أعلنت بعض المواقع المقربة من جبهة البوليساريو
أن منطقةالتفاريتي ستكون قبلة "لكل الصحراويين خلال الأيام المقبلةباحتضانها لفعاليات
الاحتفالات المخلدة للذكرى الخامسة والأربعين"لاندلاع ما تسميه "الكفاح المسلح".
ويتضمن برنامج الاحتفالات المعلن عنه أنشطة ذات
طابع عسكريوسياسي؛ فعلى المستوى الأول، تعتزم البوليساريو القيام باستعراضعسكري وتنظيم
مناورة عسكرية.
أما المستوى السياسي، فهناك حديث عن محاولة نقل
بعض أشغالما يسمى "دورة البرلمان الحالية" إلى التفاريتي. فما هو الهدفوالمغزى
من هذا التحرك الاستفزازي؟ وما هي الرسائل التي تحاولالجزائر إرسالها الى المغرب في
هذه الظرفية؟ وما هو موقف المغربوالمنتظم الدولي من هذه التحركات؟ فباستحضار التطوراتوالتحولات
التي تعرفها قضية الصحراء، وبالنظر إلى مخرجات قرار مجلس الأمن رقم 2414، وفي ظلانحسار
أطروحة الانفصال، يمكن قراءة الخطوات الاستفزازية التي تعتزم الجزائر/ البوليساريو
القيام بهاوفق أربعة مستويات:
الأول: الجزائر تحاول من خلال دفع البوليساريو للاحتفال
في منطقة التفاريتي إلى الاستفزاز والتصعيد ضدالمغرب بشكل غير مسبوق. وهذه الخطوة تؤشر
على وجود رغبة للجيش الجزائري لجر المملكة لمواجهةعسكرية مباشرة لتصدير الأزمة الداخلية
وإفشال المحاولات المغربية الرامية إلى إخراجها من الظل إلىالواجهة في ملف الصحراء.
الثاني: لجوء الجزائر إلى تكتيك أو خيار دفع ميليشيات
البوليساريو للاحتفال بهذه الطريقة الاستفزازيةيحمل في طياته رسائل مبطنة تحاول الجزائر
من خلالها تفنيد والالتفاف على اتهامات المغرب الأخيرةبسبب علاقتها وانخراطها مع إيران
في مخطط تسليح ودعم حزب الله للبوليساريو؛ فالجزائر تناور للتملصمن مسؤوليتها عبر محاولة
إعطاء الانطباع أن النزاع يدور بين المغرب والبوليساريو من خلال دفعميليشيات البوليساريو
إلى الواجهة.
الثالث: الجزائر قبل انعقاد مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر
2018 تسارع الزمن لجر المغرب إلى طاولة التفاوضمع البوليساريو، ومنح كولر أوراق جديدة
لاستدراج المملكة للتفاوض، بحيث تحاول الجزائر أن تحقق هذاالمبتغى بكافة السبل والطرق
الاستفزازية؛ فهي تدرك أن المملكة لن تسمح بالقيام بمثل هذه الخطواتالاستفزازية التي
تمس الوحدة الترابية. وتسعى تبعا لذلك إلى إشعال أزمة في المنطقة من شأنها أن تؤديإلى
إعادة طرح ملف النزاع بقوة على مستوى المنتظم الدولي للضغط على المغرب للعودة إلى المفاوضات.
الرابع: بعد صدور القرار الأخير لمجلس الأمن رقم
2414 الذي عرى البوليساريو وفند ادعاءاتها المتمثلة فيوجود "أراضٍ محررة"،
تحاول هذه المنظمة الانفصالية من خلال هذه الخطوة ترميم صورتها التي اهتزتفي المخيمات
من خلال الاحتفال في هذه المنطقة ومحاولة تجسيد السيادة على هذه الأراضي وفرض الأمرالواقع
وتحدي قرارات مجلس الأمن.
وبالعودة إلى مخرجات قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص
قضية الصحراء رقم 2414، فقد تضمن في إحدىفقراته وبلهجة صريحة ومباشرة قلق هذا المجلس
إزاء توغلات البوليساريو في منطقة الكركرات ومحاولتهانقل بعض المنشآت الإدارية والعسكرية
إلى بئر لحلو وتفاريتي؛ وهو ما يمكن اعتباره إدانة مباشرة لجبهةالبوليساريو، بحيث إن
هذا القرار يحملها المسؤولية ضمنيا عن أي انفلات قد يقع في المنطقة، مما يعطيالشرعية
والغطاء الدولي للمغرب للتدخل بكافة الوسائل لمنعها من الإقدام على تغيير معالم المنطقة.
كما أنهذه الإشارة تفند كافة الشعارات التي ترفعها البوليساريو في كل المناسبات من
خلال الادعاء بوجود "وهمأراضٍ محررة".
لذلك، فالتحركات والمناورات الجديدة التي تحاول
الجزائر القيام بها من خلال دفع البوليساريو إلى الاحتفالفي منطقة تفاريتي، غايتها
استفزاز المغرب والضرب بعرض الحائط مضمون قرار مجلس الأمن رقم 2414،ومحاولة إدخال المنطقة
برمتها في وضعا جديدا متسما بعدم الاستقرار والتوتر. سيناريو يعتبر المخرجوالمنقذ لكل
من الجزائر والبوليساريو، حيث إن الجارة الشرقية تحاول أن تصدر الأزمة الداخلية؛ لأنها
تعيشداخليا على صفيح ساخن، بسبب فراغ السلطة والصراع الدائر بين جناح شقيق الرئيس الحالي،
وجناحالوزير الأول أويحيى الذي يصارع من أجل توسيع دائرة نفوذها وطرح نفسه كمرشح بديل.
أما البوليساريو،وفي ظل اتساع رقعة الغضب واليأس في المخيمات ورفض المغرب التفاوض معها،
فلم يعد أمامها من حللتجاوز مرحلة التفكك والاندثار سوى اللعب بورقة المواجهة المباشرة
أو ما تسميه وفق أدبياتها" الكفاحالمسلح" بغية تجييش الأنصار وخلق نوع من
الإجماع المصطنع حول القيادة الحالية
وأخيرا، يمكن القول إن قضية الصحراء دخلت منعطفا
جديدا يستلزم إعادة النظر في طريقة التدبيروالمعالجة، خاصة أن خصوم المغرب سيحاولون
في المحطات المقبلة أن يفتحوا جبهات جديدة أكثر خطورةواستفزازا من السابق، وتتوزع المناورات
والتكتيكات المقبلة بين ما هو ميداني/عسكري من خلال السعي إلىتغيير معالم المنطقة العازلة،
ومحاولة جر المملكة إلى المواجهة، وما هو قاري/مؤسساتي، من خلال المراهنةعلى اختراق
المفوضية الإفريقية لتحقيق بعض المكاسب في قمة موريتانيا القادمة، بالإضافة لما هو
دولي/أممي، من خلال محاولة توظيف التعقيدات الدولية الراهنة المسومة بالاصطفاف والتقاطب
الحادين بينالقوى العظمى، لإيجاد غطاء يتماهى ويتشابه مع رواسب الحرب الباردة من خلال
محاولة الحصول علىدعم بعض القوى الكبرى مثل روسيا والصين.



