-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

الفصل الأول من رواية كازابلانكا : محمد صوف

الفصل الأول من رواية كازابلانكا الصادرة سنة 1989
المدينة صباح الأحد تتشبث بأهداب نوم يريح شوارعها من ضجيج المحركات و أبواق السيارات والتفاف السيقان بالسيقان على الأرصفة و اكتظاظ المقاهي باطنا و ظاهرا بكل الأصناف الآدمية.
تدحرج على الرصيف المقابل للفندق الذي ينزل فيه .. و أحس بالتعب بعد خطوات قليلة. فكانت جميلة فكرة الاسترخاء على مقعد المقهى الرابض على الرصيف الذي أتعبه السير فيه.جميلة كفكرة انتظارها هنا. في هذا المكان. استرخى وسرح ببصره على أرضية الرصيف المقابل. توقف عند كعب عال وتسلق بمهل الساق. تطلعت العين إلى الركبة المكشوفة وربض البصر على الطرف المكشوف من الفخذ.وأوقفت السترة زحف النظرة على اللحم . اعتلت الثوب . توقفت عند الخصر. ثم سارت ممتطية الصدر للتوقف طويلا وتلهث فوق المساحة العارية بين النهدين ..م الجيد.. ثم الوجه.تدلت شفته السفلى وسال لعابه وتدفق على ذقنه.
لم ينتبه للنادل الذي وقف بصبر وأناة منتظرا أمره.
أشعل القوام الواقف على الرصيف المقابل فيه مشروع نار ابتدأت دافئة عند أصابع القدمين وتصاعدت نحو دماغه درجة حرارتها. تندلق اللعاب من جديد على ذقنه .وبدا ارتفاع درجة الحرارة بقعا حمراء في عينيه.
وقفت أمامه امرأة تحمل رضيعا على ظهرها . لم ير منه غير الرأس الصغير الحليق ولم يفهم منها غير عبارة " سيدي ربي .. و يتيم "
تحول اللهيب الداخلي إلى زمجرة فاختفى صوت المرأة.تقلصت الشفة السفلى ثم انفتحت في مشروع ابتسامة عريضة تلبي نداء ابتسامة آتية من الرصيف المقابل.
غرس يده في جيب جبته و أخرج ورقة مالية دون أن ينظر إليها و مدها إلى المرأة.. من قلب الزمجرة المصطخبة داخله لم يفهم من كلام المرأة غير " رحمة .. الجنة.. الله "
و تملكته راشقة من نوع خاص ..نهض وعبر الشارع إلى الرصيف المقابل تحت نظرة النادل الذي اكتفى بابتسامة غامضة شيعته إلى القوام الحالم الواقف هناك .
حلو الطريق سهل عليه عملية العبور.
وقف أمامها.ابتسمت له. ضحك لها. وردد بصوت خافت :
" أهلا وسهلا"
رددت :
" أهلا بك "
وأشارت بيدها لسيارة أجرة . ثم اختفيا داخلها. انتظر السائق أن يدله أحدهما على الجهة التي يقصدانها . ساد الصمت للحظة .
نظرتها دلال. وبسمتها غنج. ومن صوتها يقطر شبق خارج من ألف ليلة وليلة .
وأنا شهريار يا حورية الدنيا في هذا البلد القاصي. تقاطر من عينيه رذاذ الليبيدو وقال السائق :
"إلى أين آخذكما ؟"
أعطاه اسم الفندق الذي لم يكن يبعد عن مكان اللقاء. غرس يده في جيب سترته و أخرج ورقة نقدية دون أن ينظر إليها و مدها للسائق الذي كاد يركع له.
غابا داخل الفندق . ركض نحوه عامل الفندق بابتسامة عريضة ، وفتح له باب المصعد مرددا عبارات ترحيب كادت تتحول إلى تسبيح لامس أطراف العبادة وهو يغرس في يديه ورقة نقدية دون أن يعيرها انتباها
كأنها عدت ما أعطى للسائق والخادم .كبرت الدهشة في عينيها وناداها صوت من داخلها أن تقول نعم لكل ما تسول له نفسه .كل نعم منها قد تجلب لها ما حلمت به طويلا.
تلبي الحلم الذي راودها تلك الليلة في منامها .. رأت فيما ترى النائمة أنها تبيض من فرجها رزما مالية تتساقط بين فخذيها الواحدة تلو الأخرى .
فتح لها الباب ودخلت .. ردد :
"أهلا بك.. ماذا تشرب غزالة المغرب الأقصى ؟"
ابتسمت فاشتعل.قال صوت في داخلها " ما يشرب مولاي " ورددت ما دار في خلدها .. ما يشرب مولاي ..فازداد اشتعالا.
تساءل عن الدرجة التي ستبلغها حرارته عندما تتطاير الثياب عن هذا الجسد الواقف أمامه . وخاف أن يحترق ثم اشتاق إلى الاحتراق .. فكم احترق شوقا.
تدحرج نحو الغرفة المجاورة .تأملته مدبرا. أمعنت التدقيق في وزنه الضاغط على ساقيه في كل خطوة. كم تتحمل هاتان الساقان ؟؟
انتظرت أن يعود بشيء ما .فعاد. تخيلته للحظة خارجا من شريط رسوم متحركة. اتسعت ضحكته اللاهثة . لم تتحرك قدما واحدة نحوه. تفرجت عليه و هو يتدحرج نحوها باذلا جهد من يركض. يسابق أنفاسه إليها . وترك جسده يسقط على أريكة. ثم قال مادا إليها الكأس :
" فلتجلس أميرتي .."
جلست أميرته . رفعت كأسها. أصطدم أعلى الكأسين. ابتسم.ابتسمت. ارتشف.ارتشفت." لو تنعمت علي حسنائي برؤية الجسد الفاتن وجلست أمامي لتتم شربها". قال :
وضعت الكأس فوق المائدة البلورية التي تربض بين المقعدين . شبكت ذراعيها ولمست أطراف أصابعها السترة من أعلى الكتفين ثم سحبتها لتقذف بها على أرض الغرفة.
أفرغ محتوى الكأس دفعة واحدة في جوفه.
اندفعت أشعة مخدرة من الجسد العاري تتقاذف نحو بصره ..واختفى منه الصوت.
بذل جهدا استثنائيا ليتكلم وهي ترمقه في أناة. ثم استطاع في النهاية ـن يقول : "ما شاء الله"
ابتسمت.بدت مزهوة بمفعول الجسد عليه.وحولت المفعول أرقاما وابتسمت للغنى.
" ما شاء الله ..ما شاء الله "
أشار لها أن تنهض .فنهضت .أن تمشي ففعلت..تحركت نحو النافذة و تأملت المدينة.بدأ عدد السيارات والدراجات يكثر تدريجيا. وعدد المارة يكبر .وخلف هوائيات التلفزيون تربض مئذنة الحي. خلفها صوته لا يتوقف.
"ما شاء الله.. ما شاء الله " 
من قلب المئذنة انطلق صوت المؤذن . "الله أكبر .. الله أكبر"
خلفها صوته.
"تعالي يا أميرتي "
التفتت إليه.وخطت نحوه بدلال .رأته ركام أوراق مالية ستتكوم فوقها بعد لحظات . مد يده إليها ومرر أصابعه على ساقها اليمنى .ثم على ساقها اليسرى .
صوت المؤذن يصدح :"أشهد أن لا إله إلا الله "
صوته : "ما شاء الله ..ما شاء الله"
فتح يديه العريضتين و تركهما تربضان على الساقين. رفع عينيه إليها و حرك يديه صعودا نحو الركبة 
توقفت قليلا دون أن تنزل نظرته عنها .. فمه مفتوح في مشروع عبارة يحاول ترديدها .إلا أن عبارة "ما شاء الله" فرضت نفسها .يصاحبها من خلف النافذة :
"حي على الفلاح.."
ثم تحرك الكفان نحو الفخذين 
"ما شاء الله .. ما شاء الله" 
خطر ببالها أن تمد يديها إلى كتفيه وتنزع عنه الجبة .كانت تعلم أنه لا يرتدي غيرها . تململ بصعوبة ساحبا الجبة من تحت مؤخرته .وتركها تنسحب من جسده.
" حي على الفلاح "
قال المؤذن .
" ما شاء الله .. ما شاءه الله" 
ردد هو. جذبها إليه 
ابتسمت للحظ بدلال وتركت جسدها يسقط بين يديه.
لا يهم أن تغرقها هذه الموجة العارية من اللحم الآدمي . غير مهم أن تقتحمها الأنفاس من كل منفذ حتى الخنق. والعرق شلال يهطل من كل مسامات الكتلة اللحمية التي تتحرك في إيقاع خال من أي انسجام ويتساقط قطرات آدمية عليها. أمر خال من الأهمية.
الحشرجات والزفير وتصارع الجثة مع ذاتها باحثة عن لذة من كل بقعة من جسدها ليست سوى جسر يوصلها إلى اقتناء الأوراق النقدية . استلقى الجسد مستسلما لأنفاس تتلاحق في إيقاع سريع ومخيف. وإلى جانبه تمددت وأغفت قليلا.
تصطدم نظرتها بالكتلة اللحمية ثم تنصرف عنها إلى النافذة ويقع بصرها على الصومعة فينبعث منها صوت المؤذن ينادي 
" الله أكبر .. ألله أكبر "
الصوت يقتحم الأنفاس التي لم تعثر بعد على إيقاعها العادي .يقتحم ابتسامة انشراح ورضى تشتعل في العين وتنتشر على صفحة الوجه المتوهج عرقا. 
امتدت اليد البضة إليها .جذبتها إلى الكتلة اللحمية واختلط صوته بصوت المؤذن .
"حي على الفلاح"
قال :
" أميرتي .أدعوك إلى الإقامة معي حتى لحظة سفري "
الرصيد يكبر. يتضخم. كادت تسأل " و متى سترحل ؟" قمعت السؤال والرغبة الدفينة في الهروب. وسط اللهفة إلى المال ابتسمت و سألته عن الحمام .دون أن يرد أشار إلى موقعه .فركضت صوبه. و كمن تريد أن تتخلص من رائحة خانقة أطلقت صنبور الماء إلى نهايته . وربضت تحته مستسلمة للرشاش يطرد ما علق بها بين صلاتين .
" ماذا تريد أميرتي أن تأكل ؟"
دون أن تفكر في ما يسيل لعابها خلف الواجهات كانت تعلم أنها معه . وكونها معه معناه أ نوع الأكل لا يشكل حلما بعيد المنال.
هذه الحطة تختلف عن اللحظات الماضية من حياتها . أطلت عليه من باب الحمام وقد حشرت نفسها داخل مئزر أنيق ثمين. بدت له شخصا آخر. ضاعف الحمام من فتنتها و رأى نفسه يعاني من رغبة في الارتماء عليها و يعاي من أنفاسه المتلاحقة التي لم تهدأ بعد. تشبث بها بصر. قالت :
"آكل ما يأكل مولاي "
ومد يدا معروقة إلى الهاتف ليطلب وجبة.
قبل أن يرتد إليه النفس المنتظم العادي سمع نقرا على الباب. فتحت الباب و كاد لعابها ينهرق على المائدة المتحركة التي كان خادم المطبخ يدفعها أمامه ..
"كل هذا ؟؟
يا إلهي .. إني أحلم ".
انتشلها من حلمها صوت الخادم الراكع شكرا أمام صاحبها. ابتسم لها ابتسامة عريضة ثم انصرف.
"لتتفضل أميرتي "
ثم قال :
"اقترحت عليك اقتراحا .. و أنا مستعد لتلبية طلباتك جميعها إذا قبلته"
ابتسمت له و رددت
" وكيف لا أقبل ؟ أنا جاريتك "
تتعبه. ترهقه. نظراتها. بسمتها.نبرة صوتها. طريقة أكلها. تلبيتها لطلبه.
" اعتبري كل أحلامك محققة "
"ألا تعرفها أولا ؟"
"لا أريد أن أعرف.."
" إنها كبيرة . كبيرة جدا. لا تطالها الأرض "
قهقه حتى اهتزت بطنه. لحس أصابعه وردد
" كوني متأكدة أن شيكا على بياض سيطالها كلها "
لم تصدق ما سمعت.
شيك على بياض ..؟
" معنى هذا أني أستطيع أن أكتب عليه المبلغ الذي أريد ؟
اهتزت بطنه ثانية :
"دون تردد.. ضعي رقما و ضعي على يمينه ما شئت منة الأصفار . شرطي الوحيد أن تكوني لي وحدي "
عادت إليها لحظات صراعه مع كتلته اللحمية فوقها. عادت إليها الرغوة المتدفقة من شفتيه الفخمتين. عاد إليها ضراطه وهو يهتز دون أن يهتز وعرقه وتأوهاته الأشبه بالصراخ .
كادت ترفض.
تصورت الشيك برقم وأصفار على اليمين لا يهمه عددها .. فقالت :
" أنا وصيفتك مدى الحياة"
ابتسم و جذبها إليه. اندلق ما على المائدة على أرضية الغرفة. أغرق شفتيه المدسمتين بين نهديها .. وقال شيئا
" أنت ملاكي الذي يحملني إلى الجنة"
ثم ألقاها على الأرض و في محاولة التمدد فوقها تمددت قدماه إلى الخلف فانقلبت المائدة.. تراكمت الصحون عند قدميه وانهرق سائل النبيذ مغرقا البساط خمرا. أغمضت عينيها حتى لا تراه . تركته يعيث في جسدها لهاثا و تأوهات و كلمات لا تدرك معناها .
لو يعلم هو ما تفعل هي الآن .. لو يعلم أن أحلامه يعبث فيها مشروع شيك على بياض .. لو يعلم..
فليعلم إذا شاء.
أليس الشيك كفيلا بمحو آثار النهب الذي يمارس عليها الآن ؟ 
" أنت لذيذة و متعبة .. وقواي دون رغبتي . وهذا يعذبني .
لم ترد. في هذه اللحظة أطل هو من قلب أحلامها. تركت الآخر يهذي فوقها واستسلمت للصورة الرابضة أمامها تستنكر وضعها.
لن يعلم أبدا.
العلم تقدم . والمال يمهد لكل شيء.ومبضع الجراح رهن إشارة جزء يسير من شيك على بياض.
لن يعلم.
وإذا سألها عن غيابها ستختلق أكذوبة.. 
لمن ستختلق الأكذوبة ؟ له أم لوالديها ؟
لعل البحث عنها قائم على قدم وساق. وهي تدع ساقها تلتف بساق ولي النعمة المنتظرة.
قال لها :
" أنت مذهلة. مذهلة.. أود لو مت بين أحضانك "
لكن ما تراه يفعل لو علم ؟
قال لها أمام فنجانين من القهوة بعد أن لاحظت أن قهوتها مرة و أبدت رغبتها في تغيير مقهى اللقاءات إلى مقهى يعد القهوة بشكل أفضل.
"سأحكي لك حكايات شهرزاد لأميرها المكلوم الكرامة .
تجاهل تدخلها و أضاف و قد بدت على سحنته بوادر الخوض في ركض طويل متعب أفقي عمودي .
" زرت عدة شقق في عدة طوابق في عدة عمارات في عدة أحياء. عددت أجرتي .عددت أجرتك. طرحت ما ستقتلعه أسرتي وما ستقتلعه أسرتك . وانتهيت إلى خلاصة .ابتلعت الخلاصة و ما في الفنجان.
ثم ترك نفسه يحلم.
" لو كنت تملكين قرطا من الذهب لذابت المشكلة"
ورفع بصره إليها .كانت نظرتها تشي بشيء غامض .. غامض جدا . رد على سؤال لم تطرحه .
" سننتظر. يجب أن نستمر في التوفير إلى أن ...
نظراتها لمعت... إلى متى ؟ وانطفأت نظرته. لست أدري . وكبر السؤال في عينيها عن الحلم الذي شيداه . ورفض أن يتجاوز احلم إلى الواقع. رقصت اللهفة في عينيها ..تنهد. قبل سنوات كان بإمكاني أن أشتغل. أن يكون منصب مهم من نصيبي. لم أكن أتوقع أن الزمن سيركض بأهوائي بعيدا عن الهدف.
قالت :
" ستعيد عي أسطوانتك القديمة. ستكرر من جديد على مسمعي ألف لو و لو .. أردت شهادة عليا فحصلت عيها وها هو ركب الحياة يفوتك. الآن استسلم للواقع وابحث عن عش يؤوينا فأنا لم أعد أطيق الحياة بعيدا عنك .
التقطت يداه يديها . تركتهما تربضان تحت يديه.ابتسمت. قال بسمتها آه لو أستطيع لذهبت من أجل الحياة معك إلى الجحيم.
دق قلبه .. و أنا ؟
فتحت حقيبتها .أخرجت محفظة وتركت النقود تسقط منها على المائدة
" غنية.."
" انفجر في بيتنا بئر نفط "
ضحك. عدت ما سقط على المائدة .
"قيمة تذكرة الحافلة .. والباقي أد منه قهوتي المرة . أؤكد لك أن هذه آخر مرة نجلس هنا. قهوتهم رديئة رداءة وضعنا الآن .
ترك أصابعه تلتقط النقود ..عدتها.. و أشار للنادل 
" لو كنت أحمل نفس الدبلوم في بلد آخر ..
" قد تشتغل بواب عمارة أو مدير مؤسسة.. السؤال أين ..؟
خطوا نحو الخارج .الغروب الدافئ يحث على المشي .الأمواج تكاد تلطم الرصيف المقابل.. والشمس على الأفق تذوب بعيدا في البحر. اختفت عن ناظريهما السيارات والعشاق والكراسي المنتشرة على الأرصفة كما اختفى الجالسون الذين يتبادلون أنخاب والحكايات.
قال :
"سأكتب رواية .. شيء ما في صدري يصطخب بأشياء في رأسي والمخاض سيكون رواية ."
ضحكت.
" مشكلتنا حلت إذن .. ستشتهر و ستطبع من روايتك عشرات الآلاف من النسخ ويعاد طبعها ثم يعاد و يعاد ولن يوقف مسيرة حبنا ابحث عن شقة بل ستملك منزلا ضخما يتسع لنا ولعائلتنا ولضيوفنا .". 
ثم صمتت لتستعيد أنفاسها وأضافت:
" أنت واهم "
ضحك بدوره وقال :
"سامحك الله.. هل تعلمين يا عزيزتي أن رواية واحدة أغنت كاتبا كان لا يملك قوت يومه ؟ هل تعلمين أن عملا روائيا واحدا يستطيع إذا ترجم لعدة لغات أن يحمل كاتبه إلى العالمية ؟ تعالي إلى البيت و سترين.. عندي شهادات كتاب حلت رواياتهم العديد من مشاكلهم المادية .."
يتضخم حماسه .فرد الحلم جناحيه ليحمله بعيدا .. همست لنفسها :
"لأدعه يحلم.لقد تجاهل الحديث عن الأدباء المنتشرين على أرصفة المقاهي يذوبون في فناجين قهوة وينتظرون معجبا يؤدي ثمنها. و آخرين أقاموا علاقات لا تنفصم مع الحانات يجترون خيبتهم و يحاولون إغراقها في كؤوس نبيذ رخيص.
أوقف تدفقها وتدفقه إدراكهما لمحطة الحافلة . تأهب للتزاحم والتدافع من أجل مكان وقوفا في الحافلة.
تدحرج الآخر إلى يسارها . ول يقاوم لهاثه. ظلت ممددة .لم تتزحزح قيد أنملة من مكانها .لو أناحت له أنفاسه المتلاحقة أن يدرك غيابها لكان له رد فعل. لم تشعر أنه إلى جانبها يصارع أنفاسا راكضة أرهقها الصبا والجمال.
سؤال واحد كان داخل جمجمتها .
لو يعلم هو ..ترى ماذا سيكون رد فعله ؟
أفسحت لها المرأة مجالا للوقوف في الحافلة . ابتسمت لها. تركت لحظة صمت تفصل بين ابتسامة المرأة و كلمة شكر مهذبة. سمعت :
" تبارك الله عليك"
لم تفهم. لم يكن هذا أبدا ردا على شكر . ثم ابتسمت المرأة من جديد . ثم مرة ثالثة.
هذا الوجه الباسم يحمل آثار جمال قديم سالب أصبح سليبا. والابتسامة المطلة من هذا الثغر تفتر عن آسنان ذهبية.النظرة التي تلقي ظلال البسمة على الوجه تنبع من عينين عربيتين كان لها قديما شأن .
قالت المرأة :
" أين تشتغل بنيتي ؟"
ردت بصوت أجش :
"أشتغل في مؤسسة تجارية ضاربة على الآلة الكاتبة "
كادت الابتسامة أن تختفي :
" مسكينة"
ها هي تدخل في قصيدة رثاء لحال ضاربة على الآلة الكاتبة .ماذا ستقول هذه المرأة التي ترمي عيناها ظلال حكايات حب قديمة و تشي بعذابات عشاق كثيرين . ماذا ستقول لو قابلت فتاة عاطلة عن العمل ؟
"لماذا مسكينة؟"
" لأن حسنائي تستطيع أن تملك الذهب .تستطيع أن تقول للغنى اسجد فيسجد .
بدت لها الشقة الأمل. بدا لها أثاث بيت المستقبل يطل من نظرة تحمل ظلال سحر قديم . بدت لها الأقساط الشهرية التي ستنتزع من الأجر مقابل بيت و زوج وحياة عادية . رأت عبر ملامح امرأة أطياف أكياس من النقود تمتد يدا لغريق. و أصغت للمرأة وسط تزاحم الأجساد في حافلة تهتز في الطريق المحفرة المؤدية إلى الحي الذي تسكنه .
أصغت للمرأة :
" تركت المرأة صوتها ينساب حاملا في تموجاته الآلاف من الآمال. وقرأت في عيني الصبية رغبة يصحبها تردد. وأدركت أن الخوف من شيء ما يعبث بعمق الصبية . 
"أنت النعيم 
ابتسمت فاشتعل .احتقن وجهه . أطلق حشرجة ثم تدحرج نحو الحمام . من داخله ينبعث صوت " إنها جهنم هذه الفتاة.. جهنم .."
يجب ألا يعلم.وتذكرت أن عليها أن تنادي خدم الفندق لتنظيف الزربية الثمينة مما انهرق عليها .
اندفع الخدم إلى المقصورة وبهمة نشاط وسرعة غريبة نفثوا فيها من طاقاتهم ثم انصرفوا تغطي وجههم ابتسامة رضى. 
سمعت صوته يهدر تحت الرشاش وتأوهات غليظة تختلط باندلاق الماء على جسده. قال لها من وسط شلال الرشاش : "ما رأيك . أأتم في نعيمك مقامي بهذا البلد ؟
قالت "نعم" فاشتعلت عيناه بهجة. ترك الماء يندلق في الحمام واندفع نحوها .فاستلقت على البساط دون أن يطرحها فوقه .تركت نظرتها من جديد تنتقل عبر زجاج النافذة و يصطدم بمئذنة تعانق السماء .
ومن المئذنة انفع صوت .اختلط النداء إلى الصلاة بحشرجته بتأوهاته المتقطعة التي استطاعت أن تستخرج منها ما معناه .. سترهقينني أيتها الفردوس ستلتقطين أنفاسي نفسا.. نفسا .. آه كم أود أن أموت بين أحضانك .
غالب ضخامته .تصارع معها ليصل إلى المتعة المنشودة. كبرت حشرجته فابتسمت في داخلها لشيك على بياض .و أطلقت العنان للحلم ثانية. رأته يحاول أن يوقع إيقاعا ملتذا على جسدها. رأت العرق يتصبب من مساماته و قطرات منه تندلق على وجهها ..على صدرها. رأته يفتح فمه كأنه مقبل على مناداة شيء ما من أعماقه.طال فتحه لفمه.رأت نظرته تتسع .. تتسع.. ورسمت ملامحه المعاناة من ألم ما. أرادت أن تسأله عما به .راجت ببالها فكرة حاولت طردها فلم تفلح إذ كانت تتجسد أمامها .. تلتحم بها. كتمت صرخة أو أنها لم تكتمها بل اختفت داخلها. وهوى فوقها نجما آفلا.لم ترد أن تصدق أن هذا الجسد الضخم القوي الذي تمكن من التهامها هي و التهم معها صحونا من الدهنيات والبروتينات والعطور والتوابل ، يقبل أن يتلاشى هكذا دفعة واحدة وبين تكبيرتين . رفضت أن تقر بأن العينين انفتحتا لتظلا مفتوحتين دون رفة رمش .. رفضت أ، تقر أن الوعد بالشيك على بياض سيظل وعدا. وأنه لن يصل أبدا إلى مرحلة ما بعد الوعد. وتقتحم نظراتها المئذنة المطلة من فوق على المدينة .وتختفي حشرجته ليظل صوت المؤذن متمما مسيرته وحيدا نحو لا إله إلا الله الأخيرة.
حاولت أن تنسحب من تحته لكن الكتلة الهامدة جثمت عليها .واضطرت إلى استعمال ساعديها وجسدها النحيف ليحصل الانفصال وتتحرر من السقط الآدمي الذي كان قبل قليل يردد أنه يعيش في الجنة.
ماذا سأفعل الآن ؟ هل ستضيع أحلامي سدى لأن القدر لعب لعبته بهذا الشكل المفاجئ؟ هل سأرتدي ملابسي و أفر بجلدي مضحية بآمالي التي تماديت في بنائها مع مطلع كل نداء للصلاة ؟
كل همها أن لا يعلم لأنه لو علم لكانت صدمته أكبر من صدمتها .. صدمتها ضرب من لعب القدر.أما صدمته فهي . مصدر أحلامه واجتهاداته والأمل الذي يركض نحوه مستعينا بادخارات تتوالد من حرمانه من عدة أشياء يهفو إليها .
لو علم لأصيب بنكسة .لا أحد يعلم رد الفعل الذي قد يتولد عنها . بدا لها بصيص تفكير يتفاعل في دماغها . توالت الأسئلة . لو ارتأوا اعتقالي إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، هل سيصعب عليهم اتقاطي من أي مكان ؟ ثم من أنا حتى أحاول حتى أحاول الإفلات بجلدي من قبضتهم ؟ تدبر الأمر .ولأخبر إدارة الفندق بما حدث .ولتأت اموت إذا شاءت. 
وأهلي ؟ كيف سأواجههم ؟ كيف سأشرح لهم أن ما حدث لم يكن من قبل التعهر ؟ ما يسمي أي أحد وجودي عارية مع رجل عار في غرفة أنيقة في فندق راق جدا ؟

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا