مرّت قبل أيام الذكرىالثانية والثلاثون لأغتيال الفنان الفلسطيني المناضل “ناجي
العلي”(1937ـ1987) ولم تحظ بالتغطية اللازمة عربياً كجزء من حالة الانهيار الفكري
والمعنوي لأمّة تأكل أبناءها.
ضمير المبدع هو شاهد أمّـته الذي يضطرب ويشعر بنذر
الخراب مثلما تستشعر آلات كشف الزلازل تمزقات الأرض المقبلة قبل أن تشعر بها
الحشود التي تسوقها العاطفة. وقد توقّع ناجي العلي هذه النُذر وأحسّ بها بقوة
انعكست في "العنف التعبيري" الذي وسم رسومه الكاريكاتيرية التي تابعها
المواطنون العرب في كل مكان داخل الوطن وخارجه. بل أحسّ بقيمتها وشدّة تأثيرها
أعداء الأمة وخونتها فأطلقوا عليه رصاصة الاغتيال القذرة يوم 22 تموز 1987 في لندن
ليفقد الوعي ويُنقل إلى المشفى يصارع الموت ثم تنتقل روحه الطاهرة إلى عليين يوم
29 آب 1987.
أحسّ ناجي العلي بنُذر الخراب السود هذه بقوة
فجسّدها في رسومه باللون الأسود بقوة وعنف أيضا ؛ عنف ساخر مرير يمزّق الأرواح
ويبكي العيون:
-
قبل ثلاثين عاما صوّر وقاحة فرش سياسات التطبيع مع العدو بحماسة وأمام
الأنظار ؛
-
صوّر الحكام العرب حيارى يهجمون على مَنْ: سوريا أو "اسرائيل" في
حالة وقوع هجوم على سوريا!!
-
صوّر مسخرة التحوّل لتحرير أفغانستان قبل فلسطين !!
-
توقّع الانخذال المخزي للحكام العرب إلى حدّ تهيئة مؤخراتهم
"للخوزقة" الصهيونية المقبلة!!
-
توقّع – مُنكراً – أن تتحوّل الخيانة إلى وجهة نظر!!
-
توقّع أن تستمرىء القيادات الفلسطينية الجلوس في أحضان الأنظمة والمراهنة
على أمريكا حدّ تضييع القضية كما حصل فعلياً !!
-
توقّع تحوّل نار الطائفية التي تحت الرماد إلى سعير وحرائق تعصف بوجود
الأمة فتحولها إلى دويلات !!
-
استشرف اليوم الذي يصل فيه الطغيان حدّ أن مجرد الكلام عن أمريكا والكيان
الصهيوني سيكون من المحرمات!!
-
وغير ذلك الكثير.
ولكن مقابل ذلك عاش ناجي العلي ومات وهو يراهن على
إرادة الأمة وشهادة أناسها البسطاء (ممثلين بشخصياته الشهيرة مثل حنظلة وفاطمة
وغيرهما) على هذا الخراب والتردي ومقاومته بالصبر والتحمّل الأسطوريين والتمسك
المستميت بالتراب الوطني المقدّس والزهد الأخلاقي والترفّع على الفساد فصوّر إصرار
المواطن العربي المُحطّم والعاري على الإيمان بثوابته ووحدة مجتمعه نابذاً التمزيق
الطائفي ومُصرّاً على النزاهة والشرف ومواجهة القوى الامبريالية برغم تجبّرها
فصوّر مُحذّراً من ثورة الجياع المقبلة.
ومن المهم الإشارة إلى نشر بعض المواقع والصحف
تصريحا لخالد العلي نجل الشهيد ناجي العلي بأن والده قد تنبأ وصوّر "ثورة
السكاكين" قبل ثلاثين عاماً (راجع شبكة فلسطين للحوار ووكالة معا في
الاسكندرية وموقع فلسطين) (وراجع الرسوم أدناه).
أترك رسوم ناجي العلي تتحدث عن استشرافه لنُذر
الخراب التي صارت حقيقة دامغة وجارحة وأتمنى على المواقع المؤمنة بدورها الثقافي
ومهمتها التنويرية الذي يتطلب التعب والكد أن تنشرها ولا تقتطعها فتضعف غايات
المقالة وتصوير دور المبدع الراحل:



