-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

مع الذاكرة بقلم :رشيدة الركيك

أتذكر في صمت الخشوع بنوع من التأمل و الاستقراء للأحداث، أعود لأعيش الوقائع من جديد في زمن غير الزمان وفي مكان غير المكان.
بالذاكرة أستحضر الصور و الأصوات و الأحاسيس في غياب الوجود الواقعي لها، أستحضرها بداخل ذاتي، فهي تفكيري المصحوب بإحساسي ، تفكيري الذي يرافقني  في نوستالجيا فريدة ممتعة.
تسبح الذات فيه من جديد بتصويرها الواقعي و اللاواقعي لما مضى ولم يعد: هو تصوير واقعي لأنه يكتسب دلالته في الماضي، غير أنه أيضا لا واقعي لأنه لا علاقة له بالحاضر سوى في ارتباطه بالذات والذاكرة.
لكل بلد تاريخ وهو تاريخ الإنسان في حقيقته، ولكل ذات تاريخها كما تفهمه تعيشه ومن أي زاوية تراه تتحدث عنه، فالذاكرة إذن هي تاريخ الذات. فهل فكرتنا عن ماضينا تعكس حقيقتنا أو حقيقته؟ أم أن الفكر هو تلك الحقيقة التي نلبسها بذوقنا ويعكس ذواتنا بنوع من التفرد بحيث من المستحيل أن يشاركني الآخرون إحساساتي بذكرياتي ؟ أم أن الجانب النوستالجي في الإنسان له مساحة تأخذ بعين الاعتبار  تفاعل الإنسان مع الأحداث و تقييمه لها؟
لا شك أننا مخلوقات زمنية إذن، لها القدرة على تذكر الماضي و استحضاره في الحاضر بل إنها تهاب المستقبل بسببه. نحن كائنات تتخبط في أزمنة تتداخل على مستوى الفكر، لتعيش الزمن وينظم حياتها باعتباره دائما ما كان وما هو كائن وما سيكون.
يتشكل الزمن كحبات السبحة كما يقال أو كتيار يتحرك باستمرار و كأننا لا يمكن أن نعيشه  مرتين، بل لا نستطيع أن نفصل الأحداث عن بعضها، وأن الوعي عليه أن يسير بشكل ملازم للحاضر، بل إنه لا يحمل أية دلالة بعيدا عن الزمن.
يبدو إذن أن حياتنا فيلما سينمائيا بطلها ذاتي وسط ذوات أخرى، والحديث  عن ذكرياتها  فيه نوع من التشغيل لعملية التصوير السينمائي الداخلي، تتكرر فيها المشاهد بصور شتى مع أشخاص آخرين و تبقى دائما ذاتي بطلة حقيقية واقعية لفيلم حياتي، تلعب فيه الحواس دورا أساسيا، و تبقى كل ذات هي موضوع لهذا الفيلم ، و كل لحظة من لحظات وجودها تسجل في كتاب محفوظ  تتقادم أحداثه و لكن نرى بصماتها واضحة  في كل فعل.
يجري الزمن دائما، وبالذاكرة تتوقف الأحداث، لعلنا نستقي منها ما نريد من لحظات الحنين بنوع من اللذة وكأننا خلقنا لنعيش الماضي من جديد  على مستوى المخيلة، و نوطد علاقتنا بذواتنا من خلالها،و نتمتع في استرخاء وتأمل، لكوننا نستطيع تذكر الأشياء في غيابها، بمجرد أن أقول:
في هذا المكان وفي هذا التاريخ ترافقني المشاهد بشكل منظم ومرتب...في  نوع من الإدراك الحسي، نوع من الوعي في صورته الإختبارية يكون فيه الشعور مصحوبا بإحساس إنساني، ولم لا وقد وهبت الذاكرة  بقدرة تستطيع تخزين ثلاثة مئة آلاف السنين من الصور...
إنه إذن  نوع من الوجود المختلف تستطيع الذوات الإنسانية التميز بصيغة فريدة من التمرد على العالم الكرونولوجي وعلى الحاضر. فالذاكرة إذن آلة السفر عبر الزمن تمتلكها الذات لتختصر السنين و الأحداث في لحظات فقط، ثم تعود لتعيش الواقع كما هو، ملزمة بالعودة إلى الحاضر لأنه ينتظرها لتعيشه، و ليصبح بدوره في خبر كان لنسافر به عبر الزمن من جديد.
تتذكر الذات فتتكلم مع الماضي وعنه بنوع من الحنين اللامفقود كما عودتنا الذاكرة وبشكل أبدي، وإن كانت معرضة للإتلاف والشيخوخة  فتشيخ وتهرم ، عندها تتخبط الذات في نوع من الضياع ليستمر الحاضر بدون ماضي يعطي معنى للوجود.
يبدو إذن كلما ارتبطت الذات بالذاكرة  شعرت بنوع من الإستمرارية و التناغم مع نفسها بشكل متزن، بل تسمح باسمرارية الوعي لما تخلق من اتصال عبر الزمن، فأكون أنا أنا كأساس لكل هوية وإن تغير شكلي بفعل السنين لكن هويتي هو ما حافظت عليه الذاكرة لأتطابق مع نفسي، فقراراتي اليوم حصيلة لما مضى عبر السنين وهي الحاملة لكل معنى....
 ليس كل ماض جميل، بل إن  كل ذكرى جميلة من خلالها تستحضر الذات كل مقوماتها بنوع من الفخر تبدو أثناءها ملامح العيون براقة من شدة الفرح.
الذاكرة إذن هي الشاهد على أن الذات عاشت و تعيش وتستمر في العيش، فكل خلل فيها أو تلف يؤدي إلى فقدان التوازن في هويتها. ولا شك أننا نفتخر بتأليف مجلدات عن ذكرياتنا وكأنه عالم يستحق أن يتقاسم و أن يعرفه الآخر، فندعو من خلال كتاباتنا وكلماتنا لتفقد هذا الفقيد بتعابير لها وقع سحري تسرد أحداثا يعاد صياغتها بمنطق الحاضر وزمن اليوم  ولغة اليوم.
فتحكي بعض النساء في بلدنا عن فترة ظهور التلفاز وعن خوفهن من هذا الغريب لتلقبه بصندوق العجب، تحمل ذاكرتهن الكثير عنه كثقافة جديدة شكلت مصدر خوف، فيرتدين خمارهن عندما يتم تشغيله على اعتبار أن الغرباء دخلوا البيت، هو حنين إذن يعكس جمالية الماضي بالنسبة للذات، واعتراف لها به ...
هي أحداث تحكي عن حقائق معاشة وعن إحساسات الذات بعقلية زمنها بنوع من الاستقراء لحالها الذي مضى.
نعلن بصوتنا اليوم للزمن: لماذا تشكل جزءا من هويتنا؟ وهل سيكون للحياتنا معنى بدونك؟
نعود لنكرر القول نحن كائنات زمنية، نسافر للماضي ونحن نعرف أننا لا نستطيع أن نغير فيه شيئا، ونستحضره في الحاضر مع أنه قد يكون سبب مخاوفنا وقلقنا من المستقبل.
طفولتنا جزء من ذواتنا و حنيننا لطفولتنا هو حنين للماضي، ويكون دائما هو القريب البعيد الذي نتناوله بحب و استلطاف.
شبابنا قوتنا استهتارنا تسرعنا في جل لحظاته، وبخطوط عريضة نتكلم عنه وعن أخطائه وزلاته، وقد نضحك من أنفسنا في الكثير من الأحيان و نشرح ما كنا نعتقده ، بل إننا لا  نتذكر الأحداث فقط منعزلة إنما أيضا في سياقها العام و الظرفية التي تجعلنا نقوم بذلك الفعل فنلتمس الأعذار لأنفسنا.
لذلك تتمسك الذات بالذاكرة و تجعلها جزءا لا يجزأ من هويتها، هي آلة سفرها المحقق عبر الزمن وبرخصة منها طبعا وبقدرتها تلك على التصور و بدون جواز سفر أو ثمن لتذكرة وفي لحظات وجيزة.
فشكرا لكل مخيلة ألهمتني القدرة على تراص الصورة في ذهني من جديد  لأرى الأموات واسمع نبرات صوتهم، ومع أن الذات تقف عاجزة عن التغيير في الحاضر لتقول معبرة بحسرة مقبولة: لو أنني استطعت أن أفعل كذا وكذا...
وفي مقابل الماضي تعيش ذواتنا نوعا آخرا من الزمن هو الحاضر، تعيشه و تتحرك فيه وتصنع الأحداث من جديد وتبنيها وفقا لنماذج من الماضي ، مستعدة لزمن لاحق ولمستقبل يمكن أن تعيشه.
فعجبا لك  أيتها الذات ومن تأرجحك، بين ماض ولى ولم يعد وبين حاضر أنت فاعلة فيه و مستقبل عليك أن تستعدي له.  فلماذا لا أحاورك وأنت ملهمتي، تحاوري نفسك و تاريخك بنوع من الحنين دائما توثقي لنفسك عبر الذاكرة لأزمنة تلاحقك؟.
لذلك سيستمر الحوار معك دائما بنوع من الخشوع والهدوء والتأمل لعلنا نخرج من أعماقنا ونفهم ذواتنا ونستطيع تأويلها و التصالح معها دون انقطاع  و دون أية محاولة لتفسيرها و الوقوف عن الحتمية في سلوكياتها .
     

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا