الدراسات السياسية للكاتب المفكر محمد أديب السلاوي تنحو منحا منهجيا يعتمد التعمق الفلسفي في التناول،
متوسلا الدقة الموضوعية في البحث متبحرا في مكنوناته إبحارا يغترف به من منابعه اغترافا يسير به أغوار معانيه معجميا وأكاديميا قبل أن يغوص في تحليل ماهيات مواضعيه وما يحيط به من جميع جوانبه في اكتمال تام يبرز صور القضايا الناتجة عنه بكل إشكالياتها الثقافية والإيديولوجية.
فالسياسة في منظور الموسوعي محمد اديب السلاوي تنبع من أرضية ثقافية خصبة تتيح لها التوسع والانتشار، وتسمح لها بالتمدد والإثمار وبذلك تظل الهيمنة الثقافية في ضمورها أو ظهورها مواكبة كل المواكبة للحركات السياسية جميعها، الناشئة أو المتطورة، لأن الثقافة في جوهرها، كما توصل إلى ذلك الدكتور محمد عابد الجابري في أطاريحه الفلسفية، عملية سياسية فيما تخطط من برامج، وما تعد من قواعد ومنطلقات. وعبرها تتبلور مقاصدها المعبرة عن إرادتها لصياغة مشاريعها التنويرية والنهضوية ذات الإنسانية البناءة.
إن ثنائية الثقافة والسياسة عند محمد أديب السلاوي تمثل – في منهجه – رؤية شمولية تتسع لكل القيم الأخلاقية المثلى وتنفتح على كل المفاهيم الفلسفية العليا الداعية إلى الحق والخير والجمال، المنشدة للحب والوئام والسلام، وبذلك تسمو السياسة في أدق معانيها لديه، إلى مدارج الروابط الفكرية والثقافية في تطور يواكب العصر، ورقي يساير طموحات الإنسان الذاتية والوجدانية تمكنه من تحقيق إنسانيته بما به رحبت من إشراقات، وبما به سمت من معان.
عبر هذا التوجه المعرفي، والتدقيق المنهجي تترى إصداراته السياسية بكل حمولاتها الوطنية الصادقة، ومنه يستمد مبدعنا الباحث مقوماته التشريحية، ومفاهيمه العلمية.
إن الدراسات السياسية عند المفكر محمد أديب السلاوي كمثيلاتها الثقافية والأدبية والفنية تنبع من معين الفكر الرصين، المستمد أصوله من أمهات المراجع المغربية والعربية والعجمية، منها يتدرج لاستنباط مادته العلمية قصد إجلاء ماهيتها، والعمل على مقارنتها بما جد في الألفية الثالثة من نظريات، وما طرأ عليها من تغييرات قبل أن ينكب عليها بأدواته المنهجية الحصيفة لإجلاء ما تشتمل عليه من مضامين، وما تحتوي عليه من أسرار، لذلك تأتي دراساته شمولية في تكونها، مدعمة بالبيانات في تفاصيلها، مستقبلية في طروحاتها.
وليس من شك في أن الاشتغال بالقضايا الوطنية، والاهتمام بشأنها، والتشبع بقيمها في كتابات المفكر محمد أديب السلاوي علامة دالة، وحضور بارز ببعده الأخلاقي، وافقه الثقافي وسمته الإنسانية الفياضة بحب الوطن وأصالة الانتماء والتعلق بالهوية، كل ذلك نلمسه في كتاباته مكونة سلسلة متصلة الحلقات، مترابطة الأجزاء، متجانسة الأطاريح، وضاءة البنيات، متوسلة ترتيب النتائج بما يدعمها من افتحاص وتحليل، متوخية التلميح للتوصل إلى الحلول، مستعملة التصريح بما تقتضيه الملامسات. وللعناوين التي ينتقيها لبحوثه دلالتها الموجبة، تشي بما تكتره فضاءاتها من تفصيل، وما تكتنزه من عبر وحكم.
فمن "عندما يأتي الفساد" إلى " هل دقت ساعة الإصلاح" ومن " الحكومة والفساد" إلى " السلطة وتحديات التغيير" ومن "أطفال الفقر" إلى "المغرب الأسئلة والرهانات" إلى أن بلغت مجمل أطاريحه السياسية العشرات، تتدفق في ثنائية فلسفية – فكرية.
إن دراسات محمد أديب السلاوي متنوعة في أجناسها، مبتكرة في صياغاتها متعددة في توجهاتها، إنه بكل صدق فكر موسوعي تتنوع فيه الأجناس في تقارب، وتمتزج فيه في تداخل. انه نهضوي بلا إفراط ولا تفريط، تقدمي بلا مغالاة، إسلامي وسطي بلا تشدد، وطني حتى النخاع، إصلاحي بلا تردد، أكاديمي عالمي، إنساني وجداني، أنه باختصار شديد هرم من أهرام الفكر المغربي وعلم من أعلامه الميامين، بما قدم / ويقدم من إسهامات ثقافية وسياسية وفنية تؤثث مشهدنا المغربي تأثيثا يظل / وسيظل علامة دالة على نموذج المفكر المغربي الوطني في توجهاته، المخلص لمقدساته، نموذج المفكر الفلسفي في تحليلاته مما اكسبه محبة الأقربين والأبعدين في رحاب وطنه الغالي وعبر العالم العربي بأمصاره، وأقطاره. وحسبه في ذلك اعتزازا وفخرا وحسبه أنه دخل التاريخ الإنساني شامخا. طوبي له ولأمثاله من رجالات الفكر والعلم الحاضرين معنا اليوم في هذا التتويج العلمي المرموق وطوبى لكل علمائنا ومفكرينا الغائبين / الحاضرين في ذاكرتنا ووجداننا.


