ظل الخطاب الروائي العربي ، طيلة القرن الماضي
، مشدودا إلى حبل المقاومة بالكتابة ، كتعبير عن الرفض ، لواقع قاس و صعب ؛ يتراوح
ما بين الألم و الأمل . ففي ذلك ،
كانت السِّمة المهيمنة ، على الإبداع السردي العربي ، هي فضح ما يقع خلف الستار القاتم والمعـْـتم ؛ من انتهاكات جسيمة تتغيَّأ ، من خلالها ، تدمير الجسد و الكرامة الإنسانية . وفي هذا المقام ، باتت الرواية العربية تبحث عن جذور ، تؤمِّن بها تصالحَها مع الذات والواقع العربيين ، لاستئصال ماض موبوء ؛ باق ومقيم في وعي الإنسان العربي تتوارثه أجيال و أجيال . فما كان للحكي ، بمختلف تلويناته ، إلا أن يسافر عبر نصوص تشاكل بين الحداثة والتحديث ؛ فكشفت عن جسد عار ينزُّ دما و يتحلـَّب ألما . فبفعل القوة والاستبداد والخنوع والطاعة العمياء ، استطاع الجلادُ أن يدمر كل ما هو جميل و فاتن ، بل كانت له القدرة و المهارة على أن يغرس غريزة الموت )الثاناتوس( ، بدل أن يسقي شجرة الحياة )الإيروس( حسب تعبير الدكتور جابر عصفور ؛ ليظل الإبداع مرتبطا عضويا بهذه الانعطافة الخطيرة من تاريخ الأدب العربي . فبالرغم من بعض النصوص ، التي كانت تحلم بفجر جديد ، استطاعت أن تحرك ، إلى حد ما ، مياها آسنة و راكدة ، ولامست عصبا عاريا من الجسد العربي ، كشفت من موقعها ، عن واقع قموع و مستبد الذي عاشه ويعيشه المواطن البسيط والأعزل . متمكنة ، بذلك ، من تغييبه في غياهب سجون واعتقال ؛ ليبقى هذا الجرحُ غائرا على امتداد الوجود.
كانت السِّمة المهيمنة ، على الإبداع السردي العربي ، هي فضح ما يقع خلف الستار القاتم والمعـْـتم ؛ من انتهاكات جسيمة تتغيَّأ ، من خلالها ، تدمير الجسد و الكرامة الإنسانية . وفي هذا المقام ، باتت الرواية العربية تبحث عن جذور ، تؤمِّن بها تصالحَها مع الذات والواقع العربيين ، لاستئصال ماض موبوء ؛ باق ومقيم في وعي الإنسان العربي تتوارثه أجيال و أجيال . فما كان للحكي ، بمختلف تلويناته ، إلا أن يسافر عبر نصوص تشاكل بين الحداثة والتحديث ؛ فكشفت عن جسد عار ينزُّ دما و يتحلـَّب ألما . فبفعل القوة والاستبداد والخنوع والطاعة العمياء ، استطاع الجلادُ أن يدمر كل ما هو جميل و فاتن ، بل كانت له القدرة و المهارة على أن يغرس غريزة الموت )الثاناتوس( ، بدل أن يسقي شجرة الحياة )الإيروس( حسب تعبير الدكتور جابر عصفور ؛ ليظل الإبداع مرتبطا عضويا بهذه الانعطافة الخطيرة من تاريخ الأدب العربي . فبالرغم من بعض النصوص ، التي كانت تحلم بفجر جديد ، استطاعت أن تحرك ، إلى حد ما ، مياها آسنة و راكدة ، ولامست عصبا عاريا من الجسد العربي ، كشفت من موقعها ، عن واقع قموع و مستبد الذي عاشه ويعيشه المواطن البسيط والأعزل . متمكنة ، بذلك ، من تغييبه في غياهب سجون واعتقال ؛ ليبقى هذا الجرحُ غائرا على امتداد الوجود.
إن فعل الكتابة ، هو مقاومة بفعل المعرفة ،
حيث إنها ـ أي الكتابة ـ تتهدد إسقاط التعصب وهدم الانتصار الأعمى لأخلاقيات بائدة ، تؤمن
بقوة زائفة ، تنقشع مع مرور الزمن . فضلا عن ذلك ، تظل الكتابة و المعرفة فعلين
تدميريين للهيمنة المطلقة ، يجنحان دائما إلى تعرية واقع وبائي و ضحل ، بل يعملان
على رفع الستار عن المسكوت عنه داخل المجتمع. غير أن الكتابة شعور و إحساس و دغدغة
مشاعر وأحاسيس و جذوة خيال ، تلاعب الزمن
والمكان وتنتصر عليهما . في حين تظل المعرفة حبيسة الوعي ، قابعة وراء
الفهم والإدراك و المناقشة ، مجردة من كل
ما هو محسوس و ملموس .
فمن أجل استبانة العلاقة الموجودة بين
الكتابة و المعرفة ، يظل الإبداع الحلبة ،
التي تنكشف عندها هذه الرؤية الفنية المصطبغة بالواقع . ولئن كانت الرواية العربية
، حسب جابر عصفور، ورشا أدبيا للمقاومة عن طريق الكتابة ، فإن الخطاب الروائي
يزاوج ، في هذا المستوى ، بين المعرفة الأيديولوجية للوقائع الروائية ؛ و يصلها وصلا
بالكتابة . حيث إن هذه الأخيرة تصبح ، بلاغة توصل الصور الفنية ، بل تتماهى و
الوظيفة ، التي تقوم بها الآلة الفوتوغرافية . وغير بعيد عن هذا التماهي الموجود
بين المعرفة و الكتابة ، يظل الكاتبُ المبدعُ ؛ السَّمْت الوحيد الذي يؤلف بينهما
، ويكشف للعالم عن حقيقة غائمة ، أمست ملتبسة في الأذهان لفترات من الزمن .
بتعبير آخر ، فعندما تتزاحم في الذهن المعرفة
و الكتابة ، يخرج الكاتبُ المبدعُ برؤية فنية ، كمَجْلى من مجالي بلاغة الإمتاع
الأدبي ، التي تتراوح بين ما هو كنائي و استعاري مجازي ؛ يجرِّح الواقع ، ويُعري عن عصبه العاري ، بل
يستطيع أن يُشرِّحَه ـ أي الواقع ـ بأدواته الفنية ، بهدف إعطاء للوجود معنى
يبتغيه . لذا يبقى الإبداعُ ، دائما ،
وسيلة تؤمن العبور إلى ما يموج به الواقع من صراعات وأيديولوجيات متطاحنة . إن الانتصار ، الذي حققه
الحكي على كل أشكال العنف الرمزي في المجتمع ، واستمراره ـ أي الحكي ـ في الزمان و
المكان ، دليل على المكانة المتميزة التي يحتلها الخطاب الأدبي في الوجدان
الإنساني عبر التاريخ . فما كان انتصار فدريكو غارسيا لوركا ؛ الشاعر الإسباني ،
على الموت ، وهو يواجه رصاص فرانكو ، الذي دك برشلونة دكا ، إلا تعبيرا واضحا على
المدى غير المتناهي الذي يبلغه الخطاب الأدبي الشعري ، فضلا عن رجع الصدى والرجة المعرفية ، التي تبقى راسخة في الأذهان عبر
التاريخ .
فمن بين الروايات ، التي استطاعت أن تقلِـّبَ
القارئ وجعا ، ويحس معها أن شيئا ما بداخله
، يفعل فعله ، مثل القـُداد ؛ يعتصره حسْرة و ألما ، و كانت لها ـ أي الرواية ـ الجسارة
والجرْأة على أن تلامس العصبَ العاري في جسد الكتابة ، ومعها أصبح القارئ سجينا و أسير عذابات و إهانات تتعرض
لها الكرامة الإنسانية ، نجد رواية " الآن ... هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى
" لعبد الرحمان منيف . بَيـْد أن الكتابة الواصفة للتجربة الإنسانية خلف
القضبان ، تقتضي المعرفة بالظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد
العربية ، من أجل اكتمال صرح الكتابة واندماجها المطلق بالمعرفة التاريخية . تحكي رواية
" الآن ... هنا " عن رحلة علاجية إلى براغ لسجين سياسي في دولة العموريَّة
، بعدما أكدت الخبرة الطبية على أنه ـ أي السجين ـ سيلاقي حتفه ، بسبب التعذيب
الذي تعرض له في غياهب سجونها و معتقلاتها . وفي هذه الرحلة سيلاقي سجينا آخر هو طالع العريفي ، فنسجا علاقة وطيدة ، بفعل
ماضيهما المشترك ، حيث تقاسما تقريبا الذكريات نفسها عن المطبَّات ومعاناة الاعتقال في سجون موران و العمورية . وعن
الرواية يقول سعد الله ونّوس " حين فرغت من رواية عبد الرحمان منيف الجديدة ،
أحسست حلقي جافا ، وغمرني شعور ذاهل بالعار ... كيف نعيش حياتنا اليومية ، ونساكن هذا الرعب الذي يتربص بنا هنا ... والآن
؟ "
لا نستطيع الحديث ، إذن ، عن أدب السجون من
دون ذكر التجربة الروائية لعبد الرحمان منيف ، فضلا عن ارتباطها الشديد بالمعرفة
الحقيقية للأفضية و الأمكنة الذي تتحرك فيه شخصياته . فالسجن مكان للتعذيب ، والمستشفى مكان للموت
يقول عبد الرحمان منيف " اضطجعت استعدادا للموت . أثناء الاستعداد تذكرت
أشياء كثيرة ، ولا أبالغ إذا قلت إنني تذكرت كل شيء ، منذ أن كنت صغيرا ، وحتى
اللحظة التي غادرت فيها المستشفى ..." ، فمهما اتسعت أحياز التجربة الرواية ،
عند منيف ، إلا ونحس أنه على معرفة بخصوصية المكان الذي تتشكل منه الرؤية الفنية ؛
لتأتي الكتابة كمنجز و كتحد للأسلوب الكلاسيكي المهيمن على السرد العربي . إن
الخصوصية التي تتمتع بها المعرفة عند عبد الرحمن منيف ، هي تحريضية بالأساس ،
تتلمس طريقها نحو الكشف والمكاشفة بين الجلاد والضحية . فما
الكتابة ، في هذا كله ، إلا وجهٌ من وجوه النضال ، والتساؤل و تحريك للجامد
والغوص في مستنقع .
فمن بين الروايات الأخرى ، التي ساهمت في هذا
المنجز الحكائي ، رواية الكاتب المغربي جواد مديدش ، المعنونة ب " درب مولاي
الشريف ـ الغرفة السوداء "، والتي ترجمها عبد الرحيم حُزَل إلى اللغة العربية
. ولما كانت المعرفة تهم الوجود في أسمى معانيه ، خصوصا للذين لم يعايشوا سنوات
الرعب ، حسب أبرهام السرفاتي ، فإن جواد مديدش قربنا من معاناته التي دامت أربع
عشـْرة سنة ، والتي سَلـَخها من أصل اثنتي وعشرين سنة كسجن نافذ في غرفة سوداء
معتمة . يقول عنها مديدش " إنها غرفة تحكي بحيطانها وسقفها المصبوغة بالأسود ، مدخنة هائلة ، تقوم
لصق السقف منها ، كوة هي الوحيدة المطلة
على الخارج . ينفذ منها الأكسجين و ضوء النهار بتقتير شديد ... كنا في هذه الغرفة
اثني عشر نفرا " .
إن الكتابة ، عند جواد مديدش ، لا تنساق وراء
الجاهزية في الكلام و القول ، بل تجعل القارئ متورطا و صانعا للحدث في الآن نفسه ،
فضلا عن تحميله المسؤولية المصيرية في
الوجود والكينونة . من هذا المنطلق ، تحكي
رواية " درب مولاي الشريف " عن انكسار أحلام شبيبة حزب الطليعة بالمغرب
، وهي تواجه ، نهاية سبعينيات القرن الماضي،
ظلم و استبداد الجلادين . لكن السؤال الذي علق بذهني ، وأنا أقرأ الرواية ،
من أين أتى جواد مديدش بتلك اللمسة الإنسانية لمحكياته ، وهو يعيش الرعب و الغضب
الوحشي لجلاديه في الزنازن و أقبية الموت ؟
وأمام الانفراج السياسي نهاية الثمانينيات ،
وصعود قوى اشتراكية جديدة تؤمن بالحرية
والديمقراطية ، استطاع المغرب ، منتصف العشرية الأولى من الألفية الجديدة
، وبناء على قرار المجلس الاستشاري للحقوق
الإنسان بالمغرب ، أن يخلق هيئة الإنصاف والمصالحة. سيكون الأمر طبيعيا ، في ظل
هذا الانفراج ، أن تخرج " الغرفة السوداء " من وسطها الروائي إلى الوسط
السينمائي ، حيث اعتمد المخرج السينمائي المغربي " حسن بنجلون" على
تقنيات حديثة في التصوير و الإخراج ؛ بغية المرور السهل من الرواية إلى الفلم
التصويري .
نرى
، في ضوء ما قدمناه ، أن الرواية استحوذت على نصيب كبير من الإبداع في الساحة
الثقافية . واحتلت ، بذلك ، مساحة مهمة ضمن
الوسائل و التقنيات التي يتفاعل بها الإنسان مع واقعه و محيطه . ونتيجة لذلك ، حسب
الدكتور جابر عصفور ، أصبح الإنسان يعيش زمن الرواية . فالمزية لا تكمن في أي
الزمنين يستحوذ على مخيلة المبدعين ؛ أ زمن الرواية أم زمن الشعر ؟ وإنما المزية
تتجلى في مدى وسع الإبداع من مقاومة كل أشكال الانتهاكات و التعسّفات ، التي يتعرض
لها الإنسان في تاريخه النضالي ضد قوى الطغيان .


