على هذه الخلفية الواشية والطاعنة بلذاذة الاستحضار الواعي للرموز، تنرسم المشهدية المغرقة في تفاصيل الاحتماء بالهشاشة الوجودية الناطقة رسميا بسلطة الجمال على النوع مذ بداية البدايات.
تلاوين استعارية يزدان بها الخطاب المنبثق من خلفية الوجع الأنوي العابثة به أوراق الواقعية،يحاول أن يسترشد بخارطة العماء أو العدم البصري، مختزلا القوة كامل القوة في الصوت الداخلي المنصف لإنسانية نازفة.
يذكي شاعرنا خطابه العبثي بمتون الغائية الجنسانية، ولا يطلق صرخته الوجودية إلاّ وقد صبغ روحها بأريج المحمول على تيارات إيروتيكية ذروة في النضج ومناطحة اللاشكل التعبيري ، ما يمنح الجوانب الرّسالية نكهتها، ويهبها معسول الإضافة والامتداد الاستطيقي الذي بإمكان كادر الصورة أن يجود ويوحي به.
إن فتيل أي استشراف،قد يترع النّص ليحرّره من مضايق الارتجالية، ويلبسه نبض الالتزام ببعد سكوني توقّع وتنسج ملامحه صور الحلمية في عبورها المخاتل ودفق سردياتها الموجعة، لا بدّ وأن تغذيه ثقوب الذاكرة المتماهية و ترديدات هذا اللانهائي المسافر فينا وكأنه خيوط سراب محرّضة على مزيد من الركض خلف أحاجي الجسد الكونية.
ثمّة خلل ،قد لا ندركه ونتحسّس مكامنه ، إلاّ عند التسلح بموجبات أو معطيات التوقع السليم، تماما كما تمليه قصائد المحاكاة مشدودة إلى الجوهر الآدمي برداء الأبدية، من جهة أبوة ساخطة ،تلفح نسلها بسوط السادية وأنانية الهيمنة وعقلية الزعامة الروحية السانحة لتعشيش وخصوبة وثراء وتناسل مثل هذه الأخطاء والاختلالات، ومن جهة ثانية، الأمومة بلا وجه أو تباشير محدّدة سوى ما ينصب غبننا الكوني إلى فراديس النعومة والحنو ،ويدسّه عميقا في الأدغال الغائرة البعيدة المنذورة لفراغات لا تملؤها سوى القصائد الساخطة على الجسد كأولى قبلة للشذوذ والنشوز والغواية.
خطيئة وقد تزمّلت في إتمام مراسيم تحنيطنا الوثني الهاتف برمزية الجسد، وانبرت بمنظومة بديهيات ضعفنا وشدة افتقارنا إلى هذا العري الأعمى ونحن نزعمه طاوين يبابه وزيفه سرنمة وبلا وعي أو إرادة ،منشغلين بلعنة وجودية اسمها خطيئة الماء.
[ذكرياتي المهيضة
خللٌ تكويني
كستائر في بيتِ أعمى.
خللٌ تكويني
كستائر في بيتِ أعمى.
وجه أمي
غائر وبعيد
كبذرة الأمل المطمورة
في تربةٍ
يتبخر مطرها
قبل أن يطأ أرضها.
غائر وبعيد
كبذرة الأمل المطمورة
في تربةٍ
يتبخر مطرها
قبل أن يطأ أرضها.
دعوا الصوتَ
في العينين
صرخةُ الحياة.].
في العينين
صرخةُ الحياة.].
.........................
[قبل أن تصير وردة
موت تلك البتلة
في ظلمة المخيّلة
موت تلك البتلة
في ظلمة المخيّلة
نهاية العالم.].
.............................
لكُنّا خرجنا [
بأقلّ خسائر مُمكنه
بأقلّ خسائر مُمكنه
لو اكتفينا
فقط بقُبله،
فقط بقُبله،
لو اغتلنا
في مهدها
بذرة الشهوه،
في مهدها
بذرة الشهوه،
لو ظلّت الحياة
مجرّد فكره].
مجرّد فكره].
.........................
[ها أنا
أتحرّكُ
أفقياً وعمودياً
لكن لا شيء يملأُ
هذا البياض.
أتحرّكُ
أفقياً وعمودياً
لكن لا شيء يملأُ
هذا البياض.
رجلٌ مسنٌّ
يجلس على حافةٍ لمحلّ بقالة
يحلّ كلمات متقاطعة
قلمُه الزمنُ
والحقيقةُ عيناه].
يجلس على حافةٍ لمحلّ بقالة
يحلّ كلمات متقاطعة
قلمُه الزمنُ
والحقيقةُ عيناه].
..........................
[هذه الشامةُ فوق شفتيكِ
قبلةٌ ضلّت طريقها].
قبلةٌ ضلّت طريقها].
..................
[لئلّا أُفسح للوَحْدة أيّ مجالٍ نِمتُ في وسط السرير.
الوحدةُ تحتاجُ فقط إلى من يُعانقُها.
قوّةُ الوحدة أنّها لا تَنقسمُ على نفسها.
الوحدةُ لا تُلازمُ إلّا من هيّأ قلبَهُ معبداً لها.].
.....................
[الفكرةُ عصفورٌ يرفرف
العقولُ أشجارٌ تنظر إلى الأعلى.
العصفورُ ليس انتقائياً أو عنصرياً
والأشجارُ لن تُسعفها الأمنياتُ أو الابتهالاتُ،
العصفورُ سيغطُّ على تلك التي نضجت ثمارُها].
العقولُ أشجارٌ تنظر إلى الأعلى.
العصفورُ ليس انتقائياً أو عنصرياً
والأشجارُ لن تُسعفها الأمنياتُ أو الابتهالاتُ،
العصفورُ سيغطُّ على تلك التي نضجت ثمارُها].
.............................. .
[يا يتيم الزمان
لن تضمّك مائدة اللؤماء
فتعال، تعال
هذا عشاؤنا السريّ والأبدي
خذني قوتاً لك من خبز وخمر
واكسرني بعضاً من قربان
لا مقدساً بل من نسيان.
أيها الحزن
من يحدس بك ويلهج باسمك
غيري
فنحن توأمان
فتعال، تعال
لن يؤويك أحد
غير أخيك الإنسان].
لن تضمّك مائدة اللؤماء
فتعال، تعال
هذا عشاؤنا السريّ والأبدي
خذني قوتاً لك من خبز وخمر
واكسرني بعضاً من قربان
لا مقدساً بل من نسيان.
أيها الحزن
من يحدس بك ويلهج باسمك
غيري
فنحن توأمان
فتعال، تعال
لن يؤويك أحد
غير أخيك الإنسان].
من أدغال الحزن المعتّق تجيء توقيعات المبدع شربل أبي منصور لترجم بنعومة الرؤى في تطويقها للذات والغيرية والعالم.
وكأنها تجلد الذات من خلال عودة حلزونية إلى تاريخ الأخطاء الجميلة الأولى، وبالتالي لا يمكن لأنامل غير التي تسترق أو تستعير من المخزون الطوباوي عدل ما يرقى بالذات المعذبة ليبذرها في فراديس النسيان والتجاوز، بحيث تحقّق ما يشبه ضروب التملّص من مفاهيم أسر الجسد في تاريخانية المدنس والمعني بشتى أشكال الاتهام والذم والابتذال.
تصهل نصوص صاحبنا متشبّعة بالوعي المختمر في تلافيف الوحدة مضاعفة والوجع زائدا أيضا ورافلا بكابوسيته، كي تربك بفلسفتها القريبة ،وتقترح كؤوس الانتشاء الأبدي التي تتوسّع معه الذائقة وتسمو .
إنّك تقرأ للأديب اللبناني الجميل شربل أبي منصور المبدع شعرا ونثرا، باللهفة ذاتها التي تتابع له داخل دوائرها مترجما لعدد من عمالقة الشعر العالمي الجاذب ، أو مقتبسا عن مترجمين عرب أكفاء،ما يلون به محطات الروح العطشى للمطالعة العامة وغير المتخصصة ، هذه الروح الذوّاقة في انتمائها اللامشروط لشجرة الإنسانية مباهية بطراوتها وتراخي عناقيدها وتغلغل جذورها الممسوسة بسحر النهل من الأدبيات العالمية الحاضنة للتوأمة الكاملة والعادلة بين مختلف الألسن.
فقط بلّل روحك الحزينة بشيء من أريج،بمعية هذا العصفور الحزين وهو يطلق زقزقة العمر،موبّخا طقوسيات تخطّي القبلة الأولى ، قفزا إلى تلطيخ الجسد بسلطة المائيات ، لنكون نحن ثمارها وجنيها المرّ، في كثير من الأحيان ، إلاّ فيما نذر، لمّا نمكّن للملائكية المنوّمة فينا بالوظيفة الإعمارية والأدوار الطلائعية الإيجابية وزرع مشاتل المحبة والتعايش والتآخي والسلام.
هو مشهد جنائزي زاحف بضراوة ومؤذن بانقراض النسل جملة وتفصيلا، تحاول أن تحرث بعض أسراره أنامل شربل، وتختزل معناه في ما من شأوه صفعنا بقوة حدّ استمطار ما قد يستجلب ما فوق الصحو من صحو مشرع لعيون الضمائر شبه الميتة.
صحراء الآدمية المصطبغة بكل هذا الدم والدمار والزلزلة، لهي إحدى خطايا الماء العابث ، بحيث استطاعت تحويل الإنسان وصرفه عن الفطرة السليمة، في ألفية الجنون ، لتبرزه في صورة شيطان أكبر يتلمّظ معسول مسرحية استعراضية تلفظ أقصى مظاهر الإرهاب والتطرّف الحقود ، مسكونة بأغوى معاني الانقراض الحتمي الأخير.
فرجة بنكهة المرثاة، جلّنا مشارك فيها بصمته، وتسليمه المخجل بخطيئة الماء الأولى.
شاعر وناقد مغربي


