-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

الحيوان في شعر المعلقات إبراهيم أبو عواد

    


  إِن حياةَ الإنسان العربي في الصحراء الشاسعة ، جعلته يبني علاقاتٍ دافئة مع الحيوانات التي تشاركه هذه البيئة القاسية . وهذا الأمرُ يتجلى بكل وضوح في شِعر المعلَّقات. فهناك رابطة حقيقية _ في السياقات الشعرية_ بين العربيِّ والحيوانات التي تعيش معه ، وتشاركه أفراحَه وأحزانَه .

وبالتالي ، فليس غريباً أن يتم ذِكْرُ الخيل والفَرَس ، وبيان صفاته ، وأحواله ، ومزاياه، ومدحه بأقوى العِبارات، وكأنه فردٌ من أفراد القبيلة، أو جُزء من العائلة . وهذا يدل على شدة الترابط بين الفَرَس والفارس ، وكما قيل : الفَرَس من الفارس.

     وتُذكَر السِّباعُ وحياتها القاسية في الأجواء المناخية الصعبة ، كما يتم التنويه بقوتها، وغريزتها المعتمدة على الافتراس والقتل. ويَظْهر الحِمارُ، ويتم تسليط الضوء على جَوْفِه باعتباره رمزاً للخراب. ويَبْرز الذئبُ وصَوْته المندمج مع عناصر الطبيعة، ونراه يتحرك في البيئة الصحراوية بكل تناقضاتها .

     وبالطبع ، لا يمكن للشِّعر العربي القديم أن يتجاوزَ ذِكْرَ الإِبل . فالإبلُ هي سُفن الصحراء العظيمة التي تتحدى الرمالَ والعواصفَ والظروفَ المؤلمة ، وهي مثالٌ واقعي على شِدة البأس . وفي ذات السياق ، تَبْرز صفاتُ الناقة بالتفصيل ، ويتم تسليط الضوء على بُنيتها الجسمية والنَّفسية ، والإشادة بخصائصها المتفرِّدة .

     ويَكْشف لنا الشِّعرُ عن البقر والظباء ، والاقتران بينهما . كما يَكْشف عن الظباء والنعام في علاقة اقتران أُخرى. وبالطبع ، فهذا العالَم الحيواني مليء بالْجَمال والمشاعر الفيَّاضة ، خصوصاً تلك المشاعر التي تَرْبط بين الأُمهات والأولاد . ولا يمكن تجاهل تشبيه النساء بالظباء . وهذه إشارة أُخرى على شِدَّة الترابط بين عالَم الإنسان وعالَمِ الحيوان . وأخيراً ، إِنَّ مَدْحَ الحيوان هو مَدْحٌ لصاحبه ، فالخصائصُ المميَّزة للحيوان تشير إلى ذكاءِ مالكه الذي أحسنَ الاختيارَ ، وأتقنَ فنونَ الرعاية . 

1_ الخيل والفَرَس :

     الخيْلُ تحتل مكانةً رفيعة في الثقافة العربية القديمة ، فهي رَمْز للشرف والسيادة والرجولة والبطولة . كما أن وجودها مؤشر على القوة والمنَعة .

     يقولُ الشاعرُ عمرو بن كلثوم :

فأمَّا يَوْمَ خَشْيتنا عَلَيْهم          فتُصبحُ خَيْلُنا عُصَباً ثُبينا

     عِندما يَسْتولي الخوفُ على القلوب، ويتأجج الرعبُ في الواقع المعاش ، وتخشى القبيلةُ على أبنائها وحُرُماتها من الأعداء، تُصبح خَيْلُ القبيلة جماعاتٍ (عُصباً ثُبينا ).

     في هذا الموقف الحرج ، حيث تتكاثرُ الأخطارُ ، وتتوالى التحدياتُ ، وتَظْهر الخشيةُ على أبناءِ القبيلةِ وممتلكاتها من الأعداء ، تَبْرز أهميةُ الخيْلِ ، ويتَّضح دَوْرُها المركزي في حماية القبيلة وحُرماتها،حيث إِنها تُصبح جماعاتٍ، وتنتشر في كل الجهات من أجل مُواجهةِ الأعداء ، وحراسةِ وُجود القبيلة من المخاطر ، وتوفيرِ الحماية لأبناء القبيلة . وفي هذا إشارةٌ واضحة إلى شجاعة فُرسان القبيلة الذين يَمْتطون صهوات الخيلِ. فالخيلُ _ وَحْدَها _ لا تَقْدر على فِعْلِ أيِّ شيء .

     وبالإِضافة إلى أهمية الخيل ، تَبْرز أهميةُ الفَرَس باعتباره شَرَفَ العربيِّ ، ورفيقَ عُمره في الصحراء الشاسعة، وأَنيس وَحْشته في الليالي والأيام .

     يقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعـــــاً          كَجُلْمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ

     يَصِفُ الشاعرُ الفَرَسَ بصورة تفصيلية ، ويُسلِّط الضوءَ على خصائصه المتفرِّدة، وَيَصُبُّ عَلَيْه المديحَ صَبَّاً ، وبالتأكيد ، إِن مَدْحَ الفَرَس هو مدحٌ للفارس ، لأن الفَرَس من الفارس .

     هذا الفَرَسُ جَيِّد الكَرِّ ( الرُّجوع ) والفَرِّ ، فهو يَرْجع إِذا أُريد مِنه الرجوع ، وَيَفِرُّ إِذا أُريد مِنه الفَر . وتَراه مُقبِلاً إِذا أُريد منه ذلك، وتراه مُدبِراً إِذا أُريد مِنه ذلك . ثم تأتي كلمةُ الشاعر " مَعاً " لِتُعطيَ معنىً سِحرياً باهراً، وتُشيرَ إلى العلاقة التكاملية بين صفات الفَرس المتناقضة ، وتدلَّ على قوةِ التنسيق والسيطرة بين أعضائه ، وتُسَلِّطَ الضوءَ على قُرب الحركة في حالَتَي الإِقبال والإِدبار ، وحالَتَي الكَرِّ والفَرِّ . وَكُلُّ هذه التفاصيل تَرْسم صورةً أسطورية للفَرس ، وتَكْشف عن إِمكانياته الهائلة ، ومزاياه الفائقة .

     وبالطبع ، إِن صفات الكَر والفَر والإقبال والإدبال هي صفاتٌ متأصِّلة في الفَرَس، ومجتمعة في قُوَّته لا في فِعْله . فهذه الصفاتُ متضادة ومتناقضة ، ولا يمكن القيام بها في نَفْسِ الوقت . والمقْصودُ أن هذا الفَرس قادرٌ على لعب كافة الأدوار بسبب امتلاكه لكل الخصائص .

     وهذا الفَرَسُ الرائعُ قد جَمَع بين السرعةِ الفائقةِ والقوةِ البدنيةِ الهائلةِ ، فهو كَحَجرٍ عظيمٍ صَلْبٍ ( جُلْمود ) ألقاه السَّيلُ مِن مكانٍ عالٍ ( عَلِ ) إلى الأرض . ولا شَكَّ أن الحَجَر _ بِحُكْم تكوينه _ يطلب الجهةَ السُّفلى لأنها مَرْكزه ، وإِذا ساعدته قوةُ دَفْع السَّيْلِ وأَسْقَطَتْهُ من الأعلى ، فسوفَ تتضاعف سُرعته بشكل كبير.وهذا التعبيرُ الفنيُّ يُشير إلى الاقتران الواضح بين سُرعةِ الفَرس، وصَلابةِ بُنْيته.

     ويقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :

على الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كأنَّ اهتزامَهُ          إذا جاشَ فيه حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَلِ

     على الرَّغم مِن ذُبول ( ذَبْل ) خَلْقِ الفَرَس،وضُمورِ بَطْنه، إِلا أنهُ جَيَّاش( فائر ) يَفُور حماسةً ونشاطاً . كأن اهتزامَه ( شِدَّة صَوْته ) _ إِذا جَاشَ ( فَارَ ) فيه حَمْيُه   ( حرارته ) _ غَلْيُ مِرْجَل ( فَوَران قِدْر ).وهذه الصورةُ التفصيلية تدل على وصولِ الفَرَس إلى ذِرْوة نشاطه، وتحرُّرهِ من الجاذبية،واندماجِه مع عناصر الطبيعة بكل قُوة.

     إِنهُ فَرَسٌ جامحٌ ، دَخَلَ في عالَم الاحتراق ، وَوَصَلَ إلى نقطة اللاعودة . يشتعلُ تألقاً ونشاطاً ، ويمتاز بالبأس الشديد ، والعُنفوانِ الباهر . تغلي فيه حرارةُ نشاطه رغم ذُبول جِسْمه، وانكماشِ بَطْنه، وتَتأجج في كَيانه طاقةٌ رهيبةٌ ، وتَفور في أوصاله حماسةٌ لانهائية . لقد وَضَعَ هذا الفَرَسُ جِسْمَه في أقصى مَداه ، مُسلَّحاً بالنشاطِ والحيويةِ والقُدرةِ الفائقة ، حتى إِنَّ تكسُّر صهيله في صَدْره يَغْلي بصورة مذهلة ، ويَفور بكل غضبٍ ، وصوتُه الشديد ( صهيله المتفجر ) صار كغليان القِدْر .

     ويقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :

لهُ أَيْطَلا ظَبيٍ وَسَاقا نَعَامَــةٍ          وإرخاءُ سِرْحانٍ وتَقْريبُ تَتْفُلِ

     يُقدِّم الشاعرُ أربعة تشبيهات للفَرَس . له أَيْطَلا ( خاصرتا ) ظَبي ، وسَاقا نعامةٍ، وإِرخاءُ سِرْحان ( نَوْع مِن عَدْوِ الذئب ) ، وتقريبُ تَتْفُل . والتقريبُ هو وضع الرِّجْلين مَوْضع اليدين في العَدْو ، والتَّتْفل هو ولد الثعلب .

     إِن هذا الفَرَس المميَّز له خاصرتان مِثل خَاصِرَتَي الظبي في الضُّمورِ والانكماش، كما أنَّ ساقَيْه تُشبهان سَاقَي النَّعامة في الطُّول والانتصاب . وعَدْوُه يُشبِه إِرخاءَ الذئب ( السِّرْحان )، فهذا الفَرَسُ المتفوِّقُ يَعْدو بكل سهولة وقوة وثقة، بِلا تشنُّج، ولا حِدَّة ، تماماً كالذئب في حالة الإِرخاء . وأيضاً ، فإِن هذا الفَرَس عِندما يَعْدو بكل نشاطٍ وثقةٍ ، فإِنه يَضع رِجْلَيْه مَوْضع يَدَيْه كما يَفعل ولد الثعلب . وهذا يدل على حركة الفَرَس الرشيقة ، وسيطرته على أعضائه . ويتجلى _ بكل وضوح _ تناسقُ حركاته ، والعلاقة التكاملية بين وظائف أعضائه ، وثقته بنفْسه ، وقوته البدنية ، وتماسك أعصابه . وكأن هذه الأمور قد أَخْفَت الفرقَ بين رِجْلَيْه ويَدَيْه .

     ويقولُ الشاعرُ عنترة بن شَدَّاد :

وَحَشِيَّتي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوى          نَهْدٍ مَرَاكِلُه نَبيلِ المَحْــــزِمِ

     يَمْدحُ الشاعرُ نَفْسَه وفَرَسَه معاً ، وهذا يدل على الاقتران المصيري بين الفارس والفَرَس . وكلُّ مَدْحٍ للفارس هو _ بالضرورة _ مَدْحٌ لفَرَسه ، والعكس صحيح .

     يُخْبِرنا الشاعرُ عن حياته المليئة بالبطولات والأمجاد ، فهو يَقضي حياته على ظَهْرِ فَرَسه ، ويَخوض غَمارَ المعارك بكل شجاعة ، ويَقتحم الأهوال بكل ثقة .

     يقولُ : فِراشي ( حَشِيَّتي ) سَرْجٌ على فَرَسٍ عَبْلِ الشَّوى ( غليظ القوائم والأطراف )، نَهْدٍ مَراكله ( ضخم الجنبَيْن )، نبيلِ الْمَحْزِم ( سَمين مَوْضع الحِزام ).

     إِن الشاعرَ يَعيش على سَرْجِ الفَرس ، ويستمتع به ، كما يستمتع غَيْرُه بالفِراش الناعم الوثير ( الحشِيَّة ) . وهذا التلازم المصيري بين الشاعر وركوب الخيل ، يُشبِه التلازمَ بين الناس وأثاثِ بيوتهم . وفي هذا دلالةٌ على تميُّز الشاعرِ الفارسِ ، وتفوُّقه على الآخرين ، وأنهُ يَحْرص على البطولات واقتحامِ الصِّعاب ، كما يَحْرص الآخرون على الراحة والاستمتاع فوق الفُرُش الناعمة .

     وفي هذا السِّياق تَظْهر ثلاثة أوصاف مميَّزة للفَرَس ، وهذه الأوصافُ محمودةٌ في عالَم الفروسية العربي . الأوَّل_ عَبْل الشَّوى، أي إِنهُ يمتاز بغلظ القوائم ، وصلابة الأطراف. والثاني_ نَهْد مراكله، جَنْباه منتفخان وضخمان. والثالث_ نبيل المَحْزِم ، أي إِنَّ مَوْضع الحِزام في جِسمه سمينٌ وممتلئ باللحم ، مما يدل على اندماج الْحُسْن مع الغِلظة .

2_ السِّباع :

     السِّباعُ جزءٌ من البيئة الصحراوية العربية ، وتحتلُّ مَوْقعاً مهماً في العقل الجمعي العربي ، والثقافةِ الشعبية المحلية . وذِكْرُها متداخل مع تفاصيل الوعي الإنساني .

     يقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :

كأنَّ السِّباعَ فِيهِ غَرْقى عَشِيَّـةً          بأرجائِهِ القُصْوَى أَنابيشُ عُنْصُلِ

     جاءَ المطرُ إلى هذه البيئة القاسية، وغَرقت السِّباعُ في السَّيْلِ الذي صنعه المطرُ. وكأن السِّباعَ _حِين غَرقت في السَّيْلِ عَشِيَّاً _ أصولُ ( أنابيش ) العُنصلِ ( البصل البري ) .

     سَقَطَت السِّباعُ في السَّيْلِ، وتلطَّختْ بالوحل ( الطين والماء ) في النواحي الأبْعد ( أرجائه القُصوى ) . وقد حَدَثَ ذلك آخرَ النهار ( عَشِيَّةً ) .

     لقد كانَ المطرُ قوياً ، أغرقَ السِّباعَ في الوحل ، فامتزجتْ بالطين والماء ، وصارتْ تُشبِه أصولَ البصل البري لأنها متلطخة بالطين والتراب .

     ويقولُ الشاعرُ عنترة بن شَدَّاد :

فَتَرَكْتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَـهُ          يَقْضِمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ

     هنا تَظْهر شراسةُ الصراعات البشرية في المجتمع الصحراوي القَبَلي ، وتَظْهر كذلك وحشيةُ السِّباع ، ودَوْرها المركزي في البيئة القاسية .

     يُصَوِّرُ الشاعرُ نَفْسَه كَمُقاتِلٍ شجاعٍ قَتَلَ عَدُوَّه ، وتَرَكه فَريسةً سهلةً للسِّباع . لا مكانٌ هنا للمشاعر الإنسانية ، ولا وَقتٌ للكرامة البشرية . إِنهُ مجتمع الغاب ، حيث القويُّ يَقْتل الضعيفَ ، والبقاءُ للأقْوى .

     استطاعَ الشاعرُ قَتْلَ خَصْمه . لقد أَجْهَزَ عليه بكل ثقةٍ وعُنفٍ ، ولم يُكْرِمه بِدَفْنِ جُثته . وإِنما أهانه بعد موته ، فقد تَرَكَ جُثته طَعاماً للسِّباع، كما يَكون الْجَزَرُ ( الشاة المذبوحة ) طعاماً للناس. لقد تَنَاوَشَتْهُ ( تَنَاوَلَتْهُ ) السِّباعُ بكل جنون ، ورَاحت تَقْضم بَنانه الحَسَن ، ومِعْصَمَه الحَسَن. إِنها تأكل بِمُقَدَّمِ أسنانها( تَقْضم) أصابعه الجميلة ( بَنانه الْحَسَن )، وأيضاً ، تَقْضم مِعْصَمَه الجميل . والمِعْصَم هو مَوْضع السِّوار مِن اليد . لا مكان للرحمة في هذه البيئة القاحلة . إِنْ لم تكن قاتلاً ، فأنتَ مَقتول . هذا هو قانون الوحوش ، وشريعة الغاب . لقد قامَ هذا الشاعرُ المقاتِلُ بالقضاء على عَدُوِّه ، وجَعَله عُرْضةً للسِّباع حتى تَناوَلَتْهُ وأَكَلَتْهُ .

3_ الحِمار والذئب :

     الحِمارُ والذئبُ عُنصران أساسيان في البيئة العربية ، ويحتلان مساحةً واسعة في ذاكرة الثقافة العربية ، سواءٌ على المستوى الشَّعبي أَم النُّخبوي .

     يقولُ الشاعرُ امرؤ القَيْس :

وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ          بِهِ الذئبُ يَعْوي كالخَليعِ المُعَيَّلِ

     إِنها البيئة الصحراوية القاحلة . الفراغُ والوحشةُ يَضْربان أعصابَ المكان ، ويتسلَّلان في كافة التضاريس. وهذا الوادي _ الذي يُخبِرنا عنه الشاعر _ مُوحِشٌ كَجَوْفِ الحِمار ( العَيْر ) . إِنهُ وادٍ قَفْرٌ ( خَالٍ ) مُوحِشٌ متوحش، يَخْلو من آثارِ الحياة ، لا إِنسان فيه ولا نَبات ، ويُشْبِه بَطْنَ ( جَوْف ) الحِمار . وَليس في بَطْن الحِمار شيءٌ يُنْتَفَع به ، فهو مكان فارغ ، لا فائدة للناس والبهائم فيه . وهكذا ، صارَ بَطْنُ الحِمار رَمْزاً للعَدَمِ والفراغِ واللاجَدْوى .

     هذا الوادي الخالي مِن بَهْجة الحياة ، وحركةِ الكائنات الحية ، قد قَطَعَه الشاعرُ سَيْراً ، بينما كان الذئبُ يَعْوي كالخليع ( المقامِر ) المُعَيَّل ( كثير العِيال ) .

     الخطرُ يُحْدِقُ بالشاعر في هذا المكان المخيف . لقد قَطَعَ الوادي ، وصوتُ الذئب يَرُجُّ الفضاءَ . إِنهُ يَعْوي مِن شِدَّة الجوع . وكلما ازداد جُوعُه ازدادَ صَوْتُه تَوَحُّشاً ، كالمقامرِ الذي خَلَعَه أهلُه بسبب سُوء سُلوكه ، وكَثُرَ عِياله ، فَهُم يُطالبونه بالنَّفقة ، وهو يَصْرخ بهم ، ويتجادل معهم بكل حِدَّة ، لأنه لا يَجِدُ ما يُقَدِّمه لهم .

     وهذا الصُّورةُ تُشير إلى الانهيارِ الاجتماعي ، وتفكُّكِ الأُسرة . فالمقامرُ هو شَخَصٌ مَخْلوعٌ مِن أُسرته وبيئته بسبب سُوء أخلاقِ ، وانحرافه السُّلوكي ، ولا يُمكنه أن يَكون زَوْجاً محترماً ، أو أباً صالحاً . فهو يُبذِّر أمواله على شهواته ونزواته، ويَحْرم أُسرته مِن كُل الموارد . وهذا يؤدي إلى تدمير الأُسرة ، وانحرافِ أَفرادها .

4_ الإِبل والناقة :

     الإِبِلُ هي سُفنُ الصحراء ، ووسيلةُ النَّقل الأساسية في عالَم الرمال الموحِش ، ورفيقةُ العربيِّ في حياته وأسفاره ، ولا يمكن الاستغناء عنها في مجتمع الصحراء .

     يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

كأنَّ حُدُوجَ المالِكِيَّةِ غُــدْوَةً         خَلايا سَفينٍ بالنَّواصِفِ مِن دَدِ

     لا بُدَّ مِن الرَّحيل المؤلم. وقد قَرَّرت العشيقةُ السَّفرَ ، وهذا القرار لا رَجْعة فيه . والشاعرُ يَتأمَّل في قافلة العشيقة الراحلة .

     كأنَّ مَراكبَ ( حُدُوج ) العشيقة المالكية _ غُدْوة فِراقها بنواحي (نواصف) وادي دَد_ سُفُنٌ عظيمةٌ ( خلايا سَفين ). والمالكيةُ منسوبة إلى بني مالك قبيلة مِن كَلْب .

     إِنها قافلةُ الرَّحيل . مَراكبُ العشيقةِ تَحْرق الذكرياتِ ، وتدل على الأحزان العميقة . لا صَوْتَ يَعْلو على صوت السَّفر. هذه الإِبلُ الحاملةُ للهوادج في الصَّباح بأنحاء الوادي المسمَّى ( دَد ) كأنها سُفُنٌ عَظيمة تَمْخر عُبابَ الماء .

     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

أَمُونٍ كألواحِ الإرانِ نَصَأتُها          على لاحِبٍ كأنهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ

     يُبْحِرُ الشاعرُ في أوصافِ ناقته المميَّزة ، ويتغنَّى بصفاتها المتفرِّدة . فهي أَمُون يُؤْمَن تعثُّرها . تمشي بكل قوةٍ وثقةٍ ، لا تتعثَّر في مَشْيها ، ولا تَرتبك . فهي تَعْرف هَدَفَها بدقة ، وتَسير إليه واثقةً . وهي ذات بُنية جِسمية قوية ومتماسكة ، وعِظامُها كألواح التابوت ( الإِران ) . وقد نَصَأها الشاعرُ ( زَجَرَها ) على طريقٍ واضحٍ     ( لاحب ) كأنه كِساء مُخطَّط ( بُرْجُد ) .

     يُخبرنا الشاعرُ عن مغامرته الفريدة مع ناقته الحبيبة ، فيقول : هذه الناقة مأمونة ذات خُلُق رفيع، لا خَوْف مِنها ولا يُخْشَى عليها،ويُؤْمَن تعثُّرها في سَيْرها وعَدْوها. وهي ناقةٌ ضخمة ، عِظامها عريضةٌ كألواح التابوت ، وقد ضَرَبْتُها بالعصا لكي أَسُوقها على طريقٍ ظاهرٍ بَيِّنٍ كأنه كِساء مُخطَّط لِمَا فيه من الخطوط العجيبة .

     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

لها فَخِذانِ أُكْمِلَ النَّحْضُ فِيهما          كأنهما بَابَا مُنيفٍ مُمَــــرَّدِ

     هَذه الناقةُ رائعةٌ ذات بُنيةٍ جِسْمية عظيمة. لها فَخِذان أُكْمِلَ اللحمُ ( النَّحْض ) فيهما ، كأنهما بَابَا قصرٍ عالٍ ( مُنيف ) مُمَلَّس ( مُمَرَّد ) . وهذا يدل على ضخامة هذه الناقة ، وقُوتها الهائلة .

     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

وأَتْلَعُ نَهَّاضٌ صَعَّدَتْ بِــهِ         كسُكَّانِ بُوصِيٍّ بدِجلَةَ مُصْعِدِ

     هَذه الناقةُ الضخمةُ المميَّزةُ طويلةُ العُنق ( أَتْلع ) . عُنُقُها طويلٌ سريعُ النُّهوض ( نهَّاض ). وإِذا رَفَعَتْ عُنُقَها ( صَعَّدَت بِهِ ) أَشْبَهَ ذَنَبَ ( سُكَّان ) سفينةٍ ( بُوصيٍّ ) في دِجْلَة تَصْعَد .

     وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إِلى حجم الناقة الهائل ، إِذ إِنَّ عُنُقَها مرتفعٌ بشكل واضح ، ومُنْتَصِبٌ بكل قوة وحيوية ، يخترقُ ذراتِ الفضاء بكل ثقة . وهذا العُنُقُ المذْهِلُ مِثْل ذَنَبِ السفينة عِندما تجري على الماء ، وتقتحم الأمواج بكل عُنف .

     ويقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد :

وَصَادِقتا سَمْعِ التَّوجُّسِ للسُّرى          لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أوْ لِصَـوْتٍ مُنَدِّدِ

     تمتاز هذه الناقةُ المتفرِّدةُ بقوة السَّمْع . له أُذنان عَظيمتان صَادقتا الاستماع     ( التَّوجُّس ) في حالة السَّيْر لَيْلاً ( السُّرى ) . وهاتان الأُذنان تلتقطان الأصوات في عَتمة الليل، ولا صَوْتَ يَهْرب مِنهما . وهذه الناقةُ لا يَخفَى عليها السِّر ( الهجس )  الخفي ، ولا الصوت الرفيع ( الْمُنَدِّد ) . إِنها تمتلك حَاسَّةَ سَمْعٍ مُميَّزة قادرة على التقاط كل الأصوات _ بِغَضِّ النظر عن درجتها _ ، مما يُشير إلى أنها في أفضل حالاتها البدنية والنَّفسية .

     ويقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

أَدْعو بِهِنَّ لعاقِرٍ أوْ مُطْفِـلٍ          بُذِلَتْ لجيران الجميعِ لِحامُها

     يُريد الشاعرُ إِجراءَ قُرعةٍ لذبح الناقة، لذلك يَدْعو بالقِداح لنحرِ ناقةٍ عاقرٍ (لا تَلِدُ) أو مُطْفِل ( ذَات وَلَدٍ )، تُبْذَل لحومها ( لِحامها ) لجميع الجيران .

     يَحْرصُ الشاعرُ على إطعام جميع الجيران من لُحوم الناقة ، وهو متردِّد بين ذبح ناقة عاقر وذبح ناقة مُطْفِل. فالعاقرُ ممتلئة باللحم والشَّحم ، وهي أَسْمَن من المطْفِل. وهذا أمرٌ طبيعي ، فالعاقرُ لا تنشغل بولدها ، وإِنما هي مشغولةٌ بنفْسها ، ولا تعتني بِغَيْرها. أمَّا المطْفِل فهي مشغولة بولدها ، وتَقضي وَقْتَها في الاعتناء به ، ومَعَ هذا ، فالمطْفِل أَنْفس ، وأغْلى ثمناً ، لأنها زَادت عدد البُعران ( جَمْع بَعير ) .

5_ البقر والظباء :

     لقد بَرَزَ ذِكْرُ البقرِ والظباءِ في الأُفق الشِّعري ، وظَهَرَت العلاقاتُ المتشابكة التي تَجْمع بين الحيوان والبيئة. وبالطبع، إِنَّ هذه العلاقات مليئة بالمشاعر والمَشَاهِد.

     يقولُ الشاعرُ زُهير بن أبي سُلمى :

بها العِينُ والآرامُ يَمشينَ خِلْفَةً          وأطلاؤها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ

     بهذه الدَّارِ بَقَرٌ واسعات العيون ( العِين ) ، وِظباء بِيض ( آرام ) يَمْشِين خِلْفَةً ، يَخْلف بعضُها بَعْضاً ، تذهب هذه وتجيء هذه ، وإذا مضى قطيعٌ مِنها جاءَ قطيعٌ . وأولادُ الظَّبية ( أطلاؤها ) يَنْهَضْنَ مِن مَرابضها ( مِن كُلِّ مَجْثَم ) لكي تُرضِعها أُمهاتها .

     ويقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

والعِينُ سَاكنةٌ على أطلائها          عُوذاً تَأَجَّلُ بالفَضاء بِهامُها

     البَقرُ الواسعاتُ العُيون ( العِين ) قد سَكَنَتْ ، وتَفَرَّغت لأولادها ، تعتني بها وتُرضعها لأنها حَديثات النتاج ( عُوذ ) . وأولادُها صَارَت قَطيعاً ( تَأَجَّل ) في الصحراء ( الفضاء ) . والبِهامُ أولادُ الضَأْن إذا انفردتْ .

     لقد رَحَلَ الإِنسانُ عن هذا المكان، وصار مستقراً للوحوش، لا أثرَ فيه للإِنس . فالحيواناتُ وَحْدَها هي التي تُسيطر عليه ، وتمارس أنشطتها الحيوية فيه .

     ويقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

زُجَلاً كأنَّ نِعاجَ تُوضِحَ فَوْقَها          وَظِباءَ وَجْرَةَ عُطَّفاً آرامُهـا

     مَشْهَدُ الرَّحيلِ يُسيطر على ذِهن الشاعر، ويَنتزع مِن قلبه الحنينَ . لقد تحمَّلوا جماعاتٍ ( زُجَلاً ) كأن النِّعاجَ ( إِناث البقر ) فوق الإِبل المسافرة . شَبَّهَ عُيونَ النساء بِعُيون البَقر الواسعة . وأيضاً شَبَّهَ النساءَ بالظِّباء التي تَعْطف على أولادها ، وتراقبهم بِعُيونها من أجل حمايتهم ورعاية شؤونهم . والظِّباءُ في هذه الحالة تَكون عيونُها أَجْمل ما يمكن، لأن فيها الحبَّ الصادقَ،والعَطْفَ الحقيقي، والحنينَ الجارفَ.

     لقد شَبَّهَ الشاعرُ النساءَ ببقرِ تُوضِح وَظِباءِ وَجْرة في كُحل أعْينها . و" تُوضِح " وَ" وَجْرة " مَوْضعان . إِنهُ الحُسنُ الفائقُ ، والجَمالُ المذهِلُ ، اللذان سَيْطرا على قلب الشاعر ، وتحكَّما ببوصلة مشاعره وأحلامه .

6_ الظِّباء والنَّعام :

     يَظْهر الاقترانُ بين الظِّباء والنَّعام ، وتَظْهر الطبيعة في أبهى صُورها . وكلُّ هذا الجَمال الطبيعي يَبْعث الراحةَ في النَّفْس البشرية .

     يقولُ الشاعرُ لَبيد بن أبي ربيعة :

فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقانِ وأَطْفَلَتْ          بِالجهْلَتَينِ ظِباؤها ونَعامُهــا

     لقد عَلَتْ فُروعُ الجرجيرِ البَرِّي ( الأيهقان ) وأَطْفَلَت الظِّباءُ والنَّعامُ . صارت ذوات أطفال بجانبي الوادي ( بالجهلتَين ) .

     أَخْصَبَت الدِّيارُ ، وانتعشَ المكانُ ، وعَمَّ الرخاءُ والازدهار في الأرجاء . دَبَّت الحياةُ في الأعشاب . وعَظُمَت فُروعُ الجرجير ، وانطلقتْ في الهواء بكل ثقة . وتكاثرت الحيواناتُ . صارت الظِّباءُ ذوات أطفال وباضت النَّعامُ بجانبي وادي هذه الديار 
كاتب من الأردن

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا