-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

مدينة البشرة العميقة خوليو كورتاثار ترجمه عن الاسبانية: ميشرافي عبد الودود

تقديم تُظهر إحدى الصور القديمة الملتقطة في حدائق باريس عام 1968 القاص والروائي الأرجنتيني خوليو كورتاثار (1914-1984) رفقة الأطفال المتحلقين حول
قامته الفارعة الطول التي تنحني على طفولتهم المرحة التي بدت ضئيلة، بنظرته المتعاطفة والمتفحصة لأدق التفاصيل الصغيرة، متأملا وهادئا على غير العادة، كما لو يتلقى قربانا. إنها المجاورة الرائعة الخلاقة التي حرص عليها دائما كورتاثار في المزج بين "الرؤية الطفولية والرؤية الراشدة".
أكثر من ذلك تمثل هذه الصورة انحيازا أنطولوجيا لعوالم الطفولة واللعب، كانتفاضة دائمة ضد العقلانية والمبادئ البرجوازية التقليدية؛ هي ما جعلت من صاحب "نهاية اللعبة" يعلن "انشقاقه الأدبي" مبكرا جدا، مبتكرا لغة متفردة تستخدم جميع التقنيات الرسمية، متسلحة بسخريتها الساحرة المدمِّرة ورؤيتها الدرامية المتعمقة لمآلية إنسان العصر الحديث.
لم يكف خوليو كورتاثار عن ممارسة لعبته المبدعة طوال حياته، بإصرار وعناد ومثابرة، مما لا نكاد نجده عند غيره من كتّاب ما بعد الحرب العالمية. شخصيته الفذة تجمع بين الاعتباطية والجدية، بين العبثية والالتزام الثوري، بين المتعة الأدبية الرهيبة والرغبة الملحة في إرباك القارئ،  فَـ"ليس غريبا، أن [...] العرض المتتالي للعديد من الظواهر غير المتجانسة يخلق على الفور فهما متجانسا مبهرا للأشياء" (كورتاثار).
هكذا سينتقل كورثاتار البهلواني المحترف، وينقل القارئ معه في حركات رشيقة خاطفة من "نهاية اللعبة" (1956) إلى "لعبة الحجلة" (1966)، وصولا إلى "حول اليوم في 80 عالما" (1980)، مقترحا مسارا مغايرا للقراءة يترك فيه للقارئ حرية التجول بين الفصول والحكايات التي خلط بمهارة أوراقها متعمدا، حتى يعيد القارئ ترتيبها بحسب رغبته واحتياجه للرتب في اللعبة المسلية؛ لأن "كورتاثار شخص يفكر عبر الصور ويكتشف في هذا المستوى منطقا تسلسليا وانفصاليا وانعكاسيا عن طريق طرح نمط معرفةٍ يمكن للشعر وحده تفعيلها في بعض الأحيان" (إيتالو كالفينو).
ينبغي تنبيه القارئ أن الدخول إلى عالم خوليو كورتاثار يشبه كثيرا التعرض إلى رشاشات مياه باردة متتالية غير متوقعة؛ القشعريرة في موعدها المحدد سلفا، لكن شعور الانتعاش والارتياح لن يتأخر لمن يستطيع الاستمرار في الوقوف تحت الصبيب السخي. فالقراءة هنا كممارسة تطهيرية جمالية لا تختلف عن ممارسة العشق المتوَّجة: "بعد القيام بكل ما يقومان به، نهضا، استحما، تبودرا، تعطرا، مشطا شعريهما، وارتديا ثيابهما. هكذا، أصبحا بالتدريج ما لم يكونا قبل الآن"، يلخّص كورتاثار المشهد الحميمي في إحدى أجمل قصصه.
ميشرافي عبد الودود
*****
  كل ذاكرة تختزن أشجانها، وذاكرتي – حيث توجدين، كوني متأكدة من ذلك – هي رائحة التبغ التي تأخذني إلى ليلتك المقتطفة، إلى عصف بشرتك العميقة. ليس التبغ الذي نعبّه، أو الدخان الذي يعْلَق بالحناجر، ولكن هذه الرائحة التي يتركها الغليون في الأصابع، تلك التي في لحظة، في حركة ذهول، تهب بسوط العذوبة مستثيرةً الذكرى؛ خيال ظهرك تحت القماش الأبيض للأغطية.
لا تنظري إليّ من أقصى غيابك بهذه الجاذبية الطفولية قليلاً، التي تجعل من وجهك قناع فرعون نوبي صغير. كان مقرراً سلفاً، كما اعتقدت، ألا نتعاطى غير المتعة، حفلات الكحول الطائشة، وشوارع منتصف الليل الفارغة. أحتفظ لك الآن بأكثر من ذلك. بيد أني في الذكرى أستعيدك مستلقية وعارية، كوكبنا الأكثر دقة كان هذا السرير، حيث تناسلت جغرافيات متراخية ومستبدّة من أسفارنا، من مراسينا المتناثرة السعيدة والمضطرمة، من حمولات سلال الفاكهة، أو رماة بالمرصاد، وجميع المستنقعات، جميع الأنهار، جميع التلال، وجميع السهول، جميعها بلغناها في الليالي المرهِقة، من خلال غموض مماحكات الأعداء والحلفاء. أيتها المسافرة منك، يا عجلة النسيان، بينما أمررّ يدي على وجهي، في حركة ذاهلة، رائحة التبغ في أصابعي أعادتك من جديد لانتزاعي من هذا الحاضر المكرور، وعرضتك، أيها الظبي، على شاشة هذا السرير، حيث عشنا سوياً لانهاية سراديب اللقاء العابر. تعلمت معك لغات موازية، لهندسة جسدك الذي ملأ الفم واليدين بفرضيات مرتجفة لنبرتك المغايرة، للغتك الجزيرية التي كثيراً ما أدهشتني. مع رائحة التبغ، أستعيد ذكرى مؤطَّرة تعانق كل شيء في لحظة تشبه الزوبعة، أعرف أنك همست لي – لا ينبغي علينا – ولم أفهم، لأنه ما من مبرِّرٍ، كما ظننت، لخوفك من اشتباك مداعباتنا التي حولتْنا إلى لفيفة خيوط بيضاء وسوداء؛ هاته الرقصة المتباطئة، حيث ألقى كلٌّ منا بثقله على الآخر، مستسلماً للضغط الخفيف للفخذين والأذرع التي كانت تلتفّ بكسل، وترتخي لتتعانق من جديد، مكرِّرة الانهمارات العالية العميقة، فارسة أو مهرة، صياداً أو غزالاً، خروفين متقاتلين، زوجي دلفين بنصف وثبة. عرفت لاحقاً، أن الخوف في فمك كان اسماً آخر للخفر والخجل، وأنك لم تتهيئي بعد لعطشي الذي طالما رويتِه قبل الآن، كنت تصُدينني متوسلة بطريقتك في إخفاء العيون، بضغط الذقن على الحنجرة غير تاركة لي سوى عش شعرك الأسود في فمي. همستِ – لا ينبغي فعل هذا – وفيما أنت مستلقية على ظهرك، نظرتِ بعينيك وثدييك، بشفاهك التي رسمتْ زهرة متراخية البتلات، كان ينبغي عليّ أن ألوي ذراعيك، وأبوح بشهوتي الأخيرة في سباق الأيدي عبر التلال العذبة، بينما أشعر بك تستسلمين شيئاً فشيئاً، ثم أطرحك جانباً حتى أجرِّد جدار ظهرك الناعم، حيث الكتف النحيلة تشبه جناح عفريت. كنت تتمنعين، ومن هذا الدلال كان ينبثق العطر الذي يصلني الآن بحيائك، قبل أن يجرفنا تحالف آخر وأخير، في الرعشة الكبرى. أعرف أنني أغمضت جفوني، لعقت ملح بشرتك، وانحدرت مطيحاً بك، حتى أحسست بحقويك يضيقان كجرة تضغط اليدين عليها لمناولة القربان، فيما تسنى لي عند نقطة بالذات أن أتلاشى في الممر الضيق، الخفيّ، الذي انغلق على متعة شفاهي، حيث غمغم خفرك من أعاليك، من أقاصيك بآخر مقاومة متروكة.
مع رائحة التبغ الخفيف، يعود النشيج، رجفة ذلك اللقاء الغامض. أعرف أن فمي طارد فمك السحري المرتعش، شفتك المزمومة على خوفها، الخط العريض بلونه الوردي البرونزي يسْلمك إلى منتهى سفري، وكما يحدث دائماً، لم أشعر في الهذيان بما استحدثته لي الذكرى من خلال رائحة التبغ الغامضة، لكن عبق الطحالب، وقرفة الظلال شقت طريقها عبر النسيان الضروري العفوي. إنها لعبة خارقة من الجسد في إخفائه عن الادراك ما يثير مدافع النيران الأكثر كثافة وشراسة. لم يكن لا الطعم، ولا الرائحة، مملكتك السرية التي انفتحت للرؤية واللمس. والآن، الآن فقط، أصابعي الملطخة بالتبغ صدفةً تعيد لي اللحظة التي انتصبتُ فوقك للمطالبة بحق العبور؛ وفتح المسافة الفاتنة، حيث حاك حياؤك دفاعاته الأخيرة. هنا فقط بفمك الغريق في الوسادة، أجهشتِ بضراعة امتثال مبهم، بشعرك المنفوش. فهمت متأخراً جداً، أنك هكذا تنازلت دونما شعور بالعار عن مدينة بشرتك العميقة، بآفاقها المتلونة، بعد آليات حصارات خارقة، بعد مماحكات ومعارك عديدة.
في رائحة التبغ الغامضة التي تلطخ أصابعي الآن، تنبعث الليلة التي عرفتِ فيها، للمرة الأولى والأخيرة، شعور المهانة. أستنشق في الماضي عطر جسدك الأكثر حميمية، أود لو أنني لا أفتح جفوني على هذا الحاضر، حيث أقرأ وأدخن، كما لو كنت حيّاً.
ترجمه عن الاسبانية: ميشرافي عبد الودود

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا