السبت 1يونيو 1944،الساعة
الثانية ظهرا.
* ماريا صغيرتي:
كنت متعبا مثل كلب أسود،وسعيدا في ذات الوقت لأني
انتهيت أخيرا من كل ذلك.وضعوا رهن إشارتي منزلا قُصف جانب منه سنة 1940،غير أن جزأه الباقي يظل رغم ذلك ملائما للسكن مع أن
الغبار يغمره،لذلك قضيت ثمان وأربعين ساعة متوخيا جعل المكان مناسبا بمساعدة امرأة
شجاعة تنحدر من المنطقة.
إذن،لننتقل إلى الوصف.البلدة،عبارة عن واد صغير تكتسي منحدريه أراضي مزروعة
وأشجار متوسطة.الجو منعش،وخرير المياه وروائح الأعشاب،والأبقار،و
بعض الأطفال الصغار الجميلين ثم شدو الطيور.حينما نتوغل قليلا،نعاين هضابا أخرى أكثر بروزا نتنفس
معها على نحو أفضل.
بخصوص مشهد القرية :نلاحظ وجود منازل هنا وهناك وكذا أشخاص شجعان.أما عن المنزل الذي أقطنه،فيتوارى
وسط حديقة فسيحة جدا زاخرة بالأشجار وكذا آخر عينات أزهار نهاية الموسم(لم تعد
حمراء).منزل،يتموضع بين طيات ظل كنيسة قديمة.أما الجزء الأعلى من الحديقة،فهو
عبارة عن مرج مشمس وتحديدا تحت أقواس دعامات الكنيسة.هكذا بوسعنا الاستفادة من حمامات شمس.أنا بصدد تنظيم غرفة ومكتب في
الطابق الأول.حين انتهائي من الأمر،سأحيطكِ علما بمختلف التفاصيل.
أعتقد بوسع ميشيل غاليمار على الأقل الإقامة معي.أما بيير وجانين غاليمار فسينتقلان
بالتأكيد إلى الاستقرار في موضع آخر.أنتظر بفارغ الصبر قدومهما حتى نناقش الأمر لاسيما
أني أصبو من خلالهما إلى معرفة جديد أخباركِ.
أكتب إليكِ جل هذه المعطيات بصدق قدر مايمكنني السعي لأني
أعتقد بأنكِ ترغبين أولا في معلومات دقيقة.لكن فكري مختلف فعلا :فمنذ الخميس ليلا أحيا بجواركِ.يظهر لي أن البعد عنكِ يؤلمني واستعصى علي تحمل هذا
الانفصال في خضم تقلبات عديدة،تحت سماء زاخرة جدا بالمخاطر.أتطلع إلى مجيئكِ.إذا استطعتِ التنقل بواسطة سيارة،فلا تترددي،سيكون مسارا
أكثر يسرا.وإلا أُجبرتِ على قطع نفس أشواط السفر الطويل الذي
اختبرتُه.أستحضر بهذا الخصوص أيضا الدراجة الهوائية،لحظتها بوسعي
الذهاب لملاقاتِكِ.لاتنسي عزيزتي وعدَكِ،وهو مصدر حياتي آنيا.أظن يمكنني العثور على السكينة بين
طيات هذا المكان.لقد استطعتُ إعادة رسم صمت داخلي افتقدتُهُ منذ أمد
بعيد جدا،بفضل هذه الأشجار والريح والنهر.لكنه تطلع غير ممكن إذا أرغمتُ على مكابدة غيابكِ
والركض مقتفيا أثر صورتكِ وذكراها.لا أنوي قط تمثل دور اليائس أو الانقياد وراء ذلك.
ابتداء من يوم الاثنين،سأشرع في العمل،منكبا،هذه
مسألة مؤكدة.لكن أريد منكِ مساعدتي بأن تأتي،نعم أساسا وصولكِ إلى
هنا !أنت وأنا التقينا،ثم عشق أحدنا الثاني غاية اليوم بناء
على الولع،والتلهف أو المجازفة.لاأتحسر على أي شيء والأيام التي تأتى لي أن أعيشها اعتبرتُها
كافية قصد تبرير حياة ما.بيد أنه تكمن طريقة ثانية كي يحب أحدنا الثاني،اكتمال
أكثر سرية وتناغما،وليس أقل جمالا مع إدراكي لقدرتنا على تحقيق ذلك،بحيث سنعثر هنا
على الزمان.تذكري هذا،ماريا صغيرتي،وتصرفي على نحو أننا نمتلك
دائما حظا لحبنا.
خلال ساعات معينة ستؤدين دورا مسرحيا(2) . سيظل فكري برفقتكِ،اليوم
وغدا.أترقب تلك اللحظة حينما تجلسين وأنت تقولين هذا رائع،أتشوق
كذلك إلى الفعل الثالث المصحوب بتلك الصرخة التي أحببتها كثيرا.
آه!عزيزتي،كم يصير الوضع قاسيا أن تجدَ نفسكَ بعيدا عن الذي
تحبه.أفتقد مُحيّاك،أكثر شيء أعشقه على امتداد هذا العالم.
اكتبي إلي دوما،لا تتركيني وحيدا.سأنتظركِ مهما تطلب الأمر من أمد،أشعر
بصبر لانهائي صوب كل ما يتعلق بكِ.لكن خلال الآن ذاته،يسري في دمي شغف يؤلمني،ثم رغبة
كي أدمر وألتهم كل شيء،إنه عشقي لكِ.
إلى اللقاء،ياإكليلي الصغير.استمري على مقربة مني بالفكر،ثم تعالي على جناح
السرعة،أرجوكِ.
أقبِّلكِ بكل ماأملكه من شغف.
بوسعكِ مراسلتي كما اتفقنا،على عنوان السيدة باران في
منطقة "فيرديلو السين- و- مارن".
المصدر :
Albert Camus/MariaCasarés :correspondance (1944-1959) ;Gallimard ;2017
(1)هامش :شعر كامو بالتهديد جراء أنشطته غير الشرعية(طبعا حسب
منظور الاحتلال النازي)المتمثلة في إشرافه
على جريدة ''نضال"،مما أجبره على مغادرة باريس كي يوفر لنفسه ملجأ آمنا.هكذا،انتقل عبر الدراجة الهوائية
ثم القطار،كي يصل إلى منزل صديقه الفيلسوف برايس باران،رئيس تحرير غاستون غاليمار
في منطقة "فيرديلو السين- و- مارن''.
(2)يقصد كامو
هنا دور ماريا كاساريس في مسرحيته : سوء تفاهم.
الثلاثاء الرابعة زوالا،4 يونيو 1944 .
*عزيزتي،
أخطُّ إليكِ هذه السطور من وسط حديقة،وأنا محاط بأفراد
الجماعة الصغيرة لأسرة غاليمار،بعضهم يقرأ والبعض الثاني نائم أو مستلق تحت خيوط الشمس.يرتدي جميعنا سراويل قصيرة وقمصان
خفيفة،فالطقس شديد الحرارة، والأزهار
منكمشة تحت أشعة الشمس.
لقد كتبوا إليكِ البارحة،وأفترض أنهم أرادوا إخباركِ
بتفاصيل رحلتهم وكذا حيثيات مختلف ماهو جوهري بخصوص استقرارنا هنا.نقضي يوميات حياة بسيطة وجد هادئة،لذلك
عثرت بالكاد ثانية على توازني وقد انتشلت نفسي من الضجيج والغضب.طيلة البارحة،كنت متوترا،معكر
المزاج،وعاجزا عن القيام بأي فعل أو صياغة كلمة محبوبة.مع ذلك اشتغلت كثيرا وإن بكيفية سيئة، منزويا وغير
آبه بالمغادرة إلى خارج المنزل.أفكر فيكِ بحزن،مفتقدا الابتهاج الذي أحسه دائما
بجواركِ.مرة واحدة فقط، تحديدا في حدود الساعة السادسة مساء،مشيت
خطوات معينة وسط الحديقة.كان الجو لطيفا،مع هبوب ريح ناعمة،دقت ساعة الكنيسة
ست مرات.إنها لحظة،عشقتها دائما وأحببتها بالأمس معكِ.
منذ قليل،أمدوني برسالة جديدة منكِ،ولا أجد كلمات
مناسبة تعبر عن امتناني لكِ.ثم يسكنني في نهاية المطاف أمل حقيقي كي أراكِ هنا.أفترض بأنكِ ستتخلين عن بلاط ملكي.ستنتهي الحرب شهر شتنبر، ولا يمكننا
فعل أي شيء ذي أهمية حتى ذلك الحين.هيا،تعالي،واتركي مختلف مالديكِ.فأنا أيضا يشغلني هاجس تعبكِ.هنا،على الأقل،تنعمين بالراحة.من المهم عندما نعشق،أن نتمكن من ممارسة ذلك بأجسام
مستريحة وسعيدة.
آه !جيد جدا أن مسرحكِ متوقف عن العمل حاليا.يمكنكِ استئناف مختلف أنشطتكِ فيما
بعد.لكن حاليا،مثلما ستلاحظين حقا،تتهيأ أمامنا جل
المعطيات حتى نعثر مرة أخرى على وقت للعشق.أنا أيضا،تجولت طيلة البارحة،تحت سطوة الجزع الذي أخبرتكِ
به سابقا.لم أحلم بكِ،لم تكوني في الصين،لكني أشعر فقط بهذا
الفقدان،وهذا الظل،مثل نبع مفقود (فجأة).أجدني جافا وعقيما،عاجزا عن المبادرة نحو أي اندفاع أو
حب.غير أني في الواقع بقيت مترقبا رسالتكِ وراهنا استعدت
ثانية كل شيء، الحضور والينبوع، ثم وجهكِ أخيرا.آه! عزيزتي،عودي سريعا جدا ثم سينتهي كل هذا.أشعر حاليا بكل القوة اللازمة قصد التغلب على أي أمر
يمكنه الفصل بيننا. فلتأت، إذن، ولتجلسي قٌبالتي، امنحيني
يدكِ،لا تتركيني وحيدا.أنتظركِ، واثقا وسعيدا آنيا وأحبكِ بكل روحي.
إلى اللقاء، ماريا، أقبِّل مٌحيَّاكِ العزيز.
*الخميس الرابعة زوالا،6 يوليوز 1944 :
ماريا صغيرتي،
تسلمت منذ قليل رسالتكِ ليومي الاثنين والثلاثاء.لقد وصلت في وقتها المناسب.منذ ثمان وأربعين ساعة، اكتسحني فتور
.أشعر بالوحدة، وغريبا حتى عن المحيطين بي،أشبه قليلا
بكلب سيئ.أنسحب إلى غرفتي بدافع مبرر الاشتغال، وأحيانا أبادر
إلى فعل ذلك، بنوع من الخنق، أما الوقت المتبقي فأقضيه مشيا طولا وعرضا وأنا أدخن
السجائر التي بقيت في حوزتي.بالتالي،ليس الوضع على مايرام تماما.مع ذلك،فالقرية جميلة وهادئة.غير أن قلبي في حاجة إلى هدوئه،وإن افتقد حقا لذلك
دائما.
أنا بعيد عن كل شيء، واجباتي كإنسان، مهنتي، ومحروم
أيضا من التي أعشقها.سياق يبعث في نفسي الاضطراب. أتشوق لقدومكِ.لكن يبدو أنه تطلع لن يتحقق سوى
خلال الأسبوع المقبل.إذن !...
آه !عزيزتي،لا تعتقدي أبدا أني غير مستوعب للوضع.يبدو كل شيء أكثر صعوبة بالنسبة إليكِ، وأعلم مدى
قيامكِ حاليا بجل ما تستطيعين القيام به.الحقيقة المتأتية لي خلال الأيام الصعبة التي قضيناها
معا، تمثلت في ثقتي بكِ.لقد ساورني الريب غالبا وغير متأكد من انتمائي إلى هذا
الحب الذي يمكنه أن يخطئ ذاته.منذئذ،لا أعلم ماذا وقع، لكن هناك وميض، انساب شيء ما
بيننا، ربما نظرة، وأحس حاليا دائما بهذا المعطى،الصلب مثل الروح،الذي يصل بيننا ويوحدنا.أنتظركِ إذن بهيام وثقة.لقد قضيتُ شهورا في غاية الصعوبة،والتوتر،وتوخيت
أن لا أنهك عصبيا،بحيث أصبحت أجد صعوبة كي أتحمل بكيفية مقبولة ماكان بوسعي التصدي
له سابقا بأريحية .ليس مهمَّا،سأتجاوز ذلك.أنا سعيد لمضمون الأخبار التي تلقيتها منكِ.قولي إلى جين ومارسيل بأني أفكر
فيهما وأضمر لهما مودة فكري.
سعدت حينما أخذت علما أن لون جسدكِ اكتسته سحنة سمراء
مُذَهبة اللون.كوني جميلة، ابتسمي، ولا تتنازلي.أريدكِ سعيدة.لم تتصفي قط ببهاء أكثر من تلك الليلة التي أخبرتني أثناءها
بأنك سعيدة(هل تذكرين بصحبة صديقتك).أعشقكِ بطرق عدة،لكن أساسا من خلال مُحيَّا الغبطة
وكذا روعة تلك الحياة التي أثارتني دائما.أنا لم أُخلق كي أعشق في الحلم،بل على الأقل أدري كيفية
تمييز الحياة التي تتضمنه،وأعتقد بأني اكتشفت يومه الأول،فوق رأسي،وأنت تحدثيني عن
بذلة ديردر Deirdre،ولاأدري كيف لعشق أن يكون مستحيلا.
لاتضفي اهتماما مبالغا فيه على همومي.مصدر شقائي كوني سأنتظركِ قرابة
أسبوع.لكن لايهم هذا، بل يكمن الأساسي… (1)عبرت عنه أيضا بكيفية سيئة جدا،إذن فلننتظر قليلا.
السماء ملبدة ثم بدأ المطر يهطل.لاأكره هذا المناخ بيد أن تفكيري يتجه غالبا صوب النور
الذي لايمكنني الاستغناء عنه.يلزمنا الذهاب معا إلى بروفانسProvence في انتظار
زيارة باقي المناطق الأخرى العزيزة على قلبينا.
إلى اللقاء،ماريا الرائعة والمتوهجة،يظهر أنه بوسعي
تنضيد عدد كبير من النعوت على هذا المنوال.أفكر فيكِ باستمرار وأحبكِ بكل جوارحي.تعالي بسرعة،لاتتركيني كثيرا وحيدا
صحبة أفكاري.أحتاج إلى حضوركِ المتوقد وذاك الجسد الذي ينتظرني في
أكثر الأحيان.
إذن،كما ترين،أبسط لكِ يداي،فتعالي أمامي،بأقصى سرعة
ممكنة.
أقبِّلكِ بكل ما أوتيت من قوة.
المصدر :
Albert Camus/MariaCasarés :correspondance (1944-1959) ;Gallimard ;2017
هامش= (1) :الجملة غير تامة كما وردت في سياق
الرسالة الأصلية.


