لم يعد يمر يوم دون أن نسمع عن تفجير ما أو إطاق نار في عمل ارهابي يذهب ضحيته عشرات وربما مئات الضحايا الابرياء ليس لأحدهم ذنب سوى أن حظه أوقعه في مكان
وزمان قرر فيهما احد المجانين المهووسين بتطبيق شرع الله أن يقتل بإسم الله، الصدمة في عملية الأمس لم تكن لكثرة الضحايا أو جنسياتهم لأن التفجير تم في المسجد النبوي الشريف (مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة).
وقد قابل هذا العمل موجه من الاستنكار والرفض أن يكون مسلم هو من تجرأ على مسجد الرسول، وهي واحده من موجات الرفض المتعددة والمتتالية لرفض أن داعش وأخواتها هي نتاج الفقه السلفي و المنهج الوهابي.
والمقصود بالسلفيين أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوصف وظهروا بمنهجهم في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، بعد أن أحيا شيخ الإسلام “ابن تيمية” هذا المنهج وشدد في الدعوة إليه، ثم ظهرت تلك الآراء التي دعا إليها ابن تيمية في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري وأحياها “محمد بن عبد الوهاب”
لعل واحده من ابرز القضايا التي اثارها ابن تيمية في عصره هي : زيارة قبور الصالحين وقبر النبي عليه الصلاة والسلام، إذ يقرر أنه لا يجوز النذر للقبور أو لسكان القبور، أو العاكفين على القبور، وإن من يعتقد أن هذه النذورباب الحوائج إلى الله، وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق. فهو مشرك يجب قتله. المصدر: مجموعة الرسائل والمسائل، ج١، ص٥٥.
وأن النتيجة المنطقية لهذا أن زيارة قبور الصالحين بقصد التبرك أو التيمن أو التقرب إلى الله لا يجوز، وإن كان لقصد العظة والاعتبار.
كما قرر أن زيارة قبر النبي للتبرك لا تجوز، وذلك لأن النبي نهى عن أن يتخذ قبره مسجدا حتى لا يزار. فقد جاء في صحيح البخاري (١٦٨/١، رقم ٤٢٥) عن السيدة عائشة أن رسول الله قال في مرض قبل موته ((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وأن النبي دفن في بيت السيدة عائشة على غير ما اعتاد الناس لكيلا يتخذ قبره مزارا.
وقد بنى أبن تيمية رأيه تحريم زيارة الروضة الشريفة خشية الوثنية وتقديس النبي محمد، ولم يأخذ في الحسبان أن زيارة الروضة الشريفة لو كانت تقديس فهي تقديس للمعاني التي بعث بها النبي وتذكير بالصبر و الوحدانية والجهاد و التسامح، واعتبار بسيرته وهديه.
ورغم أن ابن تيميه روى عن الإئمة والصحابة من تسليمهم على النبي كلما مروا بقبره وكانوا يذهبون إليه كلما هموا بسفر أو أقبلوا من سفر، إلا أنه استنكر زيارة الروضة. وذكر في ذلك في سنن سعيد بن منصور بن عبدالله بن حسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي فقال ناقلا عن النبي قولا : ((ولا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي، فإن صلاتكم حيثما كنتم تبلغني)) ، فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء
وأنهم دفنوا الرسول في حجرة عائشة، خلاف ما اعتادوا من الدفن في الصحراء، فلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا، وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبدالملك لا يدخل أحد منهم إليه، لا لصلاة هناك، ولا تمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل جميعه إنما كانوا يفعلوه بالمسجد، وقال أكثر الأئمة يستقبل القبر عند الدعاء، بينما قال ابن تيمية يستقبل القبلة عند الدعاء.
كانت هذه الفتوى في العام ٧٠٩ هـ ، واستغلها العلماء في عام ٧٢٦ للكيد بإبن تيميه وحركوا السلطان الناصر والعامة ضده ، فحبسه السلطان في القلعة بدمشق واقام على خدمته اخوه زين الدين بإذن السلطان، حتى مات في شوال من عام ٧٢٨ هـ.
جاءت الوهابية لتحيي مذهب ابن تيمية على يد منشئها محمد بن عبد الوهاب، بعد أن درس مؤلفات شيخ الاسلام وتعمق فيها، وهو لم يزد عليها بل نقلها من الحيز النظري إلى الحيز العملي وشددوا فيها أكثر مما تشدد ابن تيميه نفسه
فإن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار انهم يحاربون البدع ، وهي منكر تجب محاربته من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد قادت الفكرة الوهابية في ميدان الحرب محمد بن مسعود جد الاسرة السعودية الحاكمة للأراضي العربية ، وقد كان صهراً للشيخ محمد بن عبد الوهاب واعتنق مذهبه وتحمس له ، وأخذ يدعو إلى الفكرة بقوة السيف، بهدف إقامة السنة وإماتة البدع.
وفي شأن مسجد رسول الله الذي حرم ابن تيمية الدعاء فيه و زيارته والصلاة فيه، فإن الوهابيين زعموا أن وضع ستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي؛ ولذلك منعوا تجديد الستائر التي عليها، حتى صارت باليه، و رأوا أن قول سيدنا محمد بدعة لا تجوز.
ويلاحظ أن علماء الوهابية يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي آراء غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب، ويعتبروا المخالفين لهم كفار.
ولم يقف عنف الوهابية عند حد هدم الأضرحة وتخريبها في القرى و المدن التي كانت تتمكن منها، بل أنهم هدموا “القبور الظاهرة” ولما آل إليهم الحكم في البلاد الحجازية هدموا كل قبور الصحابة وسووها بالأرض، ومن يزور البقيع لن يجد سوى إشارات تومئ إلى موضع القبر، وقد اجازوا زيارتها وإلقاء السلام.
وقد تصدى الملك عبد العزيز آل سعود لهم وجعل آرائهم إلى حد ما لانفسهم دون غيرهم ، ووضع ستائر جديدة محل القديمة البالية بعد تجديد المسجد، إلا أن الفكر الوهابي ينتشر في العقول ، وتجاوز حدود بلاد الحجاز مع الزمن ليسيطر على اغلب افكار المسلمين.
حتى أصبح من غير المستغرب أن يقتل مسلم عشرات ومئات وآلاف المسلمين بداعي تطهيرهم لإبتعادهم عن منهج رسول الله، وغير المسلمين بداعي كفرهم، وأن يفجر مسلم المسجد النبوي ويقتل من الابرياء فيه لأنهم وفق منهج شيخ الاسلام ابن تيميه وثنيين ومبتدعين في الدين. أو بداعي أنهم شيعه خوارج واخطر على الاسلام من اليهود.
ذلك منهجهم ،،، فلماذا تبدوا عليكم علامات التعجب!!!


