حاولت الحضارات القديمة شق طريق الخلود والأزلية
متأثرة بتاريخ الآلهة وصراعهم من أجل إقامة الحياة على الأرض وانفراد كل منهم بمهام
ليستقيم حالها وحال البشر معا
كما أراد جلجامش فهم سر البقاء ومحاولته الإرتقاء إلى
مصاف الآلهة والخلود معهم في عالمهم الخاص لكن " تبوء هذه المحاولة بالفشل وتسرق
الأفعى سر الخلود عندما نام هذا الأخير لكن ترى جلجامش بطل تخلده الأسطورة والحكايات
وتخلد المعابد وبقايا الأثريات سلالات الحكم في الشرق القديم.
فإلى جانب الكتابة المسمارية التي ميزت الإنسان
أولا أين بدأ يدون تاريخه وتحضره على قاعدة صلبة وثانيا الشرق القديم الذي يرجع له
فضل هذه المحاولة المتقدمة في الزمن أين نرى حكام تلك الفترة مفتونين بفكرة الخلود
وتشييد معالم مدنهم التي غالبا ما تتعرض للهزات والحروب فتتهدم ويعاد بناءها وعمرانها
ومما أثار إنتباه علماء الآثار ودارسي الحضارات وتاريخ التمدن البشري معلم حضاري مميز
تلتقي فيه حضارات الشرق القديم مع إبداعات الحضارة الفرعونية إن هذا الأثر هو المسلة.
فالمسلة عمود حجري تستغل جهاته الأربعة لتكون مساحة
لكتابة عمل جبار أو حدث تاريخي ميز تلك الفترة تتزاوج فيه الصور والنقوش مع الكتابة.
ونظرا للطبيعة الجيولوجية لتلك المنطقة كانت مادة
هذه المسلات الرخام، البازلت، المرمر وربما عدة أنواع غير قابلة للنقش والكتابة والتصوير لذلك عمد فنانو تلك المرحلة
إلى استعمال هذه الأنواع فقط والتي تراوح ارتفاعها بين 90 صم و 222,5 صم وغيرها من
الأطوال التي يمكن أن تفرزها حفريات جديدة لتلك المناطق.
وعن مواضيع النقوش والكتابة فقد اعتبرت المسلة وثيقة
أثرية مهمة أمدتنا بالعديد من النصوص التي تؤرخ لفترات محددة لتلك الحقب ومن بينها
مسلات الحروب والمعاهدات، الكهنوت والإنجازات الكبرى التي يقوم بها ملوك الأرض في تلك
الأزمان .فهذا "مسيليم" الملك المحارب نصب على الحدود بين مقاطعتين مسلة
تعين الحدود وشروط الصلح أو عند مسلة العقبان الشهيرة لصاحبها الملك" اي اناتم
" التي تخلد انتصاراته وقد اعتبرها الدارسون لهذا الأثر من أجمل المنحوتات في
الفن السومري.
و"مانشتوسو" قد دون أعماله الحربية والإقتصادية
والسياسية على مسلة هرمية من حجر الديوريت كما رسم "شلمنصر الثالث " تفاصيل
حملاته العسكرية على مسلة كبيرة من حجر أسود.
ويظهر "نرام سن" 2260 ـ 2223 ق.م على
رأس جيشه في منطقة جبلية صعبة وغيرها من المسلات التي تحكي تلك الصراعات الدموية ونظرا
للإرتباط العضوي بين الملك الكهنوت والمعابد فإن الملوك غالبا ما يجددون العهد مع الهتهم
التي تمنحهم العون في انتصاراتهم على الأعداء وذلك بتشييد معابد جديدة أو بإضافة أجنحة
وأروقة بعد كل انتصار أو في الإحتفالات المتكررة
التي تقام بالمعابد فهذا "أورنمو" 2111 ـ 2094 ق.م خلد ذكرى تشييده لمعبد
"نانا" الاله القمر على مسلة من حجر كلسي بني اللون كما وجدت مسلة لـ
"أداد نيراري الثالث" بتل الرماح أين يقف أمام رموز الآلهة.
وهذا تل النيرب في سوريا العليا عرف بمسلتين مأتميتين
الأولى لأحد كهنة الاله القمر والثانية مأدبة جنائزية للكاهن الأرامي "اجرار"
تعود إلى القرن السادس ق.م(1).وبقية المسلات تتحدث عن اله العاصفة، الاله بعل الراعد وغيرهم من الآلهة.
وفي المتحف العراقي مسلة من حجر بركاني أسود (بازلت)
عليها بالنحت البارز شخصان يصطادان الأسود بالنبال أو الرماح وقد رسما بطريقة المنظور
(البرسبكتيف) وتعتبر هذه المسلة من أقدم المنحوتات العراقية بهذا الحجم وجدت في الوركاء
ويرجع زمنها إلى حدود 3000 ق. م (2).
أما ما ميز المسلات الشرقية وأعطاها البعد الرمزي
والتاريخي والفني مسلة من الديوريت اسطوانية الشكل"في أعلى هذه المسلة نقش بارز
يمثل الاله شمش سيد العدالة يملي شريعته على حمورابي الذي يظهر واقفا في وضع خشوعي
للدلالة على أن هذا التشريع الملكي هو من كلام الله أما الشريعة فهي محفورة على الأسطوانة
وتحتوي على 282 مادة موزعة على 34 عمودا وتقرأ أحرفها المسمارية من أعلى إلى أسفل
(3).
ونظرا لما لهذا الأثر من قيمة فنية ورمزية حتى في
تلك الأحقاب فإنه كان محلا للأبهة والتفاخر وموضوع لغنيمة حرب فهذه مسلة شريعة حمورابي
وجدت في سوس حيث نقلت إليها كغنيمة حربية في القرن 12 ق.م
ووقع نفس الشيء لمسلة إله العاصفة الحثي نقلت من
سوريا الشمالية إلى بابل خلال القرن
9 ق.م.
كما نقل "اشور بانيبال Ashorbanipal اثنتين منها إلى نينوي" (4) زمن الإمبراطورية
الآشورية الثانية 745 ـ 612 ق.م أين أتى بهما من مصر لتكون في الأخير أروقة المتاحف
العالمية مكانا مميزا لمثل هذا الأثر النوعي فهذه مسلة اله العاصفة الحثي بالاستانة،
مسلة "اورنامو" بفيلا دلفيا، مسلة "شلمنصر
"IIIبالمتحف البريطاني أما متحف اللوفر فقد احتفظ بالعديد منها ومن
بينها مسلة شريعة حمورابي ، مسلتي تل النيرب، مسلة العقبان، مسلة الاله بعل الراعد
وغيرها لأن استعمل الكشيون المسلات لطلب حماية الآلهة أو الآشوريين الذي رسموا عليها
ملوكهم والهتهم إلا أن المسلات تبقى أثر متميز مازال يتطلب مزيدا من البحث والتنقيب
في أبعاده الكهنوتية أولا والفنية الجمالية ثانياومن ضمن ما تعكسه من تميز تنقلها من
موقع لموقع ومن متحف لمتحف كغنيمة حرب، أو وصاية مستعمر تطرح في الأخير إشكالية استرجاع
مثل هذه الأثريات إلى بلدانها الأصلية.
المراجــع:
1-معجم الحضارات السامية ـ هنري س. عبودي
ـ جروس برس ـ طرابلس
بيروت طبعة ثانية 1991 ص 869
2- الذاكرة الأولى ـ عبد الحكيم الذنون ـ دار
المعرفة ط 2. 1993 ص 51
3- معجم الحضارات السامية ص 365
4- معجم الحضارة المصرية القديمة : مجموعة
مؤلفين ترجمة : أمين سلامة مراجعة د . سيد توفيق ـ الهيئة المغربية العامة للكتاب ط 1992 ص 232


