ما أفرطنا في الكذب قط. وما كذبنا بصفاقة، وما كان ذلك دأبنا كما هي الحال اليوم.
وقد يقال لنا إن الأمر على خلاف ذلك، فالأكاذيب قديمة قدم العالم، أو قل إن
الإنسان، في كل الأحوال كاذب بالطبع، mendax ab initio؛
فالتاريخ ما انفك يعلّمنا أن الكذب السياسي، نشأ بنشأة المدينة نفسها؛ ومن دون
العودة إلى الأزمنة الغابرة، بلغت عملية التعبئة في الحرب العالمية الأولى، وبلغت
الأكاذيب الانتخابية في الحقبة اللاحقة لها، مستويات مرتفعة وحققت أرقاما قياسية
يعسر تجاوزها.
هذا، مالا
يرق إليه شك، أو يكاد. فالإنسان يعرّف حتما بالكلام، الذي يترتّب عليه احتمال
الكذب، -ومن دون أن نثير استياء بورفير Porphyre-
يختص الإنسان بالكذب، أكثر مما يختص بالضحك. لا ريب أن الكذب السياسي وكذلك قواعد
وتقنيات ما كنّا نسمّيه في الماضي “ديماغوجيا”، وما نسمّيه في الحاضر “بروباغندا”،
قد تم تنظيمها وتقنينها باستمرار منذ آلاف السنين[1]؛ وما تزال آثار هذه التقنيات، وآثار
بروباغاندا الإمبراطوريات المنسية المندثرة، تخاطبنا إلى اليوم من أعالي جدران
الكرنك وجبال أنقرة. ولا مراء أن الإنسان لا يفتأ يكذب. يكذب على نفسه. وعلى
الآخرين. يكذب بداعي المتعة – متعة استعمال هذه الملكة العجيبة في ” أن يخالف
الواقع ” ويبتدع بقوله عالما يكون فيه مصرّف الكون ومدبّرَه. وهو يكذب أيضا لينافح
عن نفسه، إذ الكذب هو السلاح المفضّل لدى الوضيع والضعيف،[2] الذي يثبت ذاته للخصم وينتقم منه حين
يخادعه[3]. غير أننا لن نعرض هنا لتحليل ظواهري
للكذب، ولا لدراسة المكانة التي يشغلها في تركيبة الكائن البشري، فهذا ما تتّسع له
أسفار بأكملها. إن ما نريد أن نختصه بشيء من التأمّل هي أكاذيب العصر الحديث، لا
سيما الأكاذيب السياسية. فعلى الرغم من ضروب الانتقاد التي ستسلّط علينا، والتي
سنسلّطها على أنفسنا، فإننا نظل مقتنعين، وما بالعهد من قدم (quo nihil antiquius)، بأن عصرنا الراهن، أو تحديدا الأنظمة
الشمولية قد جدّدت في الكذب أيّما تجديد. لا ريب بأن التجديد لم يكن كلّيا، إذ
انحصر عمل الأنظمة الشمولية في دفع بعض التوجّهات، وبعض المواقف، والتقنيات
السابقة للأنظمة، إلى حدودها القصوى. غير أنه لا جديد كلّيا في العالم، فكل شيء له
أصول وجذور، وهو يحمل بذرة وجوده، وكل ظاهرة، وكل فكرة، وكل نزعة ندفع بها إلى
أقصاها، تتغيّر وتتحوّل إلى شيء مختلف جدا. لذلك، أؤكد القول بأننا لم نفرط في
الكذب كما هي الحال اليوم، وإننا لم نكذب على نحو واسع النطاق وشامل مثلما نفعل
اليوم. ما كذبنا قط بهذا القدر… وإنه، ليغمر العالم سيل من الأكاذيب يوما فيوما،
وفي كل حين، وإنّا لنكذب في المنطوق، وفي المكتوب، في الصحافة، وفي الإذاعة … وقد
سُخّر كل التطور التقني في خدمة الكذب. إن إنسان العصر الحديث – وأعني هنا أيضا،
الإنسان الشمولي – يسبح في الأكاذيب، ويتنفسها، يتحكم فيه الكذب في كل آونة من
حياته[4]. أما من حيث الكيف – ونعني به الخاصية
الفكرية – فقد تطور الكذب الحديث في اتجاه معاكس لمقداره، وهو ما سنتبيّنه لاحقا.
يتسم الكذب الحديث – وتلك خاصيته التمييزية – بكونه يُصنع بوفرة ليستهدف
الكثرة. غير أنه لامناص لكل إنتاج ضخم – لا سيما الفكري- الذي يستهدف الجمهور، من
أن يتدنّى بمعاييره. وإن
كان لا شيء يعدِل تقنية البروبغندا الحديثة صعودا، فإنه لا شيء يعدل وضاعة مضمون
مزاعمها، التي تفصح عن ازدراء مطلق وكلّي للحقيقة، بل وحتى لمجرّد الاحتمال.
ازدراء لا يضاهيه سوى- ما ينجر عنه – من استخفاف بذكاء من يلقى إليهم
الخطاب.