-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

الكتلة التاريخية في الحكومة :سيناريوهات البعث والسقوط : محمد بودويك

يتوقع أن تُسَخِّنَ الأحزاب الوطنية التاريخية التقليدية، كتف عبد الإله بنكيران، أي كتف حزب العدالة والتنمية الذي تصدر الاقتراع الأكتوبري، واعتلى الصندوق الذي
أعلاه ورفعه بما ينوف عن مليون وثمانمئة ألف صوت "تكرم" بها المواطنون والمواطنات الناخبون. يتوقع ذلك، ما لم تحدث إفاقة نضالية مُتَجَذّرة طارئة، ويقظة مبادئية مفاجئة، أي ما لم يفكر ويقدر، مليا وَبِتَرَوٍّ وتُؤَدَة، كل من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي في عدم الانصياع إلى الدعوة، ودخول الحكومة من أبوابها لأسباب ودواعٍ ما فتيء الحزبان يُذَكِّران بها، ويلُوكَانها في كل جلسة وندوة ومحفل وناد. أما الأسباب فهي أن التعاون السياسي مع حزب العدالة والتنمية محال لأنه "إخواني" أو وكيل الإخوان المسلمين، وذو صلة ب "الدواعش"، والعهدة على  أمين عام حزب الاستقلال، وماضوي رجعي مغرق في الشعبوبية والظلامية والإجهاز على ما تحقق من مكتسبات، في عُرف ولغة الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي.
والمنطق يقول إن هذا الكلام ينبغي أن يكون مسؤولا، ومفكرا فيه بما يكفي لأنه ينطلق من تاريخية الحزبين، وأفكارهما، ومبادئهما، ومرجعياتهما، على الأقل فيما يخص مذهبيه وإيديولوجية ومرجعية حزب "القوات الشعبية".
إذْ لم يفتأ أطر ومناضلو الحزب الأخير من الصدع – دُونَما مُوَاربة – بأن دم عمر بنجلون بين الحزب وبين حزب العدالة والتنمية المنحدر - كما نعرف - من الجمعية الإسلامية، ومن معطف عبد الكريم الخطيب، أي من حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية "العتيدة . لااعتراض لي على دعم بنكيران حكوميا بشرط التحلل المبدئي، وعلى رؤوس الأشهاد، من التاريخ الوطني النضالي للحزبين واللذين سلخا عمرا، ضد الوجود الكولوينالي الفرنسي والإسباني، ثم انفرد الاتحاد الاشتراكي بمنازلة السياسة اللاشعبية والاستبدادية للدولة المغربية عقب الاستقلال المنقوص، بمعية اليسار الجذري المتمثل أساسا في فَصيليْ : "إلى الأمام"، و"23 مارس". عرفت المنازلة والمجابهة أنماطا وأشكالا نضالية وصولا إلى "البلانكية" الانتحارية، ما نتج عنه الزج بكوكبة من أبنائنا وبناتنا في السجون والمعتقلات، ودفعهم إلى المنافي والجوع والموت.  
والتحلل – ثانيا- من الأفكار النيرة، والمباديء الإنسانية الكونية التي قام عليها وجود الاتحاد الاشتراكي، واليسار الذي انبثق منه، وخرج من جُبّتَه عندما حاد –بهذا القدر أو ذاك- عن الجادة، و انحرف عن الهدف، و طاشت أفكاره يمنة ويسرة، وآثر الاصطفاف إلى جانب الاستغلاليين والانتهازيين، والمتواطئين، متنكرا لأطواره التاريخية المجيدة، وانحيازه الواضح والدامغ والملموس إلى الشعب، إلى "المعذبين في الأرض"، وفق توصيف "فرانْزْ فانون".
لا اعتراض لي على مشاركة أحزاب الكتلة الديمقراطية، حزبَ العدالة و التنمية، تدبير الشأن العام السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي الذي يعاني من ترنح ومراوحة، وتراجع، وإفلاس، وأخطار تنذر بالإندلاع والانفجار، شريطة تطبيق برامجها المشتقة من مشاريعها الاجتماعية، وهي تختار حقائبها. ما يعني وجوب ربط الاشتراطات في الدخول والمشاركة، بأجرأة البرامج التي دخل بها كل حزب الاستحقاق الانتخابي. فاختيار التعليم، مثلا، من لدن الكتلة، يتعين المراهنة على إنقاذه مما هو فيه، وانتشاله من الإفلاس عبر خطاطة استراتيجية تراعي المَطَبَّ، وتعمل على توفير المال والرجال، وتحيين وتطويب المناهج والبرامج التي تماشي العصر، ومجتمع المعرفة، والتكنولوجيا. وقسْ هذا على قطاع الصحة العمومية، والشغل، والسكن، والتوظيف، وتقليص نسبة البطالة، والمديونية الخارجية، ومحاربة الأمية المستشرية في القرى والبوادي، وبين الأطفال والنساء والرجال. كل حقيبة ببرنامج حزبي مدقق وموثق، ومرفوق بالأرقام والمعطيات القابلة للأجرأة والتطبيق في المدى المنظور والمتوسط. ألم يَدَّعِ كل حزب بأن في جعبته مئات التدابير لإدخال البلاد في "نادي العشرين" الأكثر تطورا واقتصادا؟.
بغير هذا، سَنُفَوِّت على البلاد موعدا آخر، لن تشفع في معالجته لا الأحزاب الإدارية، التي ائتلفت مع بنكيران، ولا أحزاب الكتلة الديمقراطية إن ارتأت الدخول إلى الحكومة. ولا عبرة بكلام يقال ويردد من أن الكتلة التاريخية هي المنقذ من "الضلال" ومن "التيه"، ومن "الحزب التحكمي"، لا عبرة في ذلك ما لم تتحرك الآلة الديمقراطية، ويتحرر رئيس الحكومة من وهم "الحزب التحكمي"، ويبادر في الطبعة الثانية التي أتيحت لكتابه الحكومي، إلى إعمال وتفعيل صلاحياته التي أقرها الدستور، وتقوم "الكتلة التاريخية" المشكلة من حزب إسلامولوجي، وأحزاب يمينية و"يسارية" فيما قال به غرامْشي، وَأَقْلَمَهُ المفكر محمد عابد الجابري، بتفعيل خطابها، و"العراك" دون برامجها "الانقاذية" لقطاعات منكمشة ومفلسة، علما أننا ندرك استحالة ذلك، ونَعِي تنافر الرؤى والأفكار، والتقديرات، وحضور الإيديولوجيا في كل خطو، ومخطط، وبرنامج، وتصور واستهداف. وإذا كنت ذهبت إلى رهان الكتلة التاريخية، فلأن الدروب مقفلة أمامي، والفرضيات مفتوحة على مصراعيها، والحسابات الشخصية، والظرفية والفئوية قد تكون الفيصل فيما يسطر ويقدر. ثم إن الكتلة التاريخية في مثل أوضاعنا السياسية المعوقة، لا تؤتي ثمارها، ولا يستسيغُها حال ومآل البلاد. والمَخْرج في نظري يكمن في "انتظار" الشروط الذاتية والموضوعية لتنضج أكثر، وهو ما يفيد الاستمرار في التموقع السياسي، والفكري المخالف لليمين الإسلاموي، وليبراليته المتوحشة، والتصدي العقلاني المبني على قراءة عميقة للواقع والإنسان المغربي، وتحولاتهما، وقراءة عميقة للنظام، ومؤسساته، وقابليته في إفساح المجال من عدمه للفكر الديمقراطي لِيَسْتَتِبَّ، ويتكرس، ويتحقق عيانيا وملموسيا في فصل السلط، وتقليص الفوارق الطبقية، وزرع الثقة في المواطنين، بين المواطنين، والنهوض الحاسم والقطعي بالتعليم العام. ففي جعبة النظام، والقائمين على أمورنا، وأصحاب القرار، ما يخرج التعليم من عنق الزجاجة، ويمنحه روحا جديدة وثَّابة. وفي مُكْنَةِ أصحاب الحل  والعقد، العمل على إشاعة ونشر الرعاية الصحية لعموم المواطنين، وعصرنة الإدارة في كل مستوياتها، وعلى صعيد كل أمكنة تواجدها، وهي الإدارة التي تعاني من تَرَهُّل وتفسخ ورشوة، وإهمال ومَوَات.
لكن، لن يتم ذلك إلا بتغيير ما بأنفسنا، أي بإدراك أن الوقت يمر سريعا، وأن بلادنا متخلفة علميا، وتعليميا، وصحيا، وديمقراطيا، وعدالة اجتماعية، وأن الإبدال والبديل يكمن في تعبئة جهودنا وأفكارنا، وثرواتنا، وتشكيل جبهة تقدمية متنورة مستنيرة قِوامها يَسَارٌ مُتكتل ومتماسك، والذي أبان فصيل منه "فيدرالية اليسار الديمقراطي"، عن صدقية ونجاعة، وقوة تواصلية لغوية وثقافية، وحجية في الإقناع، والنقاش، والحوار مع الشباب، والنساء، والفئات المغبونة في المدن والقرى والمداشر، وقِوامُها جبهة عريضة من المثقفين الديمقراطيين، والمفكرين العقلانيين، والحقوقيين الشرفاء، والمبدعين "العضويين" نساء ورجالا بطبيعة الحال.
وإذاً، ما يجري، ويدعو إلى العجب، من تكالب وتهافت "الوطنيين" على الكراسي والأرائك، والطنافس، لا ينبغي أن يدعو إلى العجب، ففي عُرْفهم أن السياسة لا أخلاق لها، وأن رُغاء الليل يتبخر عند رؤية الذهب، وأن المصالح تعلو على الأفكار، والمباديء والصداقات. وإذا كان هذا صحيحا بين الدول المختلفة، والتكتلات الاقتصادية العابرة للقارات، فإنه غير صحيح بالمرة في شأن أطياف البلد الواحد السياسية، فالسياسة، من ثَمَّ – لها أخلاق، وقيم إنسانية رفيعة، ومباديء قارة أو متحولة لكن نظيفة مأهولة بتقدير الإنسان، والانحياز إلى المُعْدمين، والفقراء، وذوي الحاجة، وضحايا سياسة التجهيل والأمية. وفي هذا ما يجعلنا نقول إن الكتلة التاريخية المرتقبة، أو المُهَجَّنة بالرُّقَع، والمضمخة بالبسملة والبخور والتلفيق والتنميق، ليست حلا لإخراج البلاد من النفق في غيبة ساطعة للديمقراطية، والعلم والمعرفة. فزمام الحل والعقد ليس في يدها، إنه في يد أخرى.


عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا