-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

قراءة في قصة: " وليمة لأعشاب الحلم " للقاصة د. زهرة عز بقلم : سامي البدري روائي وناقد

   أنثى تربي أحلامها على أعشاب قلبها قراءة في قصة: " وليمة لأعشاب الحلم " للقاصة د. زهرة عز بقلم : سامي البدري/ روائي وناقد 

لعله من بين أجمل صفات الأنوثة هو حرصها على السباحة في بحيرة الحلم وتنميتها له لتمدنا بأفق نرى من خلاله الجمال أولا، ولنرى ما خلف هذا الأفق من مضاضات تصارع الحلم، ثانيا.. هذا أول ما يطالع القارئ وهو يدلف إلى عالم القاصة (زهرة عز) في مجموعتها القصصية الأولى (وليمة لأعشاب الحلم)؛ لأن الأنثى كما ستخبرنا قصص المجموعة لأحقا، هي موضع القلب في هذا الوجود وحياته ومادته... وأيضا جوهر وسبب حلمتيه وأحلامه. وعتبة الدخول هذه، العنوان، ورغم تناصها مع عنونة حيدر حيدر في روايته (وليمة لأعشاب البحر) هي بمثابة دال إشاري على مضاضات ما تنوي خوضه القاصة في كناياتها (القصة كناية بقدر كون الشعر مجاز) عن حيوات بنات جنسها وما يتعرضن له من قسوة وتهميش في المجتمعات العربية، في ذواتهن وكينونتهن وإنسانيتهن، قبل أن يكون هذا الأذى إزدراء وإمتهانا لشخص المرأة في دورها الحياتي وإلإجتماعي والحضاري والثقافي.
سنركز في هذه القراءة على القصة التي حملت المجموعة عنوانها (وليمة لأعشاب الحلم) بإعتبارها القاسم المشترك الذي يستشرف أو تجتمع حول شخصية بطلتها تمزقات ومعاناة باقي بطلات قصص المجموعة، من الشخصيات النسائية.
تستعرض وليمة لأعشاب الحلم حلم بطلة حكايتها (خديجة) عبر التصور الأشد شغبا ومضاضة في غريزة المرأة: حلم جمالها... أو حلمها بالجمال، والذي تختصره، القاصة زهرة، بمقولتها: هل هناك أقبح من وجه امرأة خانتها مرآتها فلم تصحح عيوبها؟، والذي تحشر جميع طبقات محمولاته الرمزية في المرآة، كشقيقة وعاكس لوجه المرأة، وأيضا كهوية ومستعرض لبهجة أنوثتها وتجسيدها الفردي والكياني، داخل إطار بنية ثقافية لمجتمع لا يرى المرأة إلا عبر جسدها وفتنة تضاريسه.
ولنبدأ بتفكيك مقولة الناصة (هل هناك أقبح من وجه امرأة خانتها مرآتها فلم تصحح عيوبها؟) والتي يبدو نصها المعلن أو مقولتها المعلنة وإشاريته كنقد موجه لسلوك وثقافة المرأة (في تمحورها حول جمال جسدها وأثره في الرجل)، في حين أن نصها الغائب أو مقولتها المضمرة هي نقد وتعرية لمحمولات البنية الثقافية الاجتماعية وركائزها الذكورية، التي تقوم على النضرة الدونية والإقصائية للمرأة.. المقولة تأتي بصيغة الاستفهام وتساؤل الجملة الفعلية: هل هناك أقبح من وجه امرأة خانتها مرآتها فلم تصحح عيوبها؟، والتساؤل الذي تضعنا في مواجهته مع ذواتنا الناصة هو، كمجتمع ذكوري وكبنية ثقافية ذكورية: من هي مرآة المرأة التي يجب أن تكمل ذاتها، لوح الزجاج الأصم أم ذاتها المكملة الرجل؟ وهل تصحيح العيوب تصنعه أصباغ وألوان مواد التجميل أم تقويم الرؤية الثقافية وتوسيع الأفق المعرفي/البنائي للوعي والشخصية؟ هذا السؤال تجيب عليه الناصة، في سياق حدث القصة الذي تبدأ به العرض أو الحكي: في أول ساعات الفجر التي هي موعد عودة خديجة من عملها في الملهى الليلي... والدموع تسيّل كحل عينيها وآثار قيء الكحول تلطخ أصباغ خديها.. في تلك اللحظة، وهي تتحاشى أن يراها جارها الخارج لصلاة الفجر (القاصة تطرحه كممثل للسلطة الدينية والاجتماعية بحكم كونه رجل دين) إلى أي مرآة تحتاج خديجة لإصلاح عيوب وجهها؟ وقبل هذا: هل عيوب خديجة تتمثل في تشوه مساحيق تجميلها، بعد ليلة عمل أجبرتها عليه ظروفها القاسية، أم في إصلاح وضع إجتماعي وثقافي مختلين؟
المرآة لا تخاصم وجها إلا بقدر ما يتجمل به أمامها... هل قالها أحد قبلي؟
ومرآة طاولة زينة غرفة خديجة لم تخاصمها يوما، وهي تضع مساحيق التجميل على وجهها، قبل ذهابها للعمل في الملهى الليلي.. من خاصمها مرآة شريكها في العملية الحياتية: سائق التاكسي الذي سبق حميد..، جارها رجل الدين الذي ينظر إليه بعين الاحتقار والازدراء والاستنكار والتكفير بسبب عملها غير اللائق و... و.... وربما إبنها، الذي يحرمها عملها القاسي من احتضانه ليلا، بعد أن يكبر ويعرف أن أمه تمارس عملا غير لائق اجتماعيا.. وهذا ما تضعنا زهرة عز أمامه دون تساؤل مباشر: ولكن من هم زبائن عمل خديجة غير اللائق هذا؟ وهذا السؤال أكثر بداهة من أن نجيب عليه.
أي مرآة ستصحح عيوب هذا الوجه/الوضع المختل؟ القاصة لا ترى لبطلتها غير الحلم، فتترك لها مساحة سريرها لتقيم عليه وليمة لأعشابه، قبل أن يأخذها إنهاك يومها المضني إلى عالم النوم.. هل هذا هو الحل؟... لحين أن تصحو المرآة الحقيقية من سباتها.. ولكن خديجة لن تنتظر تلك الصحوة... بل ستربي أعشاب حلمها وتقيم لها كل ليلة وليمة.. الحلم نافذة مقموعة نعم... لكنها في النهاية نافذة ستفتح وتبتسم، ذات فجر، على أفق غير أفق عودة خديجة وهي مزدراة وتلاحقها عيون التشكيك والطعن في كرامتها...الحلم في المرآة التي تبتسم لحلم خديجة لا لأصباغها.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI
  1. منذ فترة وأنا لم أقرا ما يجعلني أحبس أنفاسي لحين إنتهائي منه، لكن عندك ياZahra Azz كل ما يثمل فأنتِ ممشوقة القوام في الحرف والوصف. ورائعة في الشكل والمضمون .
    لحرفكِ دوامة هذيان وبين سطوركِ ومضات باذخة ، تتموسقين فتغدو كما الألحان الموسيقيّة الرقيقة و تتعالى عباراتكِ منابر اللهفة
    لترسو بنا إلى عالم السماء .
    أحيّي فيكِ من قلبي هذا النجاح وفرض وجودك وإثبات قدرتك على كسب رهان التحدي واختراق مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية.

    ردحذف




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا