ذهب فلاسفة التنوير الى ان السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا، وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد، وبالتالي هي الحياة الوحيدة التي لها قيمة، اما الخلود فهو اكذوبة كهنوتية يتعين كشف النقاب عنها، والقضاء عليها، لتحقيق حياة افضل في اطار من الحرية والسعادة، وعن الموت، فأن معرفة كيفية الموت على الوجه السليم: ((فن الموت هي عند الرجل المستنير جزء من فن الحياة)). ويعتمد هولباخ (1723-1775) مؤلف كتاب (نظام الطبقة) معتبرا الفلسفة تأملا للموت، والخوف من الموت هو العدو الحقيقي الوحيد الذي يتعين قهره، وعدم وجود حياة اخرى، يحررنا من سلطة القساوسة([1]).
كما هاجم ديفيد هيوم (1711-1776) نظرية الخلود ، وان واقعة ان الانسان يخشى الموت هي ذاتها تؤكد الافتراض بان الموت ينهي كل شيء وبدون وقت الموت ما كان للجنس البشري ان يبقى. ونقد هيوم المدمّر لنظرية الخلود تزداد عمقا من خلال تفنيده لمفهوم الجوهر Substance ، فيما يخص النفس البشرية، ويرفض ان هناك شيء يسمى (الذات Self) ، حيث ان الذات لايمكن ادراكها حسّيا وليست لدينا فكرة عنها، وما ندعوه ((أنا)) ونعتز به ، ونتوقع أن يواصل الحياة لا يعدو ان يكون حزمة من الادراكات الحسية([2]).
كما فند (كانط) برهان مندلسون في خلود النفس في كتابه (نقد العقل الخالص) معتبرا دوام النفس الذي ينظر اليه كموضوع للاحساس الداخلي يظل بلا برهان بل غير قابل للبرهان اساسا.
اما برونو (1564-1600) فكان اقتناعه باستحالة الموت كعدم ، في تأكيده ان الكون اللامتناهي الذي عد تأمله (المهمة السامية للانسان) فالانسان اذ يسعى الى اكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل في الكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر هناك كل كائن الخلود والتحقق، وفي الكون اللامتناهي للكون عند برونو لاسيطرة للموت.
بقي ديكارت مؤمنا بأن النفس تبقى بعد الموت، وان الطب الجاد مع التغذية الصحية الصحيحة ممكن ان تطيل عمر الانسان الى قرون عديدة، ولم تتمالك الملكة كريستينا ملكة السويد في حينها من التهكم الخفي على نظرية ديكارت حين ماتوفي في الثالثة والخمسين، لكن ديكارت عرف طوباوية افكاره قبل وفاته. وفي رسالة الى (شانو) وهو عاكف على تأليف كتابه (حول انفعالات النفس) يقرر: (بدلا من ايجاد السبيل للحفاظ على الحياة، اكتشفت سبيلا اكثر سهولة ويقينية هو ان لا نخشى الموت) لان النفس حسب تصوره باقية بعد فناء الجسم، وان ذلك ليس من تعاليم الدين، وانما في الاطلاع على اسباب طبيعية تؤكد ذلك، ويناقض نفسه حين يقول: اني لا استطيع التفكير في اولئك الذين ماتوا باعتبارهم ينتقلون الى حياة اكثر سلاما وعذوبة من حياتنا، واننا سننضم اليهم يوما ما([3]).
ويعني ديكارت ان شهادة العقل الطبيعي تثبت ان الجسم ينتمي الى عالم المادة (الجوهر الممتد…) والذي يخضع لقوانين الحركة والذي يمكن ان يفهم باعتباره نظاما ميكانيكيا، بينما الفعل جوهر مفكر غير ممتد (جوهر مفكر) وهناك ثنائية متطرفة بين هذين النوعين من الجوهر، وما يمنح الجسم الحياة ليس العقل او النفس وانما (الارواح الحيوانية) فالعقل او النفس لسكن الجسم، ومسألة تفاعلهما هي المشكلة المحورية التي يتوجب علينا ان نميز بين وظائف النفس من وظائف الجسم. ويؤكد انه (من الخطأ الاعتقاد بان النفس تمنح الجسم حركته وحرارته.) ([4])
واوقع ديكارت نفسه في سخرية لايحسد عليها حين اعتبر ان الجسم مركب من اجزاء مختلفة، لكن جزءا واحدا من الجسم هو على اتصال مباشر بالنفس وهو الغدة الصنوبرية. التي تحتل موقعا مركزيا في الدماغ، وقد اراد ديكارت بهذه الفكرة الخروج من المأزق الذي وقع فيه بعد ان فصل تماما بين الجسد وجوهر النفس.
بمجيء باسكال: (افضل ما في هذه الحياة هو الامل في حياة اخرى)، وباسكال يرى ان الفلسفة ليست جديرة بساعة من الدراسة والاخفاق في دعم الامل في الخلود عن طريق العقل الطبيعي هو الذي جعل رفض باسكال للفلسفة الشرط المسبق للاعتقاد في الخلود بعد الموت. وكان اهتمامه منصبا على البرهنة على صحة النظرية المسيحية. ومشكلة الخلود هي في رأي باسكال ، المشكلة الاكثر عمقا والاشد الحاحا، وهو على استعداد لمساعدة الآخرين في العثور على الرد الذي عثر عليه هو في ايمانه الديني، فهو يبدأ بالقول بانه ما من احد يستطيع ان يلوم مسيحيا، لعدم قدرته على اثبات معتقدات عقلانية لان – الله – اذا كان موجودا فانه لايمكن الاحاطة به على نحو لا متناه… فنحن عاجزون لا عن ادراك ماهيته فحسب، وانما كذلك من ادراك ما اذا كان موجودا([5]).
في حل هذه المعضلة، يعطي باسكال حلا براجماتيا فيقول في ما يتعلق بوجود الله، فاما ان الله موجود، او انه غير موجود، والشيء الذي يمكن عمله هو الرهان، فاذا ما راهنا على ان الله موجود فاننا نكسب كل شيء في لانهائية النعيم، اللامتناهي، واذا ما اتضح ان الله غير موجود فاننا لا نخسر شيئا.
وفي هذا الصدد يقول كانط: (انني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية واني على يقين من انه ليس هناك ما يهز هذا الايمان). ([6])