-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

قصة قصيرة عندما يؤوبُ المساءُ ... ذ . رشيد سكري ذ . رشيد سكري


دفنا النَّخلة في المقبرة ...
وظلت تبتلعُ مصائرَ البلاد و العباد .
في سَنم النَّجف امتدت ظلال وارفة ، تطل على شعاب ضيقة ، وتقطـِّع أوصال قريتنا الصَّغيرة ؛
آيت عبو الحبيبة . لم يكن الطاهر دوحة فحسب ، بل نخلة بثمار صفراءَ يانعة . تسافر عبر حكايات زمن  ... تحاكي سيرورة  وجوه غابرة و معفـَّرة بتراب نديٍّ ، وفي الناس العاثرين حظهم في بلادي . لهم ألف كبوة و كبوة ، كما يفعل الأدهمُ ذو القوائم المحجَّلة ، عندما يقطع أحراش قريتي المالحة .
كان صبيُّ أعرجُ ، ذو أسمال بالية ، يسكن بيت الأحزان . بناه  بطين أحمرَ أرجوانيٍّ ؛ فعدَّل قوامه بالملح الكلسي الصَّلب ذي العروق المعدنيَّة ، حتى أصبح سقف بيته حديد  وركنه حجر ... فاعصفي أيتها الرَّوامسُ  بالموت ، وبكل الخلائق ... وبكل ما تبقى من حجر و بشر...
ـ فأنا حفـَّارُ قبور و رموس ، أسمع أنين الموتى تحت أقدامي العرجاء . وبأناملي العَجـْراء أقتات من موتاكم ... بماء نمير أروي ظمأهم ؛ فأرش ، تحت أقدامهم ، ترابا مسحوقا كالطحين . حتى لا يعودوا من أجداثهم المدلهمَّة ...  
 ها هنا... دفنا ماض كان يتقلب فينا وجعا مثل القـُداد . رسم تجاعيده على أطراف أكف تتضرع إلى الله في خنوع و ابتهال ... تطلب :
غيثك ... غيتك ... يا الله .
غيثك ... غيتك ... يا الله .
فالطَّاهر كان نخلة تمْشي في سُكون الأنبياء ، له من هذه الدنيا الفانية ؛ فرسٌ بيضاءُ ، عيناها كحبات الفستق ، تـُستأجر في الحفلات و المواسم  . يركبها الصبيان ، و يلهون بأعجازها السَّابغة كحورية البحر  . و له ، أيضا ، سبْعُ بقرات سمان ،  وسبعُ سنبلات خضر ، وأخرُ يابسات .
هكذا الوجع يُطرد من انتظار ... لا يعود الطـَّاهر إلى قريتنا ... إلا بعدما يؤوب المساءُ إلى بطاحه ؛ فيغطي منازل و دورا واطئة برداءٍ أحمرَ طيلساني . يمر بتؤدة على السواقي ، التي تحفر في التراب أخاديدَ غويرة  ، يتشقق لها المقام ؛ فيعلو و يعلو ... تروي البقرات السِّمان الظمأى عطشها الوقـَّاد من صهْدٍ و قرٍّ مقيمين في الجوى ، و لا يُسمع إلا طقطقات شفاهها المبللة بماء صافٍ زلال ؛ يلمع كحبات الكرز الأحمر أو القمر الأحمر .
يقف الطاهر على رؤوسها كصنم حجري ، وهي تنتشي لذة مياه باردة حلوة و نميرة ؛ فيحس معها بنشوة تسري في عروقه المَالحة . من فم أثـْرَمَ متهدل ينشد لها نشيد العودة إلى ديار بئيسة وحزينة ، ويفسح لها شهية شرب الماء ؛ فبين الماء و بين النار ، مياه آيت عبو الحبيبة  دواءٌ لكل سقم ونقم ، تصفـِّي المداخل و المخارج و الصَّواعد و الهوابط  و العروق المعدنيَّة .
طبَه ... طبَه ...
طبَه ... طبَه ...
تنفجر الشفتان معلنة على انتهاء حصة الشرب الهادئ ، وهي تتلمظ و تتمطـَّق ما انبجس  وسال منها ، فتنزل السَّكينة من مُزنة بعيدة بالرحمة و الغفران ؛ لتصعد بعد ذلك ، البقرات السِّمان في غـُنـْج ودلال بين الممرات و الشعاب الظليلة . يتناثر من حولها نقعٌ كالعِهن المنفوش ، فتبدو كأنها تحمل ، على أكتافها ، هـَوْدَجا لعروس قادم من زمن إلى زمن .           
         

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا