حوار مع الفنانة التشكيلية عائشة عز:
"الجسد الأنثوي المنهك في لوحاتي هو جسد
بلدي"
-
من هي الفنانة عائشة عز وكيف تصنف تجربتك
التشكيلية ؟
انتمي لأسرة مغربية بسيطة ولكنها مثقفة، تربينا
أنا وإخوتي على أن القراءة جوهر الحياة، وأن الفن هو روحها وقلبها النابض، وهذا ما جعل العائلة تزخر
بفنانين وكتاب، وباحثين ، بمعنى أني تنفست في جو إبداعي وثقافي فكري بامتياز، خاصة
وأن والدي أطال الله في عمره كان مولعا بالمسرح
إلى جانب نضاله النقابي، وحتى والدتي رحمها الله التي ألهمتني عشق الفن والجمال،
كانت متمردة على أعراف الجمود والتخلف، وكانت
تعتبر الفن أجمل شيء في الحياة. كل هذا جعلني
أهوى الفن التشكيلي، كشكل من أشكال إعادة ترتيب العالم، خاصة فيما يخص القضية النسائية،
التي ناضلت من أجلها لعدة سنوات، وقد ألهمني أخي الفنان التشكيلي عبد الله عز ، وجعلني
أكثر عشقا للتشكيل، وأنا اعتبره أستاذي وملهمي.
تجربتي التشكيلية حسب العديد من النقاد، تنتمي إلى
الفن التشكيلي المعاصر الذي يربط التشخيص بالتجريد، وفي هذا يمكن القول أن تجربتي مدينة
للفنانين العالميين ماتيس وبيكاسو، وطبعاً وفق رؤيتي الخاصة للعالم والأشياء، حيث أن
ثقافتي المغربية المتعددة الروافد تجد تجلياتها في لوحاتي من خلال الاشتغال على الجسد
الأنثوي المنهك الذي اعتبره امتداداً لجسد بلدي.
كما أشير إلى أني عصامية التكوين الفني والتشكيلي، إذا لم يسبق لي أن ولجت معهدا
أو مدرسة للفنون الجميلة. في البداية كان متنفسا لي في الحياة التي أنهكها الروتين
والملل، لكن سرعان ما تحول هذا المتنفس الى
عشق احترافي كبير، حيث أصبحت اللوحة جزء من حياتي اليومية.
-يهيمن الجسد الأنثوي على لوحاتك. ما هي
دلالة هده الهيمنة؟
هذه الهيمنة الأيقونية في لوحاتي ناتجة بالأساس
عن اهتمامي بالقضية النسائية التي شغلتني لأكثر
من عقدين من الزمن على مستوى النضال الحقوقي والنسائي، إذ أني اعتبر أن المرأة وعكس
ما يعتقد الرجل المغرق في الهيمنة الذكورية ليست مجرد جسد أو آلية للتكاثر والتناسل،
فالسجد الأنثوي هو كيان ووجود مستقل، ومانح للحياة والحضارة، ولذلك فتركيزي عليه هو
في العمق ثورة من داخل منظومات التقليد والتخلف الذي سجن الجسد في بوثقة الفحولة المتخيلة.
-
كيف يمكن تفكيك الهيمنة الذكورية من خلال الفنون؟
تفكيك الهيمنة الذكورية لا يمكن أن يتم دون تفكيك
الجسد نفسه، وجسد المجتمع وتحرير من عقده ومكبوتاته، ولذلك فتحرير الجسد من ملابسه
وحجبه في لوحاتي هو تحرير للجسد الانثوي من أمراضه الهيمنة الذكورية يتأسس على
تفكيك مفهوم العري والعورة في ثقافتنا التقليدانية، وهنا أذكرك بحادثة وضع متحف
محمد السادس للفن المعاضر لمناديل على لوحات فنية لأجساد نسائية عارية، بدعوى حجبها على الزائر المغربي، مادام المعرض كان يجهز
للزائر الأجنبي. إن الخوف من الجسد الأنثوي، وتبرم عدد من صالات العرض لعرض بعض لوحاتي
بدعوة اشتغالها على الجسد الانثوي، ينم عن عقدة خوف من الحياة نفسها، ولذلك فتحرير
المجتمع من التخلف والجهل يتم حتما عبر تحرير الجسد من كل حجبه.
-كيف ترى عائشة عز الفن التشكيلي في سوق
الاستهلاك الرمزي بالمغرب. وكيف تقيم ثقافة المغاربة التشكيلية في ظل الأمية والجهل
وفشل المدرسة المغربية؟
للأسف، وحتى أكون صادقة، أقول بأن الاستهلاك الرمزي
للفنون بشكل عام جد متضرر، ومحتشم ونخبوي، لكون عموم الشعب لا يملك ثقافة فنية وجمالية،
ولا يعتبر الرأسمال اللا مادي والرمزي مهماً
نظراً لتفقير الدولة لعموم الشعب فنياً وجمالياً، وهذا ما يتضح جليا في عدم اهتمام
مؤسسات الدولة، ووزارة الثقافة بالفن والفنانيين، خاصة في ظل سوق فنية يهيمن عليها
مرتزقة ولصوص، في ظل لوبيات مافيا اللوحات التشكيلية، التي تعمل على تفقير الفنان المغربي،
خاصة في غياب ترسانة قانونية لحقوق الفنان. وكم من فنان يبيع لوحاته بثمن بخس، في حين
أن الوسطاء والسماسرة يبيعونها بالملايين. إن ثقافة المغاربة الفنية، بشكل عام في ظل
مدرسة تقليدية ومتخلفة، هي بكل تأكيد ثقافة محافظة ومتحجرة تحرم الفن والحياة وتنتصر
لثقافة الحجب والتخلف. إذ كيف يمكن الحديث
عن الاستهلاك الفني، وثقافة المغاربة التشكيلية في ظل الجهل والامية، وفشل المدرسة
المغربية في خلق أجيال مثقفة وحاصلة على ثقافة
فنية وجمالية.
-باعتبارك قيادية سياسية كيف يمكن للفن والثقافة
تحديث الأحزاب السياسية ودمقرطة المشهد السياسي ؟
إن الثقافة والفنون هي مدخل أساسي للتغير المجتمعي،
ولذلك لا يمكن الحديث عن الانتقال الديموقراطي والحداثي في أي مجتمع إلا عبر مؤسسات
تؤمن بالثقافة وتعتبر الفن حقا من حقوق المواطنين، من هنا فإنني أرى أن انتصار الأحزاب
في برامجها للثقافة والفن هو السبيل الوحيد للرقي والتطور والبناء الحضاري، ولهذا فإن
الانخراط الحزبي يجب أن يكون مرتبطاً على مستوى خلفياته بالفن والثقافة، والقطع مع
الأمية والجهل الذي يميز عددا من السياسيين الحزبيين، وفق منطق مول الشكارة. إن تكريس الحقوق الثقافية المهدورة في مغرب اليوم، وتشجيع الثقافة الجمالية
والفنية يمنح الشعب القدرة والإرادة على البناء والخلق والابتكار، وعلى اكتساب القيم
الإنسانية الكونية، ولذلك لا يمكن الحديث عن
الديمقراطية إلا في ظل مشهد سياسي حديث وحداثي ينتصر لقيم المساواة، الاستحقاق، المحبة، الاختلاف والتعايش والسلام عبر الثقافة
والفنون.
-كيف تقييمين حضور المرأة في المشهدين الثقافي والسياسي.؟
للأسف نعيش مفارقة كبيرة جداً ومحزنة جدا، فبالرغم
من أن المرأة لها حضور أساسي وجوهي في التنمية الاجتماعية، والاقتصادية، فإن النسق
السياسي المغربي الموغل في ذكوريته وهيمنته الفحولية، يحرم المرأة من حقها الدستوري
والوجودي أساساً في وضع اعتباري محترم، يحمي
كرامتها وإنسانيتها ويجعلها رقما صعباً في
المشهد السياسي، وهذا ما ينطبق على المشهد الثقافي المغربي الذكوري بامتياز،
والذي يعاني بدوره من قلة الاهتمام من لدن المسؤولين والقطاعات الحكومية ذات الصلة،
ويمكن الاستدلال هنا بنصيب وزارة الثقافة من الميزانية العامة للحكومة.
كل هذه الأسباب والعوامل تجعل المرأة ثقافيا وسياسيا
في وضع مخجل، في دولة تصبو نحو انتقال ديمقراطي يمكن اعتباره عسيراً جداً، وهو يحرمها
من المواطنة الكاملة، ويعتبرها مجرد رقم إحصائي. ولهذا أجدد دعوتي إلى كل الفاعلين
في مشهدنا السياسي والثقافي من أجل الدفع بالمرأة إلى مراكز القرار والمسوؤلية في كافة المجالات وفق تمثيلية
ديمقراطية تتأسس على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية، حيث لا تنمية بشرية مستديمة
بدون مشاركة فعلية للمرأة إلى جانب الرجل.
حاورها:
بشير شقرافي


