-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

آداب واقعية أم شعبوية أم سِفَاحُ قُربى؟ منصف الوهايبي

ثمة في تاريخ الآداب، ظواهر أدبية قد تختفي حقبة؛ ثم نجدها تعود بكل قوة، في حقبة أخرى. ونقدر أن من يتابع حركة الأدب في مجتمعاتنا العربية (الشعر والرواية) قد
يشاطرنا الرأي في أن قليلا أو كثيرا منها، مما يصعب حده أو تصنيفه تصنيفا دقيقا، وربما لا غرابة في الأمر، فالمسألة كما تعلمْنا لا تتعلق بالأجناس الأدبية قدر تعلقها بأدبية الأجناس، وبأشكالها المتغيرة التي لا تستقر على حال. وطالما اعتبرنا أن مدار الخطاب إنما هو على ذات وعلى خبرتها باللغة وبالعالم، أمكن أن نتوقع تبدلات الشكل والأسلوب؛ وأن نتقبل حتى أكثرها غرابة وشذوذا، بحيث نرى القيمة الجمالية في المتغير من الأشكال، أكثر مما نراها في نموذج يُحتذى أو قاعدةٍ – معيارٍ يُمتثل بها. وهذا لا يعني أن القاعدة شأن نقدي ليس إلا، أو أن النص طليق من أي قاعدة، أو هو يسوح حيث أراد وأينما شاء له سبيله المرسوم.
 في آداب العرب اليوم، وحتى قديمها؛ نصوص كثيرة تنم عن إفادة من المخزون الثقافي الشعبي والذاكرة الجمعية؛ دون أن يعني ذلك قدرة أصحابها جميعهم، على التصرف في المفردات والمعاني تصرف الكاتب المتمرس المتمكن من مواد فنه؛ أو أن يسوق إلى القول بـ»واقعية» الشاعر أو الكاتب أو «شعبويته»، أو أن يجعل العامي قرين الواقعي؛ كأنْ نتعجل في استنتاجاتنا، فنرى مثلا في وفرة المفردات «الشعبية» التي هي موقوفة على التخاطب الخاص الحميم ما ينم عن هم واقعي، ونتخذ هذه المفردات التي تدل على وقائع محسوسة مألوفة، ذريعة للقول بواقعية انفعالية. وربما خلصنا إلى أن العربية «عربيات» أو هي عند أكثر الشعراء والكتاب، أقل «صفوية» مما يقع في الظن. وكثير منهم لا يتردد في استجلاب القاصي والداني من الكلام، كأنْ يقحم في التركيب كلمة مألوفة وكلمة شعبية وكلمة مستهجنة، عسى أن يثير قارئه بواقعية غير متوقعة.
والحق أن «التهجين» اللغوي حيث تحرف الكلمة «العامية» مجراها، وتُستفرغ من مدلولها، ليس بالمستغرب في آدابنا، بل إن من القدماء، من تنبه إلى أن المعنى ليس «الواقعي» بعبارتنا اليوم، أو «معنى الكلام الذي هو روحه» بعبارتهم؛ وإنما هو «معنى الصنعة» على نحو ما ذكره ابن رشيق في تعليقه على قول لابن الرومي في أستاذه أبي تمام: « كان يطلب المعنى، ولا يبالي باللفظ حتى لو تم له المعنى بلفظة نبطية لأتى بها»؛ نسبة إلى النبط، وهم قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقيْن. ثم استعملت اللفظة في أخلاط الناس وعوامهم، ويقال «كلمة نبطية « أي عامية.
ونقدر أن هذه الإشارة اللطيفة من ابن الرومي، وقد جلاها لنا ابن رشيق؛ تبين علة من علل هذا «التهجين» الذي نحن بصدده، أو هذه اللغة المتهمة بـ» سفاح القربى». وهي مثل إشارات كثيرة ترد في المدونة النقدية القديمة موجزة عارضة، وربما بدت قليلة الشأن؛ وهي في الأغلب أنم على طريقة الشاعر من كثير من التخريجات «الحديثة» التي تملي على النص ما ليس منه، وتقيم نوعا من التعلق الحتمي بين الشاعر وعصره، وتخلط المجرب بالمقول. وعلى أساس من هذه الإشارة، ندرك أن الأمر لا يتعلق في كل النصوص بـ»واقعية» ينشدها الشاعر أو الكاتب؛ وإنما أيضا بـ»قُصور لغوي « يجعل الشاعر يطرح الكلام بعضه على بعض؛ حتى يظفر بضالته من الكتابة. ونحن وإن كنا لا ننازع في أن كثيرا أو قليلا من مُشْتمَلاتِ أدبنا اليوم وموضوعاته، مستمد إلى حد كبير من البيئة الاجتماعية، فإن تأثير البيئة في تقديرنا، لا يبلغ عند الجميع؛ أبعد من هذا المدى، ولا نخاله يصلح لتفسير هذا «التهجين» اللغوي الذي يصدم ذائقة كثير منا. ونحن نشاطر حسين الواد، في ملاحظته أن بعض الصيغ الشعرية وما تنطوي عليه من قدرة على الإيهام بالتصديق والحمل عليه؛ كان من نتائجها أن قام أكثر النقد عندنا، على المقاربة بين النص وما يذكره من وقائع وكائنات وأشياء، حتى كادت «الجودة» تنحصر في «الإصابة» بإقامة أمثلة الأشياء مقام الأشياء نفسها.
لقد صار لزاما علينا، في هذا الفيض من الأدب «الفيسبوكي» أو «الرقمي» خاصة الذي يزاحمنا «تزاحم الظباء على خراش»، أن نعيد النظر في قضايا كنا نخالها قد حُسمت مثل» الواقعي» و»النافع» أو «المفيد»، وأن نحكم التمييز بينها؛ حتى لا نجعل هذا قرين ذاك، أو نشدد على «واقعية» فيما هي «شعبوية» متهافتة، أو نرى في المعجم العامي دليلا عند جميعهم؛ على أن لغة أقل «سموا» يمكن أن تكون مصدرا من مصادر الأدب، أو أن بميسور الكاتب أن يُسائل الكلام العادي وأن يستنبط منه فكرة أو موضوعا. ومن حق أي كاتب أن يستخدم هذه الكلمات «كلمات القبيلة». وهي عبارة للشاعر الفرنسي مالرميه في رثاء إدغار ألان بو، ولعل المقصود بها كلمات معظم الناس؛ ولكن شريطة أن يسلط عليها ضوءا جديدا أو يجعلها تغتسل في ماء جديد. نقول هذا حتى لا نخلط بين السجلات، على نحو ما نجد حتى في البحوث الجامعية، وشتان بين ظاهرة أدبية أو مذهب أدبي مثل «الواقعية» ومقولات ومفاهيم تتعلق بأساليب الأداء الفني ووظائفه ومعانيه ودلالاته. وليس من حقنا أن نسلخ الكلمة من سياقها، ونغفل عن أن دلالتها محكومة بـ«مقام التلفظ» أو «مقام القول». ونقصد بهذا أنها محصلة كل المؤشرات التي تجعل من الخطاب فعلا لغويا تؤديه ذات فرد تعيد استخدام اللغة المشتركة، إذ الكلمة ليست مأخوذة مباشرة بلا وسيط، وإنما تتداولها الأيدي وتلوكها الألسنة قبل أن تنتظم في النص، فتضفي على الخطاب قيمة مثلما يمكن أن تسلبه إياها، ذلك أن العلاقات اللغوية المتعددة التي تضم نصا ما إلى مقام الكتابة، وهي مقيدة فيه من حيث هي أشكال، هي التي تكون «القيمة». فلعل المنشود من القراءة هو البحث في هذه «القيمة» من عدمها؛ وليس البحث في معنى افتراضي مشكوك فيه، على أساس مسلمة يصعب الأخذ بها. فالقول بـ«لغة شعرية» أو «أدبية» خاصة، إنما يرجع إلى نظرية الشعر في ثقافتنا، وقد وُضعت استئناسا بنصين أثيرين عند العرب هما الشعر القديم والقرآن نموذجا اللغة المثال، أو «اللغة العليا»؛ الأمر الذي يفسر، في جانب منه، تقسيم الكلمات إلى شعرية وغير شعرية. وهي «قسمة ضيزى» قد يصعب أن نفهمها حق الفهم ما لم نربطها بسياقها التاريخي، وبوضع عام جرى عليه الشعر والنقد، مثلما جرت عليه العربية نفسها. وأما انتزاعها من سياقها أو تحويلها إلى قاعدة مرسلة، فليس له من معنى سوى القول بلغة شعرية مطلقة وبأن الشعر يدور على مطلق لغوي. وهذا المنحى ليس مقصورا على الشعرية العربية، فقد ذهبت الكلاسيكية الغربية المذهب نفسه، ورسخت انطباعا بأن هناك معجما خاصا بالشعر تواصل حتى بدايات القرن العشرين. ولو كان في هذا المقال فسحة، لأوردنا كلمات فرنسية غير قليلة، لم تعد الذائقة تستسيغها. وعسى أن نعود في مقال آخر إلى هذا الموضوع، ونتمثل بنصوص، لم يفلح أصحابها في استئصال الألفاظ من أدبيتها الأقدم؛ إذ ظلت تجري لديهم في عَوْدٍ أبدي لا ينقطع، حتى لكأنهم يصدرون إراديا عما كان، أو هم يفتحون ديوانا أو أثرا قديما؛ ثم يكتبون. وهل يعدو النص بهذه الصورة، أكثر من الورقة التي تمتص ضوء الماضي والمتخيل المندثر أو «الخيال الطائف» الذي يتراءى في كل مكان وفي أكثر من زمان. ومن ثم يسهل على ما نقدر رصد الأساليب المتعاودة، والوقوف على أثر الآخرين فيها، والتمييز بين «الواقعية» و«الشعبوية» التي لا تنتج سوى «أدب الكيتش» أو الأزهار البلاستيكية.
 إن بإمكاننا دائما أن نتكلم على صلة ما بين المعجم والواقع، ولكن ليس بالمعنى المبذول، والواقع من دون اللغة «بنية جوفاء». ودلالة هذا المعجم أو ذاك عنصر من مسألة أعم تلامس نمط «التدْلال» أو»الدلالية»، المخصوص باللغة نفسها. وهو نمط يضرب بجذوره في السجال الذي يقابل بين رؤيتين: اعتباطية اللغة أو تواطئيتها من جهة، وتوقيفها أو تعليلها، من جهة أخرى.
والثانــــية إنما تدل على تواصل ما بين اللغة والعالم، ذي طبيعة يمكن نعتها بـ«التماثلــــية» والأمر يتعـــلق بإعادة وصف العربـية، والتأريخ لها. وهو ما لم نقم به بعد، على الرغـــــم من توفــــر المال والرجال في بعض دولنا. ولكن ليس من حقنا أن نتكلف البحث في «واقعية» أو «شعبوية»، استئناسا بألفاظ، هي من المشترك بين الفصحى والعامية، أو هي من العربية المولدة أو «المحكية»؛ ونتخذ من ذيوعها على ألسنة العوام، دليلا على رجاحة وصفنا.

٭ كاتب من تونس

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا