من بين مميزات خطاب الحداثة، خاصة منها المتعلقة بالمجال الفكري والإبداعي، احتفاؤها الكبير بالجزئي، والمنسي واللامفكر فيه، الذي لم يكن من قبل يحظى بأي اعتبار نظري، ليمتلك
بفضل المميزات ذاتها، دينامية استقطابية لوجهات نظر سعيدة باختلافاتها وتنوعاتها، علما بأن هذه الاختلافات والتنوعات، هي التي تضع حدا لأي تحصيل معرفي ذي طبيعة آلية و يقينية، لا مجال فيها إلا للقضايا التي تكون عادة موضوع تعاقد مشترك بين نسبة كبيرة من الشرائح المعنية، وهذا التحصيل/التعامل من شأنه الإجهاز على هامش البحث والسؤال، إلى جانب تثبيته لدلالة المعنى الواحد، الذي يتحول تدريجيا إلى كائن «ميدوزي» يصيب الناظر إليه بالعمى، كي لا يرى أي شيء آخر، عدا ما سبق أن أغمض عينيه عليه.في هذا السياق تحديدا، نستحضر مقولة موت المؤلف، التي نعتبرها امتدادا طبيعيا لمقولة موت المتعالي، وهما معا موتان حرصت الحداثة خلالهما، على وضع حد لسلطتين طالما مارسَتا ولأزمنة طويلة تحكمهما في حياة الكائن/ النص، بمختلف مرجعياته ودلالاته، وهذا الموت، ليس في نظـــــرنا، سوى ضـــرب من التَّنحية المزدوجة لسلطةٍ متعاليةٍ، كما إنه شكل من أشكال القــــتل العمْد، المتضمن لغايات أخرى مضمرة، تتمثل في المضي بعملية البحـــث، بعيدا باتجاه بدائل تأويلية جديدة، قابلة لأن تقوم مقام ما تم قـــتله، فضلا عن كونها تسمح بظهور أنساق معرفية وجــــمالية جديـــــدة، تمليها شروط اشتغال ما تم استحداثه من بدائل، بما يساهم عمليا في بناء منظــــومات معرفـــــية، تتميز بدورها الفعال في اقتــــراح اختيــارات مبتـــكرة لمنهجية الكتابة، ولاستراتيجيات القول، وهو ما تسعى إلى تحقيقه لعبة تجريب القتل الرمزي، أو فلنقل بتعبير أكثر حيادا، لعبة تجريب حالة موت/قتلِ ما كان من قبل مُحتَلاًّ لمركز الكون، ومهيمنا على جسد النص، ذلك أن حالة الفراغ الناتجة عن اختفائهما معا، غالبا ما تكون معبأة بميلها الطبيعي إلى تحقـــيق نــــوع من الامتـــلاء الدلالي المضاد، المساهم في تفجير المزيد من مَجَرَّات المعنى أو اللامعنى، ما يجعلنا نقتنع بأهمية مبادرة القتل الرمزي»للذات الكاتبة»، لكن فقط، في حدود اعتبارها صيغة تقنية للانفلات من أسْرِ الدائرة الدلالية للذات المدعمة بثوابتها التقليدية، التي دأبت على بسط سلطتها، كي تشمل مصادر كل تجربة فنية أو إبداعية، في أفق إخضاعها لملكيتها المطلقة.
من هنا تصبح عملية محو هذه الذات من المشهد العام، ضرورة جمالية، هدفها إعادة اكتشاف ما هو متواجد خارجها من مفاهيم وأنساق وخطابات، بما يجعل من فعل القتل، لعبةً لا يُراق بالضرورة معها أي دم، وأيضا ما يجعل «المؤلف «الذي سبق أن اعتبرناه، في عداد الموتى نتيجة استهلاكنا التام له، قادرا على استرجاع أرواحه هناك، على الأقل في ذلك الحيز القريب من تعقبنا لما يحدث حوله وفيه، حيث يكون مراوحا بين الحضور والغياب، وحيث يكون بوسعنا نحن أيضا، أن نتحرر نسبيا من سلطة تمركزه، بدون أن يورطنا غيابه، في متاهات، سنكون مجبرين على التورط فيها، ونحن غير متأكدين من إمكانية مغادرتها سالمين، نظريا وفكريا. لأن المغامرة بالإجهاز التام على إحدى البؤر الحقيقية من بؤر القول والكتابة، ستترك حتما الباب مواربا لتسلل خطابات عدمية، لن تتردد في استهداف كل ما يمكن أن يقف في طريقها من مؤشرات دلالية، بفعل تخلصها الجذري مما تعتبرُه عائقا يحول دون تفكيك كل الثوابتِ، مهما بلغت درجتها من الأهمية، ومهما كانت إلى حين، مشروعَ ملاذ آمن، تحتمي به القراءة النقدية، حتى وهي بصدد إعادة النظر في دلالات تكريس سُلطٍ معينة دون غيرها.
وعزوفنا عن هذا الصنف من الميولات المتطرفة، ذات المنحى العدمي، ينسجم مع رؤيتنا الجدلية لحركية أشياء العالم، التي تمتلك بموجب هذه الرؤية حق الحديث بمجموع ما في جعبتها من لغات، بعيدا عن منهجية التصنيفات المتخصصة في تكريس معادلة النفي والإثبات، المستندة إلى منطق التناقضات، الذي يحكم حركية الوجود، ذلك أن توصيفنا لشيء ما باعتباره ثابتا، لا يعني بالضرورة فراغَه من قوة الحركة، قدر ما يعني تنافر حركيته مع كل ما يتناقض مع بنيته وآلية اشتغاله. بما يعني أن الاحتفاظ بالفكرة التقليدية عن الحضور الفعلي للذات الكاتبة، على هامش إقرار الحداثة بفنائها، أمر ضروري – على الأقل- من أجل ترسيخ مبدأ موتٍ حيٍّ، يمكن أن يكون الإطار الموضوعي لمقاربة الذات الكاتبة.
عموما، إن فكرة تنحية الاسم من المشهد، تحيلنا نسبيا على الأنظمة التسويقية السارية حاليا في الفضاءات التجارية، والمعبر عنها بالشركات المجهولة الاسم، التي لا تفيد حتما غياب اسم مالكها، بقدر ما تفيد تعدد الأسماء المالكة لِما يراكمه سجلها من أسهم، بمعنى الإيحاء بانتماء الشركة ذاتها لملكية جماعية، بغاية التكتم على هوية مالِكها الأصلي، أو مالكيها الفعليين، ما يستدعي احتماء الأسماء ببعضها، أملا في ممارسة تخفيها، وبقائها بعـــــيدا عن أنظار المتلصصين، كي لا ينكشف أمر حضورها.
وواضح، أننا نحــــيل القارئ هنا على تجربة الكتابة ككل، التي هي في الأصل صيرورة وجودٍ بصيغة جمع يحاول فــــيه كل مفرد أن يترك بصمة خصوصيته المتفردة واضحة عليه، حيث ليس ثمة من كتابةٍ قادرة على ادعاء استقلاليتها وخصوصيتها المطلقة، وإن القول بفكرة البكارة في فضاء الكتابة، هو قول لا يخلو من حضور روح دعارة وتهتك حقيقية، لا مجال لإنكارها.
من هذا المنطلق إذن، نشير وضمن سياق الرؤية التسويقية للعمل الإبداعي، إلى الاحتفاء المبالغ فيه بالمتلقي، الذي أمسى تبعا لذلك، طرفا حاسما في تسويق العمل، إذ لن يكون بدونه ثمة وجود لشيء اسمه العمل الأدبي، لذلك سيكون من الطبيعي، والتزاما بشرط التسويق، إسناد حصة الأسد من العملية التأليفية إلى القارئ/المتسوق/المستهلك، الذي أمسى بفضل النظريات الحديثة، أو بالأحرى بفعل الرؤية التسويقية للأثر، يحتل المكانة ذاتها التي كان المؤلف يحظى بها من قبلُ، على امتداد قرون وقرون. والطريف في الأمر، أن فكرة انسحاب المؤلف من المشهد، لاقتْ هوىً كبيرا لدى نسبة كبيرة من المقاربات، التي تبحث عن أكثر السبل إقناعا، لإجلاء الذات الكاتبة من المشهد، في أفق تأكيد انتمائها إلى منتدى الحداثة التأويلي، وهو اختيار جد مبرر، كشكل من أشكال تفكيك سلطة المركز الموغل في هيمنته واستبداده.
لكن مع ذلك، ففي تصورنا الشخصي، الذي نعتبره موضوعيا إلى حد ما، أن ما ينسحب من المشهد، ليس هو ذات الكاتب، كما أن ما يفنى ويموت، ليس شخصية المؤلف، لأن ذات الكاتب لا يمكن بحال، أن تقتنع بفكرة اختفائها التام، الذي ليس في الواقع سوى مناورة، من أجل تمريرها لخطابات ورسائل لا تود أن تنسب إليها، أو تُعرف بها، إما لأسباب سياسية، عقدية أو جمالية، لذلك، فإن احتجابها يُشرعن كل ما يصدر عنها من خطابات، من مواقف وأفعال، وبالتالي يعفيها من تحمل أي مسؤولية، قد تكون موضوع محاسبة أو محاكمة في حالة تعارضها مع القيم، أو القوانين السائدة، كما أن احتجابها سيجعلها تتخلص من مكر مطابقة هويتها مع هوية القول الإبداعي، شعريا كان أو سرديا، إلا أنها ومع ذلك، ستظل محتفظة بحضورها الملتبس في جهة ما من جهات الكتابة، وفي هذا السياق تحديدا، وانطلاقا من نفورنا التام والمطلق من القراءات التقليدية، نبادر إلى القول بأن ما يفنى وما يغيب في الأصل، هو الذات العالقة بالرؤية التقليدية والمحافظة، المسكونة بتشريح جسد ذات الكاتب، على ضوء ما يكتبه، أكثر من اهتمامها بما تتضمنه هذه الكتابة من بنيات جمالية فنية وفكرية.
٭ شاعر وكاتب من المغرب



