-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

مونودراما "عرق نعنع".. حين سجن الأسرى الفلسطينيون سجانيهم تحسين يقين


 نجحت مونودراما "عرق نعنع" الفلسطينية (تأليف وتمثيل حسام أبو عيشة، وإخراج جورجينا عصفور، ومساعدة إخراج شادن سليم، وتصميم وتنفيذ إضاءة رمزي الشيخ قاسم) في تقديم الأسرى كأشخاص يلعبون ويضحكون بل ويمثلون مسرحيات، في الوقت الذي يبدعون فيه فصولًا من النضال الوطني داخل الأسر. كما أثارت عدة أسئلة، أكانت عن البطولة، أو معنى عيش عدد كبير من الأسرى في حيّز محدد، أراده المحتل سجنًا للروح، ومجالًا للنفور؛ فاكتسبت البطولة معنى إنسانيًا عميقًا، وهو تمسكهم بطبيعتهم البشرية، بعيدًا عن الصور النمطية.

هل كان الفتى المعتقل يعرف أن ما يعيشه في المعتقل سيكون مادة درامية بعد 4 عقود، يمثل فيها الستيني حسام أبو عيشة الفنان المعروف، دور ذلك الفتى في ذلك السجن! فصل قاس، لكن ترك أثر الحنان والحب على شخصية المعتقلين، ومنهم في الثمانينيات حسام الشاب المقدسي في أول العشرينيات من عمره، عاشق الفن من الطفولة، الفتى الموهوب الذي كان يشيع الحيوية في المعتقل.

من العادي أن يتم اعتقال الناس لأسباب متنوعة، وفقًا لمنطق السجان، لكن من غير العادي أن تجنّ سادية هذا السجان، وصولًا إلى أبشع أنواع السلوك، لا بين البشر، ولكن تجاه النبات والحيوان. كان "طلق النعنع" على موعد مع السحق ببسطار ضابط الاحتلال، كما كانت القطة (ميسون كما منحها المعتقلون هذا الاسم) على موعد آخر من القتل؛ بسبب تهريبها معلومات بين غرف المعتقلين، من خلال صب الباطون عليها، حيث لن يعود له أية مسامات ليتحرك فيها ضمن فضاء الباطون، لا هواء أبدًا.

أما جريمة "طلق النعنع"، فلأنه أحدث حياة داخل المعتقل الأسود والرمادي، لا لون هنا إلا لون السجان الواحد، فكيف سوّلت لطلق النعنع نفسه أن ينمو هنا لينير بالأخضر، ولا ينير فقط، بل وأن يأتي برائحة النعنع وطعمه من جبال القدس، فيمنح السرور للمعتقلين، فيتحرروا ولو قليلًا من سجن الألوان والروائح والطعوم!

فيما كانت جريمة القط، تنقله بين المعتقلين ناقلًا رسائلهم، فكان ملمس القط وصوت موائه النادر هنا، منسجمًا بنعومته مع ملمس الرسالة، فكيف سوّلت للقط نفسه بأن يتعاون مع "الإرهابيين"، عليه أن يدفع الثمن حتى لو كان قطًا!

كيف نرتب الحواس الخمس!

في الميثولوجيا تقدم السمع على البصر والفؤاد، بينما تم ترتيبها علميًا على النحو التالي: البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، لكن هنا، في هذا المكان لن يكتفي السجان بسجن الجسد، ومنعه من الحركة، بل تفنن بسجن الحواس جميعها؛ فلا لون ولا سمع ولا طعم، ولا شم إلا ما هو قبيح، ولا ملمس إلا الخشونة من كل شيء.

وهنا (هل كان السجان ذا ثقافة شكسبيرية) فإن أسوأ ما في المعتقلين، كبشر، سيظهر في هذا الحيّز الضيق، الذي سيخلق التنافس والتدافع، بسبب الاحتكاك. سيعاني المعتقلون طويلًا، وسيكرهون أنفسهم؛ إذ كيف ستكون نفسياتهم وسط هذا القبح!

لكن طلاب الحرية جعلوا من المكان فضاء آخر، ليس تكيّفًا، بل محبة، وإرادة تحتفظ لنفسها، لتكسر إرادة السجان.

انتقلت قضية الأسرى الى عالم الأدب والفن، من خلال توسيع الفضاء حتى وإن كان حديديًا أو اسمنتًا مسلحًا، حيث يتسع المكان، فلا يصير فضًاء واسعًا، لكنه لن يستطيع تقزيم أحلام البشر: هنا في السجن، أو رمزيًا في الوطن المحاصر.

من هنا، تصبح رمزية الابن الذي تبدأ ولادته نفسيًا في المعتقل، من خلال حب جمع الأب والأم، ذلك الحب الذي انتصر على الجلاد؛ فما هذا المصور (الابن بيسان)، الذي يعد لمعرض فني للتصوير الفوتوغرافي إلا ذلك الحب الذي جمع أباه وأمه (لطيفة) قبل الاعتقال، حيث تنتظر الفتاة خطيبها ليتزوجا بعد تحرره من المعتقل. لقد كان الابن، هو الكلمات الصغيرة جدًا، التي كان يخطها حسام أبو عيشة، المعتقل- والممثل لروايته الآن؛ فقد كانت سلطات السجون، لا تسمح إلا بورقة صغيرة لتكون رسالة المعتقل لأهله، بشرط عسكري، بأن يأتي الرد على ذات الورقة، من الجهة الأخرى التي يتركها المعتقل بيضاء ونفسه أن يملأها بأشواقه؛ فما كان من المعتقلين، وذويهم، إلا توسيع فضاء الورقة، عن طريق الكتابة السحرية، بأقل حجم للحروف!

كانت الرسائل من حسام ولطيفة خطيبته وأهله، وهي غريبة الشكل، كتب المعتقل جملًا كثيرة، في مساحات ضيقة من الأسطر؛ حيث حسام خلف القضبان، في فضاء السجن الضيق، والمحكوم بصفحة واحدة من القطع الصغير، بكتابة الكلمات بأصغر حروف ممكنة، مستغلًا مساحات السطر الذي كتب فيه بشكل غريب، وليس بالشكل العادي. وقد فعل ذلك إبداعيًا على مستوى الشكل لأن خلف الورقة ترك فارغًا لكتابة الرد، لضمان مراقبة إدارة السجون الإسرائيلية لكل الرسائل رواحًا وإيابًا.

التحدي الذي كان أمام الأسير العشريني خلف القضبان كتابة أكبر نص للتعبير عن أكبر حالة شوق، للحبيبة. كانت لغة الخطاب مختلفة؛ مغرقة بالجمالية. يبدو أن الأسير يتحول الى شاعر هنا. وهذا ما يفسّر النزعة الأدبية للرسائل التي يقرأ منها الفنان حسام أبو عيشة على خشبة المسرح.

لكن دومًا كان يجد الأسرى طرقًا للتواصل، داخل المعتقل لتنظيم مطالبهم النضالية داخله، مثال ذلك كرة اليد (الطابة) التي صنعها المعتقلون من القماش، لاستخدامها في نقل مطالب الأسرى لرفاقهم. لذلك ترى الأسير جدة يصفها بأنها "من لحم ودم"، بسبب ما قدمه الأسرى مقابل تحسن ظروف الاعتقال. لقد كان الأسرى دومًا يبتكرون طرقًا للتواصل والعيش رغم قيود السجان.

لم يولد ابن حسام وحده رمزيًا من ضيق هذا المعتقل، فمنذ سنوات الاحتلال عام 1948، لمعظم فلسطين، و1967 لما تبقى، والأجيال الفلسطينية تولد في الوطن- المعتقل.

الرؤية الإخراجية

اختارت المخرجة جورجينا عصفور أن تبدأ بمشهد عجلة الأب في التحضير لمعرض ابنه الفني، مخاطبًا زوجته، فيختار الذهاب مبكرًا، ليضمن أسباب النجاح، وخلال حديثه (المتخيل) معهما، يكتشف حزمة أوراق، ما إن يفتحها الأب، حتى تعود به الأيام الى المعتقل، ليتم استعادة الأفكار والمشاعر، ليظهر لنا المعتقل على خشبة المسرح، لتبدأ المسرحية برسائل المعتقل القديمة، وبالتالي أحداث المسرحية.

وهنا تظهر رحلة الاعتقال والتحقيق في سجن المسكوبية، ونقله الى سجن بير السبع الصحراوي، ليجد نفسه من صغار الفتيان في السجن- المدرسة، ليقضي 3 سنوات، يكون فيها قد "علّم" على السجان، ليصير مسجونًا في عقده هو والمؤسسة العسكرية، حتى كاد يضيق بطلق نعنع ينمو دون زراعة من أحد، وقطة ينجح في "تنظيمها" أسرى الحرية.

وهنا تستحضر المونودراما شخوص الأسرى، بالأسماء التي تظهر كم هي ذاكرة المعتقل- الفنان حسام أبو عيشة حاضرة ومتقدة. تصير خشبة المسرح مسرحًا حقيقيًا بنته المسرحية، حتى لكأننا في أحد مشاهد اللعب بالكرة، نخشى أن يصطدم الأسرى أمامنا وهم يتحركون وراء بعضهم بعضًا.

أرانا حسام أبو عيشة في رشاقته بشرًا كثيرين هنا، وأسمعنا حواراتهم، وتعدد لهجاتهم الفلسطينية، وثقافاتهم، كما سمعنا منهم، لا منه، قصص اعتقالهم، من خلال إبداع تقليد الشخصيات المذهل لديه، بما في الشخصيات من أبعاد متنوعة.

لقد رأينا فعلًا كيف ضاق أحدهم بدوره في المسرحية التي كان يديرها الفتى حسام؛ لأن الدور قصير، كما رأينا التهكم والسخرية المحببة من بعضهم بعضًا. والحق أن إدماج المسرحية لمسرحية داخل المعتقل، يعني لنا ثقافة كاتب النص، لما يشكل ذلك من تيمة مسرحية/ منذ مسرحية "هاملت".

في الوقت الذي صوّر فيه الفنان بؤس المعتقل وظروفه المزرية، على مستوى الحواس، إلا أنه استطاع أن يرينا، كيف تمسك المعتقلون بعاديتهم، حيث بالرغم من بطولاتهم وتصديهم للاحتلال وسجونه، إلا أنهم هنا، فيما بينهم، تعاملوا مع بعضهم بعضًا، بما فيهم من عادات وثقافات، والتي منها بالطبع قد أثار الكوميديا، والتي بالطبع خففت من سوداوية المعتقلات.

في كل مشهد، كان يلقي الأب أوراقًا، كأنه يروي من خلالها عن تلك الأيام، فما يأتي المشهد الأخير إلا وقد امتلأت خشبة المسرح بالورق، في الوقت الذي تكون المسرحية قد ملأتنا تأملًا لحال الأسرى ولحالنا، نحن المحاصرين هنا.

إنها ليس الا رسائل الأسرى!

كان عنصر التمثيل حاضرًا بقوة، حمل مسرحية الممثل الواحد، التي تشكل تحديًا لكبار الفنانين، وكان رافعة أخرى لرافعة النص الإبداعي، حيث قدّم الفنان أبو عيشة ألوانًا من الأداء الصوتي والإشارات، ورشاقة الأداء في الدخول في كل شخصية والخروج منها خلال ثانية.

لربما اختارت المخرجة فضاء المكان نفسه بدون مؤثرات صوتية سوى مقطع من أغنية بيسان لفيروز، والتي تم تسمية الابن في المعتقل قبل أن يولد، تأثرًا بسمع حسام لأغاني فيروز التي كان يسمعها في السجن من خلال الراديوهات المهربة إلى داخل المعتقل. وقد خدمت الاضاءة العرض بشكل لافت، فيما كان الديكور بسيطًا لاءم فقر المعتقلات، حيث البرش، وعبوة يستخدمها كرسيًا.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا