-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

"ملحمة الروايض" إدريس نفاع


إنه لمن المؤسف جدا مشاهدة الأحداث اللامسؤولة التي وقعت في الرباط ليلة عاشوراء. مراهقون في "نشوة بطولية" يهاجمون القوات العمومية بالمفرقعات ويعتدون على رجال الأمن، يكسرون زجاج السيارات ويخلون بالسير العام للنظام إبان هاته الظرفية الصعبة. بدون شك، شاهد الجميع عملية قلب الأدوار لما تعيشه شوارع الرباط في أيامها العادية بين المطالبين بحق التشغيل وبين القوات العمومية. لقد تعودنا على مشاهد يفرق فيها رجال الأمن تجمعات المعطلين أو غيرهم، لكن حدث ليلة عاشوراء قلب العملية، جحافل من الضباع تطارد القوات العمومية و"ترجمها بالشهب"، وكأن بهؤلاء يلعبون لعبة على هواتفهم الذكية. لقد قاموا بنقل اللعبة-المخذر (فري فاير) إلى الواقع الحقيقي. على ماذا يوحي الحدث؟ في رأيي البسيط يحمل المشهد دلالات عديدة أبرزها:

1-     قلب في منظومة القيم وجهل بمعنى المواطَنة، وغياب تام لروح المسؤولية التي من المفترض أن تكون في مراحل نضجها لدى هؤلاء.

2-     تقلُّص دور المدرسة في مواجهة المتدخل الجديد في حياة أبناء هذا الجيل، وأقصد، الهاتف الذكي. إن الولوج السلس إلى شبكة الإنترنت قد سبب عدة تشوهات بلغت الجوهر أحيانا، إذ خَلقت كائنات وضعت بتصرفاتها وباعتمادها على حركات غريبة ولغة أغرب في التواصل –وضعت- سؤال ما الإنسان؟ موضع تساؤل من جديد. إن الولوج إلى الفضاء العنكبوتي يتطلب إعدادا قبليا  يجعل المستعمل للهاتف الذكي واعيا بقيمة ما يستعمله، وبخطره، وواعيا أيضا بطبيعة العلاقة إنسان-هاتف ذكي. لقد ساهم الاستحواذ الذي يمارسه الهاتف الذكي على حياة الأشخاص في تفكيك العلاقات الاجتماعية وفي تغييب الرابط الإنساني  الذي يجمع بين الناس. أضف إلى ذلك –وهذا هو الأهم- المساهمة في انحراف المسار العلمي السّوي للمتمدرسين، لقد سيطرت مواقع التواصل، وألعاب العنف، وتطبيقات "المونتاج" –سيطرت- على الزمن العلمي لتفكير التلاميذ، صحيح أننا نجد جل التلاميذ بارعين في استعمال تطبيقات الهاتف في هذا المجال، لكن ما أن تطلب منه بحثا بسيطا حول موضوع ما حتى تجده لا يملك آليات التعاطي مع الوضعية، فيهرع سريعا إلى أقرب "سيبير" ليطلب من صاحبه أن يقوم له بالبحث، يمسك العمل الجاهز فيعيده إلى من كلفه به "بكل أمانة". لقد أصبح تعليم ثقافة البحث العلمي في ظل الطفرة التقنية التي تضاهي طفرة طابعة غوتنبرغ –أصبح- حاجة مُلحة لحماية المستقبل العلمي للتلاميذ ومستقبل البلاد عامة. إنه لمن الضروري أن يتعلم التلميذ منذ صغره كيفية البحث العلمي ومنهجه، في أفق تحقيق تفكير علمي لديه. بدون ذلك، سيتم إهدار كفايات -مبهرة صراحة- في تعامل التلاميذ مع هواتفهم وتطبيقاتها. الأرضية البيداغوجية متوفرة وما على المدرسة سوى تقويم الاعوجاج. إن الحديث عن تقلص دور المدرسة لا يعني تحميلها كامل المسؤولية، وبالتالي تحميل الدولة ذلك بحكم أنها المشرف على قطاع التربية والتكوين، بل يعني أن أهداف الكفايات لا تصل إلى المستوى المنتظر، ومنه، إذا أرادت المدرسة الصمود والعودة إلى التأثير في محيطها، فعليها أن تقوم بإعادة بناء للأولويات لدى التلاميذ، وبالتالي توعيتهم بقيمة الاستعمال العلمي للهاتف ونتائجه.

3-     غياب مراقبة استعمال الأطفال للهواتف، إذ يسمح الآباء لأطفالهم باستعمال الهاتف بإطلاق، فالطفل يكتشف هذا الجهاز الغريب حتى قبل أن يتعلم النطق، كما أنه يقيم "علاقة حميمية" معه بحكم العدد الكبير للتطبيقات الخاصة بالأطفال، فيصبح استعمال الطفل للهاتف استعمالا لشيء مجهول الماهية بالنسبة له. ولعل أبرز الأسباب المساهمة في ذلك، انشغال الآباء بهواتفهم الذكية أو "خلوة" الأمهات مع شاشة التلفزة، إذ أصبحت التلفزة بمسلسلاتها وبرامجها البعيدة عن واقع المغاربة وثقافتهم نوعا من العمى يصيب أغلب ربات الأسر، ويساهم هذا في ابتعاد الأمهات عن رابط الأمومة  الذي يجمعهن بأطفالهن، وفي اختطافهن أيضا من ثقافتهن.

إنه لموضوع شائك لا ينتهي فيه الحديث، فكسر حالة الطوارئ وإجراءات الوقاية من وباء كورونا يدفع بالتكهن حول مسار انتشار الفيروس إلى المجهول. كما أن الاعتداء على رجال الأمن  ينم عن أخلاق حالة ما قبل-الغاب (إن وجدت) ويوحي على نوع من الحسرة على مستقبل هؤلاء ومستقبل الوطن عموما. إن جحافل الضباع التي مارست تلك السلوكيات تعبر عن تفجير خطير لمكبوتات هؤلاء، وتعبر عن تمظهر سلبي لتربية غير سوية خضعوا لها، وهذا أمر يبعث على الصدمة خصوصا إذا ما قاربنا الواقعة من زاوية تربوية.

إننا فعلا لفي أمس الحاجة إلى إعادة قراءة للذات الجمعية، وإلى وقفة "عارية" وبدون مساحيق تجميل أمام المرآة، حتى نشاهد الحقيقة وننظر فيها، نقوِّمها حتى لو تطلب التقويم كــيّا بالنار.

باحث في الفلسفة والتربية.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا