2016عام اليقظة الكاملة : خليل بن غريب
خاص
ما أن انتهت أيام هذه السنة حتى انطلقت في آفاق
العالم جملة من الأرقام والإحصائيات
والصور والأحداث عن أبرز يوميات ثلاثمائة وخمس
وستين يوما مما أرشفته المؤسسات المختلفة في ماضيات الأيام، وبدأ المحللون الاجتماعيون،
والسياسيون، والاقتصاديون، والنفسيون، والأمنيون، والتربويون، والرياضيون وخصوصا الإعلاميون
وغيرهم اجتماعاتهم المطوّلة وكتاباتهم الناقدة والساخرة، وسيطلّون عبر برامج الإذاعة
والتلفاز وقدوجدوا مواد جاهزة لتبدأ سلسلة من جرعات النقد والتنكيل للأفراد والمؤسسات
والحكومات والأفكار لتنكأ الجراحات تلو الجراحات وتعلّق المشانق للخيالات والأوهام،
وفي الجانب الآخر سنسمع المطبّلين من السحرة وما أكثرهمدون الوصول إلى نتائج وإجابات
عن السؤال الأهم: وماذا بعد؟
ودون الدخول في مسارات برامج الإعلاميين الحوارية
التي أوصلتنا إلى لا شيء ضمن تجاذبات المحللين السياسيين أو الاقتصاديين والتي بدورها
أدت إلى مزيد من آلامٍساغتها تبريرات
"فقهاء الاستشارات الاستراتيجية" والإخصائيين الخاصين ونحن نبصر اليوم استعراض
دول نووية عظمى عضلاتها حمايةً لمن قام متبجّحا في وضح النهار بتشريد البشرية إلى عصور
ما قبل التّأريخ، ووقوفاً إلى جانب مشعلي الحروب وتجويع الشعوب،ومنتجي تشكيلات ظلامية
لم ير العالم لها مثيلا، ، كون كل منتفع من غنائم العام المنصرم سيفلت بما غنم دون
مسائلةٍ ومحاسبةٍ من رقيبٍ عادلٍ أو حسيبٍ منصفٍ قادرلأن عالم اليوم يندفع من أحادية
القطب إلى تعدديتها اللامبالية، وهذا الذي أفاد أمثال مخلوع اليمن المرتمي في أحضان
الملالي ليدمّر براءة الطفولة وأماني الشباب لولا وقفات الحزم والعزم وإعادة الأمل.
لا يستطيع أعلام القوم وأعيانهم في مكوّنات الدول
العظمى فضلا عن بقيّة مناطق الأرض من إغلاق العين عن واقعٍ انكشفت فيه محامد هؤلاء
ومساوئ أولئك، واتضحت معالم الرغبات الكامنة في نفوس الامبراطوريات والجمهوريات التي
اجتمعت على أهداف مرحلية واستراتيجية مشتركة علانيةً أخيراً، واشرأبت أعناق المطامع
والأنانية الساعية لفرض المطالب والمكاسب، وتسابقت حكومات وأنظمة للحصول على نصيب من
الهيمنة ومواطن للسيطرة كلما أمكنتها الأسباب الاقتصادية والسياسية والعسكرية من ذلك.
ولكن حين ينجلي الغبار عن بصائر الأمم، وتشرق الشمس
ساطعةً بهيّة، وينبلج فجر الحق والحقيقة بعد ليل طويل حالك، تنطلق أشعة النور لتكشف
جنبات الكون وتفصيلاته وتستعيد الأمم اليقظة الذهنية والحسية الكاملة وتتراءى تفصيلات
الوقائع فلا حاجة للتبيين أو توضيح ما التبس،
ولا مكان للمتاجرين بالأديان والقيم أو (أصحاب شنط الاجتماعات الطويلة السرية)، ولا
موقع لمنظري استراتيجيات التغيير وقد أصبحت عينا بعد أثر، وواقعا بعد أماني الكلمات،
وابتدأت ترانيم الصباح حبّا للأوطان عملا وبذلا وسعيا واندماجا في الصورة الإيجابية
المتحركة نحو آفاق استثمار دقائق لحظات اليوم والغد وساعاتها.
الجانب الواعد من واقع 2016 إنه نتاج أعمالٍ وممارسات
تدريجية طويلة الأمد، وتراكم أفعال وأفكار وصدمات متتابعة، وهو ما زرعته الأيدي وكتبته
الأقلام ونطقت به الألسن، والذي أثمر الفعل الواضح والصوت القوي المتفجّر القادم من
أعماق الداخل ليحدّد ملامح وملاحم رؤية المستقبل القريب والبعيد، وذلك وفق إدراكٍ شامل
بالمشروعات العظيمة التي لا تعرف الحدود أو القيود ولا تستثني أحدا من المخلصين، حيث
أن المساهمة بالقليل في عظائم الأمور مقدّر وذات أثر، وإن كان القليلون هم من يقودون
التأثير والإنجاز الكبير،أولئك الذين وضعوا خارطة طريق واضحة منتقلين من حالات الألم
والإحباط إلى استشعار الرضا الكامل عن الذات، وأن لهم قيمة ً حقيقية وإضافةً نوعيةً
في الحياة.
إن عام 2016 هو عام اليقظة الكاملة لمنطقتنا بامتياز،
يقظة أنتجتها ممارسات ممنهجة اخترقت العواطف والوجدان وزلزلتها، فأشعلت جذوة الحراك
في أمة العرب مما زادها قوّة بدأت تتكوّن وتتضاعف يوما بعد آخر، وسيكون المارد قبل
نهاية العام الجديد ممسكا بزمام المبادرات النوعية التي تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح،
وستكون بداية استعادة العافية التي فقدتها في سنوات عجاف، وما أخذته السنون عنوةً أحيانا
وغفلة في أحايين أخرى ستهبه أقدار الخالق أكثر ألقا ومتانة مما سيمهّد السبل للسير
بالعزائم والممكنات في طريق الأمجاد التي طال انتظارها.
حقيقة النجاح يكمن في التغيير المستمر الذي يستلهم
من الابتكار والإبداع مفاتيح القيادة الملهمة للأجيال، ويزرع مشروعات عملاقة حقيقية
واقعا على الأرض، ويمنح الأمل بالمستقبل الأروع والأفضل لآلاف الشباب من مشرق بلاد
العرب إلى غربها وتملأ أرواحهم تفاؤلا وتمتزج مع دمائهم حبا للعطاء ومساهمة للوصول
إلى نهايات الآثار الكبرى الإيجابية المؤثرة في الأرض، ولعلّ إرهاصات اليقظة الكاملة
وبداياتها المحرقة بدأت مبكرا حين أغمضت أمم الأرض أعينها عن فلسطين المغتصبة وما تلا
ذلك من ممارسات يندى لها جبين الإنسانية حتى أنتجت نهايات مشرقة ستكون خيرا للبشرية
كما كان العهد بالأمس القريب، فهل ينتبه حكماء العرب ليتقدموا؟ وهل يعود حكماء الغرب
إلى سبيل الرشد ليكونوا شركاء في شرف الاتحاد الإنساني الحضاري القادم؟
فائدة الختام في قول المتنبي:
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسامُ
خليل بن غريب