موجة الأغاني الوطنية التي عادت إلى الظهور فجأة وبشكل مكثف منذ عدة شهور بمناسبة بعض الأعياد الوطنية، أثارت في نفسي شجونا كنت أظنني لن أعيشها مرة أخرى بانقضاء زمن الأغاني الوطنية منذ بدء عهد الملك محمد السادس.
البعض من أبناء جيلي ممن عاشوا عهد الملك الراحل الحسن الثاني تولدت لديهم حساسية خاصة تجاه بعض هذه الأغاني الوطنية والتي كانت تخلو من أدنى لمسة فنية كلاما ولحنا وغناء وعزفا. كانت بعض أمسياتنا في الستينات وبداية السبعينات أيام الأعياد والمناسبات الوطنية أمام المذياع أو شاشات التلفزة لبعض المحظوظين أشبه بجلسات التعذيب الجماعي. بالنسبة للراديو فإن الأمر هين بتغيير المحطة، أما التلفزة آنذاك فلم تكن هناك القنوات الفضائية بعد، وكنا نكتفي بقناة دار البريهي.
وقد عشت شخصيا هذا الإحساس بالقهر
والتعذيب (الفني) والذي كان من تداعياته أن أصبت بلوثة الطرب العربي الأصيل منذ
ذلك الحين ولم أشف منه أبدا ولا أبحث عن الشفاء منه. حدث ذلك زمن المسيرة الخضراء،
وكان المغرب يعيش حالة استثنائية بكل المقاييس إذ تم حشد كل مقومات البلد استعدادا
لدخول أفواج المشاركين في المسيرة إلى الصحراء المغربية. وكانت كل محطات الإذاعة
والتلفزة المغربية تذيع على مر الساعة سلسلة لا تنتهي من البرامج الحماسية أغلبها
أغاني وطنية تم انتاجها للمناسبة. وباستثناء أغنيتين اثنتين شهد الجميع بقيمتهما
الفنية وما زالتا تذاعان إلى الآن، فإن أغلب الأغاني التي تم انتاجها آنذاك لم
تسمع مرة ثانية بعد انتهاء المسيرة. بل يقال أن الجوق الوطني كان مرابطا باستوديو
التسجيل ليلا ونهارا لكي يتمكن من توفير الكم الهائل من الأغاني والأناشيد
والملاحم الوطنية التي تم انتاجها في تلك الأيام. الأغنيتان اللتان حازتا إعجاب
الناس هما أغنية " الله أكبر، صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحرا" من تلحين
الفنان عبدالله عصامي وأداء المجموعة الصوتية للجوق الوطني، والأغنية الثانية هي
"العيون عينيا" كلمات وألحان وعزف وأداء مجموعة "جيل جيلالة".
كنت وقتها طالبا في السنة الثانية من الإجازة بكلية العلوم بالرباط، وأسكن بالحي
الجامعي السويسي 2 بالرباط. ولم يكن لدينا في ذلك الوقت ترف الأقراص المدمجة أو
الحواسيب الالكترونية، ولم يكن هناك لا أنترنيت ولا شبكات التواصل الاجتماعي كما
هو الحال الآن. كان لدي بالغرفة التي اقطنها رفقة طالب آخر من مدينة بن أحمد جهاز راديو
ترانزستور صغير (السيس 6) كما كنا نسميه، وكانت به محطتان عربيتان فقط: إذاعة
الرباط وإذاعة طنجة، وبما أن جميع المحطات الإذاعية الجهوية كانت تذيع نفس برنامج
الإذاعة المركزية بالرباط فإننا طيلة النهار والليل كنا أسرى لسلسلة لا تنتهي من
الأغاني الوطنية أغلبها رديء كلاما ولحنا وعزفا وغناء. ولكن الوضع آنذاك كانت له
أسبقيات أخرى غير تقييم الأغاني ونقدها. مرت علي عدة أيام لم أسمع فيها شيئا مما
تعودت على سماعه من مذياعي الصغير من جميل اللحن والغناء سواء كان مغربيا أو
مشرقيا. وبدأت تنتابني حالة من القلق والاكتئاب جعلتني سوداوي التفكير والرأي. لم
أقو على مواصلة الاستماع فقط لتلك الأناشيد التي لا تنتهي ليلا ونهارا، فالتجأت
إلى صديق لي طالب بكلية الطب، شرحت له الوضع وما أعانيه من إحساس بالاختناق لأني
لم يعد لي متنفس فني أخر أهرب إليه من جحيم الأغاني والأناشيد الوطنية الرديئة
التي كانت تحاصرنا بها الإذاعة الوطنية. أعارني صديقي جهازا صغيرا لقراءة أشرطة
الكاسيت المغناطيسية، ولم يكن لديه من شريط فائض إلا واحد تركه في الجهاز. في
غرفتي الصغيرة استخرجت الشريط لأتبين ما كتب عليه. كان شريطا من نوعية BASF ذا لون بنفسجي مكتوب عليه بقلم أسود: "ياللي كان يشجيك أنيني –
أم كلثوم". لم أنس طيلة دراستي بالرباط وحتى بعد ذلك لسنوات عديدة هذا الشريط
السحري وآثاره على مزاجي آنذاك واختياراتي الفنية بعد ذلك بكثير. كنت أستمع للشريط
كلما دخلت الغرفة، وأعيد الاستماع إليه بشكل آلي طيلة تواجدي داخلها. اكتشفت جمال
الكلمات والصور الشعرية في هذه القصيدة حتى قبل أن اعرف أن صاحبها هو أحمد رامي.
أتذكر بأنني كنت أعيد مرارا الاستماع إلى مقطع جميل أعتبره غاية في الروعة في
التصوير الشعري. كنت أرهف السمع، وأتوقف عن عمل أي شيء عندما تصل أم كلثوم إلى
مقطع: "عزة جمالك فين..... من غير ذليل يهواك"، فأوقف الجهاز وأعيد
المقطع ثانيا وثالثا. بعد مدة استعدت توازني "الفني" وأصبحت قادرا على
متابعة الأحداث الوطنية، بل حتى الاستماع، عرضا، لبعض الأغاني والأناشيد الوطنية
لم يعد يحدث في نفسي ذلك النفور والاشمئزاز الذي يغشاها سابقا. اكتشفت أن استماعي
لقصيدة جميلة مثل "ياللي كان يشجيك أنيني" غسلت أذني مما ترسب فيها من
شوائب الألحان، وجعلتني أكثر قدرة على الاستماع ومتابعة البرامج الحوارية التي
كانت تنقل على امتداد اليوم مراسلات من مرابض المتطوعين من مختلف جهات المملكة والذين
كانوا ينتظرون فقط أوامر الانطلاق لعبور الحدود الوهمية آنذاك. لقد كانت
"ياللي كان يشجيك أنيني" بالفعل هي الأغنية الوطنية بالنسبة لي.
ومنذ اعتلائه عرش الحكم منذ أكثر من
20 سنة، ومن بين كل ما قام به الملك محمد السادس وما لم يقم به، وما كان عليه أن
يقوم به خلال هذه المدة، فإنني كنت دائما ممتنا له جدا بأنه وضع حدا لذلك النوع من
العبث الفني والاستخفاف بأذواق الناس والذي وصل في السنوات الأخيرة من حكم الملك
الراحل الحسن الثاني حدا من العبث لا يطاق. إذ كانت بعض هذه الأغاني التي تسمى
تجنيا بالوطنية، تكتب كلماتها وتلحن وتغنى وتسجل في أقل من ساعة. وكانت علامات
الإجهاد والإرهاق تبدو جلية على أفراد الجوق الوطني أثناء تسجيل هذه الأغاني التي
كانت في الغالب تتم بطريقة البلاي باك. ويجب التذكير هنا بأنه بين الفينة والأخرى
كانت تطلع بعض الفلتات الفنية التي تستحق اسم أغنية وطنية، وقد عشنا ذلك منذ
الأيام الأولى للراحل الحسن الثاني وحتى قبله، مثل "أو مالولو" لمحمد
فويتح، ثم "راه مراكش ياسيدي كلو فارح بيك" لحميد الزاهير، و"حبيب
الجماهير" لعبدالوهاب الدكالي، كما شارك العديد من المطربين العرب في بعض
أجمل هذا النوع من الأغاني مثل "الرائد الأكبر" التي لحنها وغناها بصوته
الموسيقار محمد عبدالوهاب، ثم من بعده نعيمة الجعيدي لمن يذكر هذا الصوت الجميل
الذي اختفى سريعا. كما أن للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ مساهمات عديدة ومشهورة
في هذا المجال، إلا أنني شخصيا أعتبر أن أجمل أغنية كانت تحمل مواصفات الشعر
الرصين واللحن العذب والصوت الطروب هي قصيدة " الفرحة الكبرى" من كلمات
الشاعر الفذ وجيه فهمي صلاح ولحن الموسيقار أحمد البيضاوي وغناء المطربة هدى سلطان
ويحكى أن الملك الحسن الثاني أعجب جدا بهذه الأغنية إعجابا شديدا.
ولأنه لم يعد هناك أمثال أحمد
البيضاوي، وعبد الوهاب الدكالي أو محمد عبد الوهاب أو عبدالحليم حافظ أو غيرهم ممن
أبدعوا في هذا المجال، فإنه لا مجال أن ننتظر إنتاج أغاني وطنية جميلة تحترم أذواق
المستمعين وعقولهم، وبالتالي فإن ما تمت إذاعته في عيد العرش منذ 5 سنوات على أنه
ملحمة وطنية تحتفي آنذاك بالذكرى ال 15 لجلوس الملك محمد السادس يجب أن لا يشكل
"ردة فنية" قد تتبعها "ملاحم" و"مشاحم" وطنية أخرى
من بعض سماسرة الغناء الذين كانوا ينتظرون على أحر من الجمر أن يرفع الحظر على هذا
النوع الرديء من الفن. وأظن أن جلالة الملك محمد السادس استطاع بحكمته وسياسته أن
يدخل قلوب المغاربة من دون حاجة إلى هذه "الملاحم" المبتدعة.
شخصيا، لو أتيحت لي فرصة لقاء الملك
أو إيصال رسالة إليه لرجوته بشكل حار أن يحارب هذه "الردة الفنية"
الجديدة وأن يواصل مقاطعة شعراء ومطربي "الولاء الخليع" لأننا لم نعد
نحتاج لمتشاعر أو منشد من الدرجة الرابعة لكي نقول بملء فينا وبكل فخر: عاش الملك.
الدارالبيضاء في 05 نوفمبر 2020



