"محمد مفتاح، مدارج التتويج"المركز الدولي لدراسات الفرجة
كلمة تقديم الإصدار الحديث لمحمد بهجاجي
عتبة
انطلقت فكرة هذا الكتاب، في الأصل، من رغبة في إنجاز
متن سردي يحتفي بالفنان محمد مفتاح، عبر استعادة اللحظات الأساسية في سيرته الذاتية
والفنية، بلسانه وذاكرته، وبقايا الصور التي تحفل بها هذه السيرة، بدءا من تاريخ الميلاد
والنشأة المضرج بدم استشهاد الأم في لحظة العنفوان الوطني، إلى الامتداد. وبالفعل،
فقد أنجزنا القسم الأول (من سنة 1947 إلى سنة 2002) من هذه السيرة، ونشرناه عبر حلقات،
على صفحات الصحيفة المغربية "الاتحاد الاشتراكي"، خلال صيف سنة 2003. ثم
تطور المشروع ليشمل قسما ثانيا ينشر هنا لأول مرة، ويغطي المسافة الممتدة من سنة
2004 إلى 2014، وذلك على ضوء مبادرة التكريم التي خصها المركز الدولي لدراسات الفرجة
لمحمد مفتاح، احتفاء بتجربته العميقة في مجالات المسرح والتلفزيون والسينما، مغربيا
وعربيا ودوليا. وباستعراض هذه السيرة المفتوحة يبرز واضحا أن فكرة التكريم لا تتجه
فقط نحو شخص المحتفى به، ولكنها تتجه، بشكل مواز، لتكريم كل المنعطفات الفنية التي
عبرها هذا الفنان، سواء ما تعلق منها بتجربته المسرحية، انطلاقا من مسرح الهواة وفرقة
الطيب الصديقي، وصولا إلى فرقة المعمورة، مسرح التگادة، مسرح التجربة، مسرح البدوي،
ومسرح الثمانين... أو ما تعلق بتجربته في العمل التلفزيوني، والتي تأسست في الفضاء
المغربي أولا، لتشهد تواصلها المشع في الدراما السورية، والعربية بشكل عام. إضافة إلى
البعد الثالث في مساراته، المتعلق باشتغاله في الحقل السينمائي الوطني والدولي، سواء
كممثل، أو كمخرج لثلاثة أفلام قصيرة. وهناك إسهامه الأساسي في المجال الغنائي، حيث
كان من مؤسسي انطلاقة المجموعات الغنائية التي ظهرت في بداية سبعينيات القرن الماضي
(ناس الغيوان، جيل جيلالة والتگادة).
إن امتداد تجربة محمد مفتاح وتعدد أبعادها يجعلان
الكتاب مدخلا، لا فقط لقراءة جوانب من سيرة محمد مفتاح، ولكن أيضا لاستطلاع جوانب من
الحياة الفنية المغربية. ويجعلانه كذلك نافذة مشرعة على طموحات فنان عصامي أرسى خطوه
الأول ب "كريان الكريمات" بالحي المحمدي بالدار البيضاء. ومن هناك راح يبحث
عن الشمس والظل والضوء إلى أن تمكن من الانتصار على هشاشته الأولى، ويصبح، اليوم، قيمة
فنية وطنية، اعتمادا على جهد دؤوب ومثابرة، وعلى وفاء حقيقي للمهنة ولجمهوره أساسا.
بهذا المعنى، يصبح الكتاب كذلك "سيرة تعلم"
بامتياز، وصيغة أخرى للاحتفاء بالإبداع المغربي، من خلال أحد رموزه التي تجعلنا نفتخر
بانتمائنا إلى المغرب، كأفق مفتوح دائما على التميز والإبداع.