-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

مقاطع الدفتـــر الليلــــي محمد الشركـــي


خاص بالمجلة
مقاطع الدفتـــر الليلــــي محمد الشركـــي
1-   محمد القاسمي : جموح الأزرق والبُنّي الماورائيين
تشكيليٌّ شاعر، وشاعر تشكيليّ. ضمن هذا التوصيف المزدوج، حيث تتحالف شهوتا الصباغة والكتابة، يقيم أبداً الفنان محمد القاسمي، وأنا أستعمل المضارع هنا أيضاً قَصْداً رغم الرحيل الفيزيائي لهذا المبدع الخصيب. حين بلغني نبأ وفاته ذات يوم من 2003، رأيتُه في نفس الليلة في الحُلم يُلَوّحُ إليَّ باسماً من قلب غابة كثيفة شديدة الاخضرار قبل أن يتوارى بين تدرُّجات ألوانها البدائية. لعلَّها نفس غابة تمارة التي امتدّ بنا السهر، هو وأنا، بجوارها مراراً في دارته المجاورة لدارة المفكر المغربي الشخصاني محمد عزيز الحبابي، والتي طالما سمعنا فيها، في الهزيع المتأخّر من الليل، زئير الأسود المسهَّدَة في حديقة الحيوانات القريبة، فيما كنّا نواصل الحديث المتشعّب، الذي كنّا نستأنفه كلّما التقينا، حول الفن التشكيلي، والإبداع، والفكر، والموسيقى، والسينما، والتراث، والتاريخ، والوضع المغربي والعربي والدّولي، وتغوُّل العولمة، وقدرات الفنّ، بمفهومه الشّامل، على الرّدّ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حرائق السياسة وغارات السماسرة والمرتزقة المتراكضين بكلّ فئاتهم الصغيرة والكبيرة لنهب كلّ شيء حتّى الذّاكرة ورموزها. ذات ليلة من تسعينيات القرن الماضي حرّرنا نداءً مشتركاً وقّعناه معاً - ووزّعه القاسمي في اليوم الموالي على خمس صحف وطنية نشرتْهُ بالتزامن – طالبنا فيه الدولة آنذاك بتحمّل مسؤوليتها في صيانة الذّاكرة الثقافية الوطنية من خلال تجريم تهريب القطع الفنية والتراثية، وتحيين جرد التراث المادّي وتدقيقه وصيانته. ومحمد القاسمي ليس فنّان صالونات، بل فنّان "خروجات" جرّيئة. فبموازاة حضوره الوازن ومشاركته النّوعية في أكبر المعارض التشكيلية الدولية وإقرار النقّاد المتخصّصين بتميّز لوحاته الهادرة بحركية رمزية وصباغية مكثفة ومنفلتة، فاجأ مرتادي شاطئ الهرهورة ذات يوم من فبراير 1985 بغرس سبعة أعلام زرقاء عالية على السّاحل، ربّما لهداية الأرواح البحريّة، كما توغّل بَعْد ذلك بأربع سنوات في حوانيت الصّباغين التقليديين بمرّاكش وخرج منه بسبعة "حايكات" زرقاء.وبعد ذلك ببضعة أعوام حوّل الفضاء الدّاخلي للمعهد الفرنسي للرباط إلى "مغارة أزمنة آتية" ضاجّة بإرساءات مادّية وإشارية وسط نفق معتم كأنه شفير قيامي للعالم. ذات ليلة، بعد عودتنا من عشاء مع المخرج محمد عبد الرحمن التازي والممثلة منى فتّو، وفيما نحن نتجاذب الحديث عن طقوسية المأدبة وبلاغة الأطعمة والأزهار، فاجأني بأنه يعتزم إرسال روايتي "العشاء السفلي" إلى الموسيقار العالمي المغربي النادر أحمد الصياد ليؤلّف لحناً خاصّاً بها، غير أن المرض والموت كان لهما تدبير آخر معه، هو الذي بدا لي دائماً مُنْفَلتاً من روزنامة الزَّمن، ومنخطفاً آناء الليل وأطراف النهار نحو لَوحة ينجزها، أو سَفَر فنّي يُقْدم عليه، أو قضية حقوقية ينشغل بها كعضو فاعل في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، أو عمل إبداعي مشترك ينخرط فيه (ككتاب "الرياح البنّية" الذي أنجزه رفقة الشاعر حسن نجمي)، أو نصوص شعرية يكتبها بالفرنسية (كالتي جمعها في ديوانه "الصيف الأبيض" والتي أسعدني أنني ترجمت ونشرتُ بعضها في ملحق العلم الثقافي ذات زمن محفور في الذاكرة). لذلك يظلّ محمد القاسمي فنّاناً بصيغتَي المضارع والمستقبل، مديداً ومحتدماً كالقامات والظّلال والتفاعلات القيامية للوحاته (التي سرّني عميقاً أن تكون إحداها على غلاف ديواني "كهف سهوار ودمها" مصداقاً لميثاقنا الرمزي الكبير)، مثلما يبقى، بإشاراته وكلماته وإرساءاته العالية، مرصّعاً لهويته المتجذّرة في مخيال الأرض والزّمن والملتحقة، في الآن نفسه، بتعدُّداتها المترفة، هو الذي كتب عن نفسه :
"أحكي حكايا
الليل والضوء
وأشرح لماذا تحرق النّارُ الماءَ
وكيف تسيل حجارةُ توبقال
عسلاً ساخناً
وكيف يَسوَدُّ لونُ فاسَ في أكتوبر
أنا العابرُ العلنيّ
والسريّ
الآتي من باب الريح
وأرض السيبة
ومن أصداء الفتنة
واللون الأزرق..."
2- السماء ليست زرقاء
تُعلّمنا الفيزياء الفلكية أنّ السماء ليست زرقاء. إنها بحارٌ هادرة من النّيران والأفران النّوويّة.
3- النّيران طليقة. هذا أوان حفظ الخرائط في القلب
ليس توهُّماً. بل حقيقة طالعة من حُلم مترف. أسمع الصّوت منبثقاً من ثنايا الحروف. الصوت البعيد الغالي. مسْكُ لَيْل النفس. الصّوت الموهوب في كلمات يحتمي بها من رعونة الهواتف وزحمتها. الصَّوْت الواصل عَبْرَ أعضاء الكتابة حيث لا تصل الشبكات.
ليس توهُّماً. هل هي يقَظةٌ أخرى داخل منام لا ينام ؟
-         أنا أسمعك، قالت
-         وأنا أسمعك، قلتُ.
-         هل أنتَ بخير ؟ هل لديكَ نورٌ كاف في الدّهليز القديم ؟
-         حروفك وحروف سلالات الضّوء التي ربَّتْنا تبدّدُ وحشة الطّريق وتؤنسني وتنيرني بين التجاويف... لكن هل أنت بخير ّ؟ هل ذلك الساحل المنفلت من أوديسا هوميروس رفيقٌ بكيانك ؟ هل أينعتْ مشاتلنا السبعة كشجر التّفاح الذّهبي في حدائق هسبريس ؟ هل تتحقّق - ولو بعد حين – نبوءةُ رامبو، فَيفرُّ الطُّغاة جميعاً ونشْهَدُ عيد ميلاد الأرض ؟
-         أنا بخير، وساحل هوميروس ومشاتلنا السبعة في دواخلي كما تعلم. هذا أوان حفْظ جميع الخرائط في القَلْب، لأنّ النيران المرئية واللامرئية طليقة. لذا لا تقلق، أنا وخرائطنا بأمان، فكُنْ بأمان في تلك التجاويف، وأنا من هُنَا أراك.
-         أنا أيضاً أراك. إلى اللّقاء.
-         نحن دائماً في لقاء.
4- أودية فريد الدين العطار السّبعة
لا ينفكّ كتاب "منطق الطّير" لفريد الدّين العطّار يشع بقوّة روحانية مُعينة للسالكين دروب البحث عن النّور. هو من الأساسات الارتكازية لعالم الرُّوح الشّاسع. وهو، مثل "الفتوحات المكّية" لمحيي الدين بن عربي، و"مُثنّوي" جلال الدين الرُّومي، خارطة طريق كلّ مسافرة ومسافر في اللّيل الكبير. خارطة مجازية تخترق سماءها طيور الزّمن الدّنيوي الباحثة عن "السيمرغ"، الطائر البهيّ الأَسْمَى، فتقطع في رحلتها الشاقّة سبعة أودية، كلّ واد منْها بمثابة اختبار لا بدّ من اجتيازه لاستحقاق الوادي الذي يليه. وهذه الأودية العميقة، الزّاخرة بالابتلاء الجسماني والرُّوحاني، هي على التوالي : وادي الطّلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة، ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الفقر، ووادي الفناء المكتمل بالفناء في المحبوب الإلهي.
5- الجهل أخطر تنظيم إرهابي
الجَهْلُ أَخْطَرُ تنظيم إرهابي في العالم العربيّ. والأنساقُ المتنفّذةُ التي استمرأت طيلةَ العُشريات الماضية قصف شعوبها ببرامج تعليمية بائرة وسياسات اجتماعية جائرة ورداءات إعلامية وقحة لم تُدْركْ، بعدُ، جسامة ما ساهمت وتساهم به في التّمدُّد الأفقي والعمودي لوباء الجهل الأسود الذي تبدو الطواعين القديمة لعب أطفال إزاء هوله الزّاحف.
6- إميلي برونتي : "هيثكليف هو أنا أكثر ممّا أنا..."
باحتدامها البريّ، وحماستها الوثنية التي هي حماسة روح تتذكّر أصولها، تبدو إميلي برونتي قريبة روحانيّاً من رامبو الذي ولد بعد ست سنوات على رحيلها المبكّر في ربيعها الثلاثين. غير أنّها ظَلّت حيَّةً بسموق وتوهّج في روايتها الوحيدة "مرتفعات ووذرنج"، حيث كلّ كلمة فيها نَبْضٌ أليمٌ وشغفٌ عظيم في قلب عزلة حدودية. ألم تكتب على لسان كاترين أورنشاو، شخصيتها الأساسية، هذه الكلمات المتولّهة عن حبيبها هيثكليف : "كانت آلام هيثكليف، على الدوام، هي أشدّ آلامي في هذا العالم، وقد رصدتها وأحسست بها جميعها منذ منابتها. وهو أيضاً المبرّر الأكبر لحياتي. إذا ما هلك جميع الآخرين، وظلّ هو حيّاً سأستمرّ في العيش. لكن إذا بقي الجميع وهلك هو فإن العالم بأسره سيصير غريباً بالنسبة إليَّ، ولن أشعر بأنني ضمنه... أنا هيثكليف وهو حاضر في روحي. إنّه أنا أكثر ممّا أنا... لذا لا تحدثوني عن الفراق فهو مستحيل".
7- الأشغال الإثناعشر لهرقل :
1-   قضى على أسد نيميا المرعب المختبئ في غابة أرغوس.
2-   قضى عل الهيدرا "ليرنا" ذات الرؤوس الأفعوانية المتعدّدة.
3-   جلَبَ الغزال المقدّس ذا القرون الذهبيّة حيّاً.
4-   جلَبَ خنزير أريمانتوس الضخم والشرس حيّاً.
5-   نظّفَ إسطبلات أوجيوس القذرة في يوم واحد بتحويل مجرى نَهْرَين.
6-   قتَل طيور جزيرة ستيمغاليان المتوحشة الآكلة للبشر.
7-   قضى على ثور كريت الهائج.
8-   أَحْضَر خيول ديوميد الجامحة من مملكة بعيدة.
9-   حصل على حزام "هيبوليتا" ملكة نساء الأمازون.
10-    قضى على الوحش جيريون ذي الأجساد الثلاثة واستولى على ثيرانه.
11-    جَلَب التفاح الذّهبي من حدائق هسبريس الواقعة في الواجهة الشمالية الغربية للمغرب.
12-    أحْضَر الكلب "سرباريوس" حارس العالم السفلي ذا الرؤوس الثلاثة دون استخدام أسلحة.


عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا