كتبت بديعة زيدان:لجريدة الأيام الفلسطينية يواصل الأديب والإعلامي المتخصص في الشأن الثقافي، وعبر
برنامجه الأسبوعي "مشارف"، ويبث عبر التلفزيون المغربي (القناة الأولى)، وفي 26
دقيقة أسبوعياً،
العمل على استضافة وجوه من عالم الأدب والثقافة والفكر والإبداع في المغرب والوطن العربي خاصة، ومناقشتهم في عدد من القضايا التي يعرفها الحقل الثقافي المغربي والعربي، وذلك لقناعته وطاقم برنامجه بجدوى السؤال الثقافي وأهمية المنتوج الرمزي في دعم التحوّلات السوسيوثقافية في المغرب والعالم العربي، بحيث تكون كل استضافة فرصة لمناقشة قضية فكرية أو ثقافية، أو ظاهرة أدبية أو فنية، انطلاقًا من كتابٍ جديدٍ للضيف، أو من مجموع كتبه، أو من خلال إنتاجٍ فنيّ له، أو على خلفية سجالٍ دائرٍ في الساحة الثقافية يكون الضيف معنيًّا به أو طرفًا فيه.
ويحرص البرنامج على نقل هذه الأسئلة، والسجالات، والقضايا الثقافية والأدبية والفكرية والمعرفية إلى عموم المشاهدين بسلاسة وحيوية تجعلها في متناول المشاهد، وتفتحها على إمكانية التداول على نطاق واسع من طرف مختلف الشرائح الاجتماعية بما يساهم في فك العزلة على الأسئلة الثقافية والمعرفية والانشغالات الأدبية والفكرية لنخبة المثقفين، وفق ما أكد عدنان لـ"أيام الثقافة".
ويشدد عدنان: يحرص البرنامج عبر حلقاته المتتالية على الانفتاح على المشهد الثقافي المغربي خاصة، والعربي عامة بمختلف أبعاده وتعبيراته المتعدّدة، حيث حلقاته وفق تنوّع وثراء الساحة الثقافية في بلادنا، كما يخصص البرنامج مع نهاية كل حلقة (وقفة حرّة) تتيح الفرصة لتقديم عنوان جديد قيّم، أو بعضٍ من آخر ثمرات المطابع المغربية، أو اقتراح مختارات قصيرة من المدوّنة الشعرية المغربية أو العربية قديمها وحديثها، وأحيانًا تستغل هذه الوقفة الحرّة لتسليط الضوء بالكثير من التركيز على مسألة أدبية أو فكرية أو لغوية أو قضية ثقافية رائجة.
ردم الهوة
ويسعى البرنامج بشكل أساسي إلى الإسهام في ردم الهوة القائمة بين النخبة الثقافية المغربية والعربية ومجتمعاتها، وللانخراط الجديّ في هذا المسعى، يحاول البرنامج تقديم أكبر عدد من الأفكار والمعلومات والشخصيات الفكرية والوجوه المبدعة حتى يتمكن مشاهدو القناة الأولى من تكوين رأي حول عالم الثقافة في أوجهها الإيجابية المتعدّدة، وإعطاء الكلمة للباحثين والمثقفين وتقريبهم من القناة الأولى لخلق نوع من التآلف بين منتجي الأفكار والتصوّرات الفنية والجمالية في بلادنا والتلفزيون، والمساهمة، كذلك، في إثارة القضايا الثقافية الكبرى بسلاسة تساعد على تقريبها من مدارك الجمهور الواسع ومن عموم المشاهدين، ودعم الكتاب المغربي وترغيب مشاهدي القناة الأولى في القراءة من خلال اقتراح عناوين جديدة وبسط مضامينها بطريقة تحبّب فعل القراءة وتروّج للإصدار المغربي، إضافة إلى العمل على خلق مناخ في الإعلام الثقافي يساعد على تكوين علاقات تفاعلية بين التلفزيون وعموم المشاهدين اعتمادًا على إيقاعٍ حيٍّ وتقديم حيوي.
ولأن الأمر يتعلق ببرنامج ثقافي، فمن الطبيعي، وفق عدنان، اعتبار النخبة الثقافية والفكرية ببلادنا في طليعة الفئات المستهدفة، فكل المعنيين بالشأن الثقافي والمهتمّين بجديد الساحة الأدبية وبأهمّ التصورات الثقافية الرائجة ببلادنا، وبدينامكية الإنتاج والبحث الأكاديميين سيجدون في هذا البرنامج موعدًا أسبوعياً أساسياً.
لكن رسالة البرنامج لن تُنْجَز، كما يرى، على الوجه الأكمل إذا ما اقتصرت الاستجابة على أفق انتظار النخب الثقافية وحدها، فالهدف المركزي للبرنامج، وهو تجسير الهوة بين المثقف والمجتمع، ما يفرض على طاقم "مشارف" الاهتمام أكثر بفئات واسعة من المتعلمين والطلبة والتلاميذ، لينصبّ الجهد على إعادة صياغة الأسئلة الثقافية والآراء والتصوّرات الفكرية بلغة رشيقة سلسة لا تتعالى على المشاهدين، ولا تفرّط بالمقابل في حدود الرّصانة والمسؤولية الواجب مراعاتها في البرامج ذات الطبيعة الثقافية.
الحواريات أولاً
و"مشارف" برنامج حواري أساسًا يبدأ بوقفة لتقديم السؤال المركزي للحلقة، ويتواصل عبر حوار داخل الاستوديو بين مقدم البرنامج والضيف حول قضية ثقافية، حيث يقوم اللقاء على صيغة السؤال والجواب، وذلك من أجل تقديم مشروع فكري أو ثقافي ومناقشته أو تسليط الضوء على تجربة إبداعية معينة، فيما ينتهي الحوار بوقفة حرّة، كما أشار، تفتح شرفة في الختام على "رياض الكتب، وحدائق الشعر، وفضاءات الفكر.
المنافسة في المعترك الخطأ
وفي رد على سؤال لـ"أيام الثقافة"، أجاب: أرى أن المنافسة في التلفزيونات العربية تتم أصلا في المعترك الخطأ. فالتنافس على الرفع من نسب المشاهدة بجميع الوسائل والمواد حتى لو كانت خردة مسلسات مكسيكية وتركية رخيصة أو مجموعة من السيتكومات الملفّقة، والفوز بأكبر نصيب ممكن من كعكة الإعلانات حتى ولو جاء ذلك على حساب هوية القناة والتزاماتها إزاء المجتمع، مثل هذه المنافسة لا أجد فيها رابحاً. لأننا ببساطة قد نكسب المزيد من المشاهدين وبالتالي المزيد من الإعلانات لكننا نخسر الإنسان. وأعتقد أن قنواتنا الوطنية والعربية، خصوصا تلك الملتزمة بواجب الخدمة العمومية، معنية بمصاحبة المشروع المجتمعي الشامل في مجال التنمية البشرية. وهنا لا أتصور أن بإمكان المسلسلات التركية أن تفي بالغرض.
وأضاف: لا بد من إنتاج أكثر جدية: دراما وطنية عميقة وذكية تنصت لتحولات المجتمع وتفتح مشاهديها على خيارات إيجابية هادفة وتُروِّج من خلال أبطالها لقيم إيجابية. برامج إخبارية تقارب مادتها بموضوعية ومهنية وبروح تحليلية نزيهة. وبرامج ثقافية تنتج عن اقتناع بأولوية الثقافة في معركة التنمية البشرية وبناء المواطنة الفاعلة، وتأخذ بعين الاعتبار أهمية وحساسية دور الوسيط التلفزيوني في تثقيف المجتمع خصوصا مع تراجع نسبة القراءة واكتفاء الغالبية العظمى من مواطنينا بالتلفزيون كوسيط يقدم الأخبار والمعرفة إلى جانب دوره الترفيهي.
"يقلقني أن جزءا مهما من الإعلام العربي بدأ يبتعد عن مقاربة قضايا السياسة والمجتمع والفن انطلاقا من منظور ثقافي. فالثقافة باعتقادي لها دور أساسي في تأطير المجتمع وتخليق الحياة العامة وتحصين السياسة والسياسيين من التطرف والمذهبية المنغلقة، وكذا في إضفاء المعنى والروح والدلالة على الإنتاج الفني بمختلف أصنافه. والإحساس بأن بإمكاننا اليوم أن نتطور ونتقدم ونساهم في تحديث الفن والمجتمع بدون حاجة إلى الثقافة وبدون عمق ثقافي أمر يدعو فعلاً إلى القلق".
وأكد: طبعاً الإعلام بشكل عام وليس التلفزيون فقط يتحمل مسؤولية كبرى من أجل تحقيق هذه الوساطة ما بين الثقافة والأدب من جهة والمجتمع من جهة أخرى، لكن المشكلة هي أن الإنتاج الرمزي لا يحظى بالاعتبار اللازم في القنوات العربية لأن منطق الاستهلاك لا يعترف بما هو رمزي. والإنتاج الثقافي والإبداع الأدبي يدخلان في إطار الإنتاج الرمزي الذي يساهم في صناعة الوجدان العام ويرفع من تحضُّر المجتمعات.. والأدب بالخصوص ما زال مظلوما في مجتمعاتنا العربية، وعلى التلفزيون أن يساهم في دعم الأدب والإنتاج الأدبي وأن يعتبر ذلك جزءا من دوره في بناء مجتمعات متزنة، منفتحة، بل وحالمة أيضاً بالمعنى المنتج الخلاق لهذه الكلمة. ولست في حاجة هنا إلى التذكير ببديهية أن إعلامنا السمعي البصري مُطالب بتقديم خدمة عمومية للمجتمع، ومطالب بالمساهمة في مسلسل التنمية الشاملة التي لا يمكن للرأسمال المادي والبشري فيها أن يتطور ويتنمى بمعزل عن رأس المال الرمزي، أي عن الثقافة والقيم. فالإعلام صار اليوم أحد أهم أذرع الثقافة في زمننا الحديث. وإذا تخلى الإعلام عن الثقافة وانساق وراء هاجس الفرجة وتحقيق الرواج التجاري والكسب الإعلاني على حساب الرأسمال الرمزي للأمة فإن مثل هذا الاختيار قد يهدد إلى حد كبير الأمن الثقافي للمجتمع.
ما بعد عشر سنوات
وحول "مشارف" اليوم، وما قدمه منذ انطلاقته، قال ياسين عدنان لـ"أيام الثقافة": بعد ما يزيد على عشر سنوات من عمر البرنامج، يمكنني أن أزعم أن البرنامج صار له حضور طيب وطنيا ومغاربيا، فمثقفو المغرب العربي صاروا حريصين على متابعته والتفاعل مع أسئلته، وهذا ما ألمسه من خلال الرسائل التي يتواصل بها البرنامج من مختلف بلدان المغرب العربي، إضافة إلى إصدارات الأدباء التي أتلقاها يوميا من مختلف ثمرات المطابع المغاربية. هذا إضافة إلى متابعة أخرى عربية لا تقل أهمية في دول من المشرق والخليج العربي.
وأضاف: أما ماذا قدم البرنامج، فهو في الحقيقة لم يقدم فقط أسماء وتجارب، بل قدم أسئلة ثقافية وفكرية وأدبية.. في "مشارف" لا نستضيف هذا الاسم أو ذاك فقط لندردش معه حول تجربته ومساره، بل لنشتبك معه في نقاش أدبي حول قضية أدبية بعينها أو سؤال فكري محدد، وهذا هو سر اهتمام الأصدقاء من الأدباء والمبدعين العرب بالبرنامج الذي يتابعونه بانتظام إن على شاشة القناة الأولى التي تقدمه أو قناة "المغربية" التي تعيده ثلاث مرات في الأسبوع، أو عبر شبكة الانترنت في موقع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.. لكل حلقة قضية وسؤال، وأصدقاء البرنامج والمثابرين على حلقاته غالبا ما تمارس عليهم الإشكالات والأسئلة التي يطرحها تأثيرها أكثر مما تغريهم أسماء الضيوف، مع العلم أننا في "مشارف" استضفنا أسماء عربية أساسية من بينهم: أدونيس، وأحمد فؤاد نجم، وسعدي يوسف، والطاهر وطار، ويحيى يخلف، ومحمود شقير، وعباس بيضون، وواسيني الأعرج، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وغسان زقطان، وسعيد الكفراوي، ومحمود الريماوي، وإلياس فركوح، وإبراهيم نصر الله، وموسى حوامدة، حتى محمد الأشعري، وعبد اللطيف اللعبي، وعبد الكريم غلاب، ومبارك ربيع، ومحمد برادة، والطاهر بنجلون، ومحمد سبيلا، ومحمد بنيس.
وأكد: كلّ الأجيال حضرت في البرنامج. من جيل الرواد إلى أدباء التسعينيات وبعض أدباء الألفية الجديدة، لكن عموما الأدب ليس هو كرة القدم أو العاب القوى، حيث يمكن للموهبة أن تظهر وتتألق دون العشرين.. أولاً، لأن عنفوان الروح لدى الأديب يختلف عن عنفوان الجسد لدى الرياضي، وأيضا بسبب بؤس شروط النشر، فالساحة الأدبية لا تكتشف الأدباء الجدد مبكرا، ولهذا فشباب الأدب هم غير شباب الرياضة والموسيقى والغناء، فهم يبقون في الواقع أكبر سنا، كما أن البرنامج ليس مفتوحا في وجه المبتدئين، رغم أنني أبقى سعيدا بكمّ الرسائل التي تصلني من شباب في يفاعهم الأول يكتبون محاولاتهم الأدبية الأولى، ويطالبون بأن تتم استضافتهم في "مشارف".. هذا الأمر يسعدني ويجعلني أفكر بأننا نحتاج بشكل ملح اليوم في إعلامنا العربي إلى برامج ثقافية وأدبية للشباب، على غرار برامج المسابقات المخصصة للمواهب الشابة في الموسيقى والغناء.
خصوصية فلسطين
والمتابع لـ"مشارف" ياسين عدنان يدرك حرصه على الحضور الفلسطيني في برنامجه، حيث استضاف في السنوات الماضية نخبة من الأدباء والشعراء الفلسطينيين، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: يحيى يخلف، ومحمود شقير، وإبراهيم نصر الله، وغسان زقطان، وزياد خداش، ومريد البرغوثي، وخالد الحروب، وأماني الجنيدي، وسليمان دغش، والراحل واصف منصور "الفلسطيني الشهم الذي كان يعيش بيننا في المغرب"، وغيرهم، خاصة حين كانت فلسطين ضيف شرف معرض الدار البيضاء للكتاب العام الماضي، وآخرهم وزير الثقافة الشاعر د. إيهاب بسيسو، في حلقة الثلاثاء الماضية، مع الإشارة إلى أن بعض الحلقات بثت عبر شاشة تلفزيون فلسطين، في إطار التعاون وتبادل الخبرات ما بين التلفزيون المغربي ونظيره الفلسطيني.
وحول الحضور الخاص للمبدع الفلسطيني في "مشارف"، قال عدنان لـ"ايام الثقافة": هذا أمر مهم لكسر العزلة المفروضة على المثقف والأديب والشاعر الفلسطيني، فاستضافة المبدعين الفلسطينيين عربياً يساهم في كسر هذه العزلة التي يعيشونها بفعل المحتل.
ياسين ما بين الأدب و"مشارف"
ويختم صاحب "مشارف": ماذا اضاف لي التلفزيون؟ أو بالأحرى، ماذا أخذ مني؟ قد يكون هذا هو السؤال الأنسب. لأن العمل التلفزيوني خصوصا حينما تسهر على إعداد وتقديم وتصوير برنامج ثقافي أسبوعي مثل "مشارف" ولمدة عقد من الزمن تقريبًا لا يمكنه إلا أن يقلص فرص الالتقاء باللحظة الشعرية التي يجاهد الشعراء لاقتناصها. فُسح الكاتبة قلَّت بالنسبة لي خلال السنوات الأخيرة. وهذا أمر يؤلمني شخصيا. لحسن الحظ أنني مع ذلك أحاول أن أقتنص بعض الوقت للكتابة، خصوصا كتابة السرد والمقالات التي تعطيني بعض التوازن الذي أفقده بالضرورة حين تهجرني القصيدة.
لكن يجب الاعتراف أنني لا أحب ان أتماهى مع "مشارف" تماما. فالساحة الثقافية والأدبية المغربية والعربية لم تكتشفني من خلال "مشارف" لارتبط به إلى هذا الحد. نشرت أكثر من كتاب قبل "مشارف" وكان لي حضوري الوطني والعربي قبل هذه التجربة. بل إن مهمة إعداد وتقديم هذا البرنامج الثقافي عرضت علي بالصدفة بعدما دعاني الصديق الأستاذ محمد نور الدين أفاية إلى برنامجه "مدارات" حينها وخلّف مروري في هذا البرنامج أثرا طيبا، ما جعل أفاية بعدما غادر التلفزيون يرشحني لأواصل المغامرة التي بدأها. طبعا قضيت سنوات الآن أحاول أن أساهم في إثارة القضايا الثقافية الكبرى في المغرب بطرق تساعد على تقريبها من الجمهور الواسع ومن عموم المشاهدين.. يمكن للبرنامج أن يتوقف في هذه اللحظة، أو في اية لحظة، وحينها سأعود إلى مشاريعي الأدبية الخاصة التي أهملتها قليلا بسبب البرنامج لأشتغل عليها بجدية أكبر.
واختتم ياسين عدنان حديثه بالقول: لكن لا أخفي أنني استفدت الكثير من "مشارف". استفدتُ كقارئ بالأساس، ففيما كنت أكتفي بقراءة الإبداع من شعر وقصة ورواية، اضطرني "مشارف" إلى تنويع قراءاتي لتشمل أيضا النقد والفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية. وهذا أفادني كثيراً، خصوصا وأنني أشتغل وحدي بدون فريق إعداد وبوتيرة أسبوعية، وهكذا أكون مضطرا أحيانا لقراءة ثلاثة إلى أربعة كتب من أجل إعداد حلقة واحدة. قد يكون ذلك أمرا مرهقا، لكنني أكتشف في النهاية أنني استفدت كثيراً.
العمل على استضافة وجوه من عالم الأدب والثقافة والفكر والإبداع في المغرب والوطن العربي خاصة، ومناقشتهم في عدد من القضايا التي يعرفها الحقل الثقافي المغربي والعربي، وذلك لقناعته وطاقم برنامجه بجدوى السؤال الثقافي وأهمية المنتوج الرمزي في دعم التحوّلات السوسيوثقافية في المغرب والعالم العربي، بحيث تكون كل استضافة فرصة لمناقشة قضية فكرية أو ثقافية، أو ظاهرة أدبية أو فنية، انطلاقًا من كتابٍ جديدٍ للضيف، أو من مجموع كتبه، أو من خلال إنتاجٍ فنيّ له، أو على خلفية سجالٍ دائرٍ في الساحة الثقافية يكون الضيف معنيًّا به أو طرفًا فيه.
ويحرص البرنامج على نقل هذه الأسئلة، والسجالات، والقضايا الثقافية والأدبية والفكرية والمعرفية إلى عموم المشاهدين بسلاسة وحيوية تجعلها في متناول المشاهد، وتفتحها على إمكانية التداول على نطاق واسع من طرف مختلف الشرائح الاجتماعية بما يساهم في فك العزلة على الأسئلة الثقافية والمعرفية والانشغالات الأدبية والفكرية لنخبة المثقفين، وفق ما أكد عدنان لـ"أيام الثقافة".
ويشدد عدنان: يحرص البرنامج عبر حلقاته المتتالية على الانفتاح على المشهد الثقافي المغربي خاصة، والعربي عامة بمختلف أبعاده وتعبيراته المتعدّدة، حيث حلقاته وفق تنوّع وثراء الساحة الثقافية في بلادنا، كما يخصص البرنامج مع نهاية كل حلقة (وقفة حرّة) تتيح الفرصة لتقديم عنوان جديد قيّم، أو بعضٍ من آخر ثمرات المطابع المغربية، أو اقتراح مختارات قصيرة من المدوّنة الشعرية المغربية أو العربية قديمها وحديثها، وأحيانًا تستغل هذه الوقفة الحرّة لتسليط الضوء بالكثير من التركيز على مسألة أدبية أو فكرية أو لغوية أو قضية ثقافية رائجة.
ردم الهوة
ويسعى البرنامج بشكل أساسي إلى الإسهام في ردم الهوة القائمة بين النخبة الثقافية المغربية والعربية ومجتمعاتها، وللانخراط الجديّ في هذا المسعى، يحاول البرنامج تقديم أكبر عدد من الأفكار والمعلومات والشخصيات الفكرية والوجوه المبدعة حتى يتمكن مشاهدو القناة الأولى من تكوين رأي حول عالم الثقافة في أوجهها الإيجابية المتعدّدة، وإعطاء الكلمة للباحثين والمثقفين وتقريبهم من القناة الأولى لخلق نوع من التآلف بين منتجي الأفكار والتصوّرات الفنية والجمالية في بلادنا والتلفزيون، والمساهمة، كذلك، في إثارة القضايا الثقافية الكبرى بسلاسة تساعد على تقريبها من مدارك الجمهور الواسع ومن عموم المشاهدين، ودعم الكتاب المغربي وترغيب مشاهدي القناة الأولى في القراءة من خلال اقتراح عناوين جديدة وبسط مضامينها بطريقة تحبّب فعل القراءة وتروّج للإصدار المغربي، إضافة إلى العمل على خلق مناخ في الإعلام الثقافي يساعد على تكوين علاقات تفاعلية بين التلفزيون وعموم المشاهدين اعتمادًا على إيقاعٍ حيٍّ وتقديم حيوي.
ولأن الأمر يتعلق ببرنامج ثقافي، فمن الطبيعي، وفق عدنان، اعتبار النخبة الثقافية والفكرية ببلادنا في طليعة الفئات المستهدفة، فكل المعنيين بالشأن الثقافي والمهتمّين بجديد الساحة الأدبية وبأهمّ التصورات الثقافية الرائجة ببلادنا، وبدينامكية الإنتاج والبحث الأكاديميين سيجدون في هذا البرنامج موعدًا أسبوعياً أساسياً.
لكن رسالة البرنامج لن تُنْجَز، كما يرى، على الوجه الأكمل إذا ما اقتصرت الاستجابة على أفق انتظار النخب الثقافية وحدها، فالهدف المركزي للبرنامج، وهو تجسير الهوة بين المثقف والمجتمع، ما يفرض على طاقم "مشارف" الاهتمام أكثر بفئات واسعة من المتعلمين والطلبة والتلاميذ، لينصبّ الجهد على إعادة صياغة الأسئلة الثقافية والآراء والتصوّرات الفكرية بلغة رشيقة سلسة لا تتعالى على المشاهدين، ولا تفرّط بالمقابل في حدود الرّصانة والمسؤولية الواجب مراعاتها في البرامج ذات الطبيعة الثقافية.
الحواريات أولاً
و"مشارف" برنامج حواري أساسًا يبدأ بوقفة لتقديم السؤال المركزي للحلقة، ويتواصل عبر حوار داخل الاستوديو بين مقدم البرنامج والضيف حول قضية ثقافية، حيث يقوم اللقاء على صيغة السؤال والجواب، وذلك من أجل تقديم مشروع فكري أو ثقافي ومناقشته أو تسليط الضوء على تجربة إبداعية معينة، فيما ينتهي الحوار بوقفة حرّة، كما أشار، تفتح شرفة في الختام على "رياض الكتب، وحدائق الشعر، وفضاءات الفكر.
المنافسة في المعترك الخطأ
وفي رد على سؤال لـ"أيام الثقافة"، أجاب: أرى أن المنافسة في التلفزيونات العربية تتم أصلا في المعترك الخطأ. فالتنافس على الرفع من نسب المشاهدة بجميع الوسائل والمواد حتى لو كانت خردة مسلسات مكسيكية وتركية رخيصة أو مجموعة من السيتكومات الملفّقة، والفوز بأكبر نصيب ممكن من كعكة الإعلانات حتى ولو جاء ذلك على حساب هوية القناة والتزاماتها إزاء المجتمع، مثل هذه المنافسة لا أجد فيها رابحاً. لأننا ببساطة قد نكسب المزيد من المشاهدين وبالتالي المزيد من الإعلانات لكننا نخسر الإنسان. وأعتقد أن قنواتنا الوطنية والعربية، خصوصا تلك الملتزمة بواجب الخدمة العمومية، معنية بمصاحبة المشروع المجتمعي الشامل في مجال التنمية البشرية. وهنا لا أتصور أن بإمكان المسلسلات التركية أن تفي بالغرض.
وأضاف: لا بد من إنتاج أكثر جدية: دراما وطنية عميقة وذكية تنصت لتحولات المجتمع وتفتح مشاهديها على خيارات إيجابية هادفة وتُروِّج من خلال أبطالها لقيم إيجابية. برامج إخبارية تقارب مادتها بموضوعية ومهنية وبروح تحليلية نزيهة. وبرامج ثقافية تنتج عن اقتناع بأولوية الثقافة في معركة التنمية البشرية وبناء المواطنة الفاعلة، وتأخذ بعين الاعتبار أهمية وحساسية دور الوسيط التلفزيوني في تثقيف المجتمع خصوصا مع تراجع نسبة القراءة واكتفاء الغالبية العظمى من مواطنينا بالتلفزيون كوسيط يقدم الأخبار والمعرفة إلى جانب دوره الترفيهي.
"يقلقني أن جزءا مهما من الإعلام العربي بدأ يبتعد عن مقاربة قضايا السياسة والمجتمع والفن انطلاقا من منظور ثقافي. فالثقافة باعتقادي لها دور أساسي في تأطير المجتمع وتخليق الحياة العامة وتحصين السياسة والسياسيين من التطرف والمذهبية المنغلقة، وكذا في إضفاء المعنى والروح والدلالة على الإنتاج الفني بمختلف أصنافه. والإحساس بأن بإمكاننا اليوم أن نتطور ونتقدم ونساهم في تحديث الفن والمجتمع بدون حاجة إلى الثقافة وبدون عمق ثقافي أمر يدعو فعلاً إلى القلق".
وأكد: طبعاً الإعلام بشكل عام وليس التلفزيون فقط يتحمل مسؤولية كبرى من أجل تحقيق هذه الوساطة ما بين الثقافة والأدب من جهة والمجتمع من جهة أخرى، لكن المشكلة هي أن الإنتاج الرمزي لا يحظى بالاعتبار اللازم في القنوات العربية لأن منطق الاستهلاك لا يعترف بما هو رمزي. والإنتاج الثقافي والإبداع الأدبي يدخلان في إطار الإنتاج الرمزي الذي يساهم في صناعة الوجدان العام ويرفع من تحضُّر المجتمعات.. والأدب بالخصوص ما زال مظلوما في مجتمعاتنا العربية، وعلى التلفزيون أن يساهم في دعم الأدب والإنتاج الأدبي وأن يعتبر ذلك جزءا من دوره في بناء مجتمعات متزنة، منفتحة، بل وحالمة أيضاً بالمعنى المنتج الخلاق لهذه الكلمة. ولست في حاجة هنا إلى التذكير ببديهية أن إعلامنا السمعي البصري مُطالب بتقديم خدمة عمومية للمجتمع، ومطالب بالمساهمة في مسلسل التنمية الشاملة التي لا يمكن للرأسمال المادي والبشري فيها أن يتطور ويتنمى بمعزل عن رأس المال الرمزي، أي عن الثقافة والقيم. فالإعلام صار اليوم أحد أهم أذرع الثقافة في زمننا الحديث. وإذا تخلى الإعلام عن الثقافة وانساق وراء هاجس الفرجة وتحقيق الرواج التجاري والكسب الإعلاني على حساب الرأسمال الرمزي للأمة فإن مثل هذا الاختيار قد يهدد إلى حد كبير الأمن الثقافي للمجتمع.
ما بعد عشر سنوات
وحول "مشارف" اليوم، وما قدمه منذ انطلاقته، قال ياسين عدنان لـ"أيام الثقافة": بعد ما يزيد على عشر سنوات من عمر البرنامج، يمكنني أن أزعم أن البرنامج صار له حضور طيب وطنيا ومغاربيا، فمثقفو المغرب العربي صاروا حريصين على متابعته والتفاعل مع أسئلته، وهذا ما ألمسه من خلال الرسائل التي يتواصل بها البرنامج من مختلف بلدان المغرب العربي، إضافة إلى إصدارات الأدباء التي أتلقاها يوميا من مختلف ثمرات المطابع المغاربية. هذا إضافة إلى متابعة أخرى عربية لا تقل أهمية في دول من المشرق والخليج العربي.
وأضاف: أما ماذا قدم البرنامج، فهو في الحقيقة لم يقدم فقط أسماء وتجارب، بل قدم أسئلة ثقافية وفكرية وأدبية.. في "مشارف" لا نستضيف هذا الاسم أو ذاك فقط لندردش معه حول تجربته ومساره، بل لنشتبك معه في نقاش أدبي حول قضية أدبية بعينها أو سؤال فكري محدد، وهذا هو سر اهتمام الأصدقاء من الأدباء والمبدعين العرب بالبرنامج الذي يتابعونه بانتظام إن على شاشة القناة الأولى التي تقدمه أو قناة "المغربية" التي تعيده ثلاث مرات في الأسبوع، أو عبر شبكة الانترنت في موقع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.. لكل حلقة قضية وسؤال، وأصدقاء البرنامج والمثابرين على حلقاته غالبا ما تمارس عليهم الإشكالات والأسئلة التي يطرحها تأثيرها أكثر مما تغريهم أسماء الضيوف، مع العلم أننا في "مشارف" استضفنا أسماء عربية أساسية من بينهم: أدونيس، وأحمد فؤاد نجم، وسعدي يوسف، والطاهر وطار، ويحيى يخلف، ومحمود شقير، وعباس بيضون، وواسيني الأعرج، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وغسان زقطان، وسعيد الكفراوي، ومحمود الريماوي، وإلياس فركوح، وإبراهيم نصر الله، وموسى حوامدة، حتى محمد الأشعري، وعبد اللطيف اللعبي، وعبد الكريم غلاب، ومبارك ربيع، ومحمد برادة، والطاهر بنجلون، ومحمد سبيلا، ومحمد بنيس.
وأكد: كلّ الأجيال حضرت في البرنامج. من جيل الرواد إلى أدباء التسعينيات وبعض أدباء الألفية الجديدة، لكن عموما الأدب ليس هو كرة القدم أو العاب القوى، حيث يمكن للموهبة أن تظهر وتتألق دون العشرين.. أولاً، لأن عنفوان الروح لدى الأديب يختلف عن عنفوان الجسد لدى الرياضي، وأيضا بسبب بؤس شروط النشر، فالساحة الأدبية لا تكتشف الأدباء الجدد مبكرا، ولهذا فشباب الأدب هم غير شباب الرياضة والموسيقى والغناء، فهم يبقون في الواقع أكبر سنا، كما أن البرنامج ليس مفتوحا في وجه المبتدئين، رغم أنني أبقى سعيدا بكمّ الرسائل التي تصلني من شباب في يفاعهم الأول يكتبون محاولاتهم الأدبية الأولى، ويطالبون بأن تتم استضافتهم في "مشارف".. هذا الأمر يسعدني ويجعلني أفكر بأننا نحتاج بشكل ملح اليوم في إعلامنا العربي إلى برامج ثقافية وأدبية للشباب، على غرار برامج المسابقات المخصصة للمواهب الشابة في الموسيقى والغناء.
خصوصية فلسطين
والمتابع لـ"مشارف" ياسين عدنان يدرك حرصه على الحضور الفلسطيني في برنامجه، حيث استضاف في السنوات الماضية نخبة من الأدباء والشعراء الفلسطينيين، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: يحيى يخلف، ومحمود شقير، وإبراهيم نصر الله، وغسان زقطان، وزياد خداش، ومريد البرغوثي، وخالد الحروب، وأماني الجنيدي، وسليمان دغش، والراحل واصف منصور "الفلسطيني الشهم الذي كان يعيش بيننا في المغرب"، وغيرهم، خاصة حين كانت فلسطين ضيف شرف معرض الدار البيضاء للكتاب العام الماضي، وآخرهم وزير الثقافة الشاعر د. إيهاب بسيسو، في حلقة الثلاثاء الماضية، مع الإشارة إلى أن بعض الحلقات بثت عبر شاشة تلفزيون فلسطين، في إطار التعاون وتبادل الخبرات ما بين التلفزيون المغربي ونظيره الفلسطيني.
وحول الحضور الخاص للمبدع الفلسطيني في "مشارف"، قال عدنان لـ"ايام الثقافة": هذا أمر مهم لكسر العزلة المفروضة على المثقف والأديب والشاعر الفلسطيني، فاستضافة المبدعين الفلسطينيين عربياً يساهم في كسر هذه العزلة التي يعيشونها بفعل المحتل.
ياسين ما بين الأدب و"مشارف"
ويختم صاحب "مشارف": ماذا اضاف لي التلفزيون؟ أو بالأحرى، ماذا أخذ مني؟ قد يكون هذا هو السؤال الأنسب. لأن العمل التلفزيوني خصوصا حينما تسهر على إعداد وتقديم وتصوير برنامج ثقافي أسبوعي مثل "مشارف" ولمدة عقد من الزمن تقريبًا لا يمكنه إلا أن يقلص فرص الالتقاء باللحظة الشعرية التي يجاهد الشعراء لاقتناصها. فُسح الكاتبة قلَّت بالنسبة لي خلال السنوات الأخيرة. وهذا أمر يؤلمني شخصيا. لحسن الحظ أنني مع ذلك أحاول أن أقتنص بعض الوقت للكتابة، خصوصا كتابة السرد والمقالات التي تعطيني بعض التوازن الذي أفقده بالضرورة حين تهجرني القصيدة.
لكن يجب الاعتراف أنني لا أحب ان أتماهى مع "مشارف" تماما. فالساحة الثقافية والأدبية المغربية والعربية لم تكتشفني من خلال "مشارف" لارتبط به إلى هذا الحد. نشرت أكثر من كتاب قبل "مشارف" وكان لي حضوري الوطني والعربي قبل هذه التجربة. بل إن مهمة إعداد وتقديم هذا البرنامج الثقافي عرضت علي بالصدفة بعدما دعاني الصديق الأستاذ محمد نور الدين أفاية إلى برنامجه "مدارات" حينها وخلّف مروري في هذا البرنامج أثرا طيبا، ما جعل أفاية بعدما غادر التلفزيون يرشحني لأواصل المغامرة التي بدأها. طبعا قضيت سنوات الآن أحاول أن أساهم في إثارة القضايا الثقافية الكبرى في المغرب بطرق تساعد على تقريبها من الجمهور الواسع ومن عموم المشاهدين.. يمكن للبرنامج أن يتوقف في هذه اللحظة، أو في اية لحظة، وحينها سأعود إلى مشاريعي الأدبية الخاصة التي أهملتها قليلا بسبب البرنامج لأشتغل عليها بجدية أكبر.
واختتم ياسين عدنان حديثه بالقول: لكن لا أخفي أنني استفدت الكثير من "مشارف". استفدتُ كقارئ بالأساس، ففيما كنت أكتفي بقراءة الإبداع من شعر وقصة ورواية، اضطرني "مشارف" إلى تنويع قراءاتي لتشمل أيضا النقد والفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية. وهذا أفادني كثيراً، خصوصا وأنني أشتغل وحدي بدون فريق إعداد وبوتيرة أسبوعية، وهكذا أكون مضطرا أحيانا لقراءة ثلاثة إلى أربعة كتب من أجل إعداد حلقة واحدة. قد يكون ذلك أمرا مرهقا، لكنني أكتشف في النهاية أنني استفدت كثيراً.



