-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

في فرنسا: الإنترنتي إرهابي.. ولو أثبت العكس روجيه عوطة

قرّت فرنسا، مؤخراً، قانوناً جديداً يتعلق بـ"مكافحة الإرهاب"، واعتبر برلمانها أن العمل به بمثابة بديل عن حالة الطوارئ المعلنة في البلاد. إذ يشرع إجراءات التحري
والإستخبار والتنصت والمداهمة، عدا عن إجراء بعينه، وهو توقيف ومعاقبة متصفح المواقع الجهادية على الشبكة العنكبوتية.
وبالفعل، اعتقلت الشرطة، الخميس الماضي، أحد المقيمين في مدينة شارتر بتهمة مواظبته على زيارة تلك المواقع، وعلى مشاهدة فيديواتها العنيفة، فضلاً عن تفتيشه الدائم عن الأسلحة في المتاجر الإلكترونية. وبعد التحقيق معه، وعلى الرغم من كون "إرهابيته" غير منجزة، بل متوقعة فقط، حُكم عليه بالحبس عامين، وبغرامة بلغت ثلاثين ألف يورو. فهذا "الشارتري" تحول من إنترنتي إلى "إرهابي" مرجح، لذا، اقتضى قطع الطريق عليه ومحاسبته.
على إثر ذلك، من الممكن القول أن القانون الفرنسي الجديد يوسع الأرض، التي تسودها الدولة، فاتحاً لها رحاب الإفتراض، حيث بمقدورها الآن أن ترصد سكانه، وتضبطهم بـ"الجرم المشهود"، أي الدخول إلى المواقع الجهادية. فبحسبها، يكفي أن المستخدم الإلكتروني يزور هذه المواقع، حتى يضحى في "دائرة الإتهام". ويكفي أن يطّلع على محتواها، حتى تحوم حوله "الشبهات". وبالإستناد إلى وضعه هذا، من المحتمل أن يضحى إرهابياً، خصوصاً عند تعرضه للتغرير والإستمالة.
فالمستخدم هنا هو مستخدم هش، وزيارته لبعض المواقع تعني إنخراطه في صفوف مشغليها، واطلاعه عليها يعني طاعته لهم. ونتيجة قلة فطنته ودرايته، ثمة خوف عليه وخوف منه، تالياً، لا بد من حمايته، وفي الوقت ذاته، التصدي له، من خلال حراسته، وتوقيفه، والإقتصاص منه.
لا مبالغة في الإشارة إلى أن ذلك القانون يشرّع ما يمكن تسميته بـ"حالة الطوارئ العنكبوتية"، التي تأخذ دولتها من سلوك المستخدم دليلاً على إرهابيته المرجحة. ومع أن هذا الدليل ليس دقيقاً، بل هو ملتبس للغاية، لكنها لا تتردد في اعتماده كعلامة على جرم صاحبه، أو بالأحرى أصحابه.
فكل المستخدمين قد يعمدون إلى زيارة المواقع الجهادية، للتعرف على "عدوهم"، والإلمام به على الأقل. وما أن يقدموا على "فعلتهم" هذه، حتى يسقطوا في الكمين البوليسي. كما لو أن الدولة تترك لهم "حرية التنقل" في الإفتراض بهدف التأكد من صلتهم بالجهاد، وعندما يكشفون بسلوكهم عن هذه الصلة، تعتقلهم. الإنترنتيون "إرهابيون" بالضرورة، ولما يدخلوا إلى مواضع "عدوهم"، يتحولوا إلى "إرهابيين" بالقوة. بمعنى آخر: تعرّفهم على "العدو" يساوي استجابتهم له، يساوي جرمهم.
كتب جورجيو أغامبن مرةً أن "الحرب على الإرهاب" هي ضرب من ضروب التعبير المتناقض. فالحرب عادةً تشترط على خائضيها أن يحددوا عدوهم. لكن حرب الدولة الأمنية، تبقي عدوها مبهماً وغامضاً، وبالتالي، سانحا ًومتاحاً، ما يفسر عدم حجبها مواقع الجهاد الإسلامي، ما يؤدي إلى تحويلها أي "مواطن" من "مواطنيها" إليه.
فـ"المواطن" مرهوب، لكنه، رهيب أيضاً. ولذلك، سبيله المفترض إلى الإرهاب قصير جداً، لا سيما بعد الكلام عن دور الإنترنت في تجنيد المماثلين له. وعليه، "حريته الإلكترونية" قد تشكل خطراً عليه وعلى غيره، وهذا يستلزم وضعها تحت السيطرة، وإحكام الهدف منها. فإذا حملته إلى صفوف الجهاديين، ضبطته الدولة، وإذا لم تحمله إليها، ترقبت ضبطه. فالإنترنتي إرهابي حتى لو أثبت العكس.
من أجل الرد على معارضيهم، الذين اتهموهم بالتضييق على الحريات، قال مشرّعو حالة الطوارئ الإنترنتية، إن قانونهم لا يسري مفعوله على المستخدمين الذي يدخلون إلى المواقع الجهادية بـ"حُسن نية". إلا أنهم لم يحددوا معنىً واضحاً للـ"النية الحسنة"، ولا كيفية الجزم بها. أبقوا على إلتباسها، لتكون ذلك المنفذ الذي يلوحون به، ومثلما يريدون، للتستر على بوليسية قانونهم.

لكن، ومهما كان هذا المنفذ مموهاً، فهو يطيح بمسلّمة من مسلّمات كل قانون، وهي أنه يحاسب على الأفعال وليس على النوايا. ففي حالة الطوارئ، لا يميز القانون بين الفعل والغاية منه، بل ينطلق من الثانية ليحاكم على الأول.. وهكذا، ينقلب رأساً على عقب.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا