك السنوية
المتوقعة ، وإذا اعترضت
فالجواب البيروقراطي جاهز دوما لمعالجة
المتمردين أمثالك :" لقد
قررنا تجميد راتبك لأنه كان مرتفع أصلا ولإحداث
توازن مطلوب في سلم الرواتب
وإصلاح الخلل " ! كيف يستطيع شخص ما أن يدين إجابة بيروقراطية
كهذه والتي تهدف بجوهرها لأن تغطي على الفعل الانتقامي
لتأديب موظف نزيه رفض ان يتواطىء مع فعل الفساد
السافر ! هكذا والأمثلة
على تستر الفساد
وراء البيروقراطية كثيرة ويصعب حصرها ،
وللطرافة فمعظم الفاسدين
البيروقراطيين يتشدقون بتعبيرات حيادية ويطلقونها
عادة بشكل تصريحات
خطابية ، فهم يكثرون من تعبيرات : نحن -
في الحقيقية- في الواقع
- حتى
تتضح الصورة – العدل والمساواة –المصلحة العامة---تعزيز الإنتاجية
والربحية – سنولي هذا الموضوع
أقصى اهتمامنا – يجب البدء فورا
.......الخ.
كذلك تساعد
البيروقراطية المترددين في اتخاذ القرارات " الغامضة " وكذلك هؤلاء العاجزين عن انجاز المهمات ، وتسهل " أجنداتهم " في إعاقة انطلاقة
المؤسسات وإحباط المبدعين ،
وهناك أمثلة تخفي تعبيرات غامضة مثل : لن ندعم برمجيات الحاسوب الحالية
بعد شهر كانون الثاني ! وكذلك
في عبارة : " لقد
تمت الاتصالات مع الجهات
المسؤولة لدراسة خيارات محتملة "! وكلها
تعني باختصار أن الشخص المعني
قد استنكف عن بذل الجهود
المطلوبة لحل مشاكل الحاسوب
أو لانجاز المهام
المطلوبة .
يحاول البيروقراطيون دوما حماية أنفسهم
وانجازاتهم المتواضعة ، وتجنب النقد والملامة من قبل المقيمين
والمدققين ، لذا فقد تعلموا أن
يستخدموا التعبيرات المبهمة
الفضفاضة التي تسمح بتأويل الكلام وحجب النقد وتمييع
المواضيع ، ولنأخذ على سبيل المثال حالات الادعاء
التالية :
* شخص
مطلوب منه انجاز عمل ما ويقصر في أداء المهمة ، فيقول معلقا على تقصيره
:" يجب انجاز العمل كاملا من المرة الاولى " ! وكأنه يغطي على تخاذله !
* قيادي
رفيع ، بدل المتابعة
الحثيثة لتفاصيل عمله واتخاذ الإجراءات العملية
الكفيلة بإنجاحه ، يسوق الحجج
التالية : من المستحيل الاستمرار
بهذا الشكل ، فنحن نملك رصيدا
مفتوحا لشراء ما يلزم
، ولكننا
يا إخوان لا نستطيع الاستمرار
هكذا....فنحن نضيع الوقت ! ثم
يستطرد قائلا : "
المهم أن نتعلم من
دروسنا
!"
* ثم
الكم الهائل من النصائح البيروقراطية المتبجحة : إنها
تقارير منسقة و"صف" كلام فقط
، اعملوا كفريق متناسق
متداخل ، دربوا الآخرين ، حددوا الأولويات ، اعملوا على تحقيق المطلوب بلا كلل أو ملل
، سنفكر مليا في الموضوع
وسنخرج بأفكار مفيدة ، دعونا نقوم بالعصف
الذهني ، الموضوع شائك وليس بالسهولة
التي تتوقعونها ، المدير
يفكر باتخاذ قرار حاسم بعد الاطلاع على كافة الحيثيات
، ملفك الآن على طاولة المدير
لحسم الموضوع ، ثم المبالغة في المزايدة
: "اعملوا كمشرفي نظافة إذا لزم الأمر" !
البيروقراطية
تعدي بفيروساتها المؤثرة .....لذا فهي خطيرة
حتى لهؤلاء اللذين
كانوا ينتقدونها في البداية ، وقد أصبحوا
الآن عاجزين عن مقاومة
تأثيراتها الخفية ، وبدون وعي فان الناس
قد تعودت على استيعاب الاسلوب
المتضخم في الكلام
البيروقراطي ، مما يدعم
مصداقية البيروقراطيين ويزيد من نفوذهم العملي، والغريب
أن هذا الاسلوب
المزيف يتمتع بجاذبية
تعطي صاحبها صورة الشخص المهم المتمكن !
البيروقراطية
تكره التطوير وتدعيه ،
ويسعى كهنتها لأن يحبطوا
وبسرعة أية محاولة
للتحسين لأنها تعني إضعاف مراكز نفوذهم المتضخمة ونرجسيتهم السادية ،
بل أنهم يخفون أنفسهم وراء
شعارات إدارة التغيير
لكي يكرسوا ببشاعة
كل الممارسات العقيمة
في الإدارة القديمة
، وفي الوقت الذي يظهرون
فيه حماسة لمقاومة
المركزية فإنهم يمارسون
التسلط والهيمنة واحتكار الصواب في أبشع الصور حتى
لو أدى ذلك لإقامة مشاريع
فاشلة باهظة التكاليف ،
كما أنهم يحاولون
" تفشيل " النجاحات والاقتراحات
البناءة بشكل تدريجي منسق ، ويشكلون
بالخفاء طابورا خامسا محبطا ، حتى أنهم لا يخفون في النهاية " سعادتهم الجمة
" عندما يتمكنوا أخيرا من إخراج رموز وقادة التغيير
من اللعبة برمتها بحجة انتهاء
المشروع وعدم وجود شاغر لهم في الهيكل
التنظيمي الجديد للمؤسسة ،
كما أنهم يعتبرون
فشل "التغيير" نجاحا لهم
، لأن
التغيير " يقزم " دورهم في المؤسسات ويلغي تأثيرهم
المتضخم لدى أصحاب القرار !
كيف تقاوم البيروقراطية ؟ باليقظة والانتباه ،
بعدم تقبل الأشياء
على علاتها والاقتناع بأي كلام ، بالاستفسار
المستمر وطلب الإيضاحات،
وقبل قول أو كتابة أي شيء
يجب التفكير أولا......قد
يبدو ذلك بديهيا ولكنه
أساسي لمواجهة هذه الآفة الإدارية التي تخفي داخلها
التقاعس والادعاء والفساد ،
وتضيع الفرص على النجاح والإبداع والتقدم ، إذن : الاتصال الفعال
والصراحة والرغبة الجارفة
بالانجاز والشفافية وتوضيح الأمور ووضعها
في سياقها الصحيح ، وفضح
ممارسات الإدارة البيروقراطية ونمط تفكيرها
(بنشر هذا المقال
مثلا ! ) ، ثم التوعية و التفكير أولا وأخيرا ، هي العناصر
الفعالة لمقاومة البيروقراطية
وشرورها الفتاكة في الإدارة
العربية ، ولنكن واقعيين ونعترف أن كثيرا من ممارسات الفساد المتنوعة في جسم الإدارات العربية والتي استشرت كالسرطان بتأثير تولي وتوارث البيروقراطيين العرب ( الفاسدين في معظمهم
) لمناصب قيادية في كافة المؤسسات
العامة والخاصة ، وهي التي ساهمت في المحصلة
( ولحد ما ) في حدوث
احتقان شعبي جارف أدى لتأجيج
ربيع الثورات العربية
. ولكن لنكن أيضا موضوعيين ونعترف أن البيروقراطية ليست حكرا على الشركات المحلية
والعربية كما يعتقد غالبا ، فقد تعشش
في بؤر
مخفية وفي ثنايا الواجهات البراقة
للشركات الأجنبية الكبيرة العملاقة ، ولا يلزم إلا البحث والتمحيص لكشف ذلك ، وأخيرا كن حذرا ، فقد يتربص لك البيروقراطيون بالمرصاد إذا ما كشفت لعبتهم
، وقد
تخسر وظيفتك !!
مهند النابلسي
كاتب وباحث
Mmman98@hotmail.com



