-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

الغياب والبعث الجديد في رواية شعيب حليفي “لا تنس ما تقول”

في روايته الجديدة «لا تنس ما تقول» الصادرة عن دار الهلال القاهرة 2019 وفي طبعتها الثانية في السنة نفسها عن منشورات القلم المغربي، يعيد الكاتب والروائي
المغربي شعيب حليفي الصدارة لعالم الأمكنة والأزمنة من جديد، ويمنحها قوة الاستمرار والامتداد لتأخذ الحيز الواسع في سردياته، مثلما فعل في رواية «السطات» الصادرة السنة الماضية. في هذه المغامرة الجديدة المغرقة في ثنايا تاريخ مدينة الصالحية، يحلق الكاتب في أفق يسير فيه الواقع والمتخيل جنبا إلى جنب. تجعل من بقعة أرضية أسطورة باذخة لا تعيش في ظل القلعة الكبرى، حيث تزخر يومياتها بمتعة سرية ومرارة مناجاة سحرالزمن الماضي، المدثر بسر أنشودة البعث وحلم الميلاد الجيد. رواية تلج بجرأة غمار التقلبات وسراديب قدر الهجرة والرحيل، ثم العودة الموصودة بالبحث عن البدء وبعث الامتداد. في لغة انسيابية ذات استعارات، لا تشبه الكلام، يجعل حليفي من هذا الهوس الفائض بعشق أهل الصالحية، لقاءات بشرية وحوارات حبلى بخطاب همه الأول نفض غبار تراكمات الدهر، عن أسفار عهد توارى عن السجلات الرسمية، لكنه حاضر في غياهب الذاكرة الشعبية.
نفض نسيج عنكبوت عن ألواح غيبتها آيات الانتصار وغمزات العز والانتشاء. فعبر النبش في السطورالمستترة وراء واجهة الحكايات المزملة خلف أطراف التاريخ، خلف الدفاتر المدرسية الرسمية، تنبلج أنشودة منسوخة المنشأ، مجثتة البدء ما لها من قرار، فيحيك حليفي خيوط ملاءتها برسوم ترشح بألوان محكيات المعاش اليومي ويمدها بصور من وحي الخيال، لتعانق واقعا حاضرا يحوم حولها كطيف، فيلملم أشتاتها ليمنحها شرايين الحياة.
يحملنا حليفي معه مرة أخرى عبر المدن في رحلة تستقي توجهها من فيض الفضاءات، التي تعيش بعيدة عن الأضواء، بعيدة عن زخم القلاع الكبرى، ليعيد لها سر لمعان ماضيها المبعثر بين الكائن والمؤمل. في رواية لا تنس ما تقول، يتداخل التاريخ المكتوب على عتبات الولاة وتاريخ شفوي مسطورعلى ألواح حكاية صففتها الذاكرة الشعبية، مع تاريخ تناقلته خزُانات بشرية متوارثة وخبأته رغما عن عيون الوشاة في سراديبها السرية، ليبقى نبراسا للأجيال الآتية.
في هذا التداخل بين الخرافي والمتخيل، الواقع بالمتوقع، ينبث كم من الحكايات تفترق وتتآلف فيها حياة أناس الصالحية، وتتوالد منها أساطير ترحل مع الريح، ثم تعود مع الطيورالمهاجرة راسخة ممجدة، وكأنها عين القين. فالسرد في «لا تنس ما تقول» يشبه سمفونية البوليرو، تتصاعد، تتوالد تزداد قوة تخلق من الحكاية حكاية وكل السرد يقوده شخصان، جعفر وشمس الدين، في رباطهما الخاص بمدينتهما الصالحية. فعن هذا الرباط بالمدينة تتفرع حكايات الحب والبغض والأحلام المؤجلة والآمال والخيبات ذات الذيول الملتوية والعوز واليسر. كل يسائل تاريخا يحاول أن تجد له من خلاله وجودا في الحياة اليومية، يحاول أن يستمد من هذا التاريخ قوة الاستمرار «من لا تاريخ له، لن يخطو نحو المستقبل بشكلٍ طبيعي. ومن لا ذاكرة له، لن يستطيع التحديق في الشمس». هكذا يقول الراوية وهي تتنفس الحكايات، تجعل منها منفذا تتخطى به عتبات الصالحية، لتنفرج على منطقة خصوبة وثراء حضاري وتاريخ دموي، منطقة انسياب وجريان تامسنا الواقعة بين يدي واد ام الربيع وواد بورقراق، هنا قامت دولة البرغواطية لزهاء ثلاثمئة سنة مستقلة عن السلطة الرسمية، هنا أقام صالح بن طريف، دينا وقانونا بلسان قومه الأمازيغ، هنا واعد الجد الأكبر، المهدي المنتظر، مؤسس الصالحية بعد رحيله إلى الشرق، بالعودة من جديد في الدولة السابعة من الملوك البرغواطيين. إلا أن المرابطين أورثوه غمة كبرى حيث قضوا بعد حرب طويلة على دولته، لكن وإن اختفى ابن طريف في طيات التاريخ، فالرواية تعيد هذا الاختفاء في شخص شمس الدين، كما تعيد المعتقد في العودة الموعودة في ثوب جديد، في خرافة عصرية تتحدث على لسان شخوصها، وعن معتقدهم بالعودة الروحية للجد الأول طريف.
يختفي شمس الدين في الرواية غير أنه سيعود ليبقى الوعد قائما وحيا وعليه أن يتذكر ما قال وواعد به من العودة. فالتاريخ يعيد نفسه، وجعفر المثقف المناضل لا يستطيع أن يكتب تاريخا غير تاريخ بويا صالح، حيث أن هذا الهوس بالأسطورة يجعل كل ما دونها غير الحقيقة، «أما باقي التواريخ غير تاريخ بويا صالح فهو زور وبهتان»، جعفر يمثل ماضي الصالحية مهربا لأهلها ومن حولهم. فعند اشتداد الأزمات الاقتصادية والسياسية، وعند تعاظم الخطب و«الطوفان يغرقنا»، مهربا إلى الماضي المتوغل في طبقات الزمن، الذي يمنح ولو عن طريق التمني، انتظار وعد طريف بالعودة من تامسنا، أملا في ترسيخ الهوية حتى يبقى أهلها تامسناويين. من تمسنا مرّ بنو هلال، الزناتيون، وقبائل الأعراب من تونس وقبائل هوارة. من تامسنا مرّ محيي الدين ابن العربي في طريقه إلى الشرق، ولسان الدين ابن الخطيب، وابن بطوطة والحسن الوزان وابن خلدون، من تمسنا مرّ المهاجرون الأندلسيون، من تامسنا مرّ الغزاة والمستعمرون، من تمسنا مرّ الصالحون المسالمون والمجرمون في طريقهم جنوبا وشرقا. من تامسنا يمرّ الحلم وهو يجر خيوطه الواصلة الصالحية بقباب السماء، من تامسنا يعبر العابرون إلى الأماني الفياضة في القلعة الكبرى، الحالمون بالطفرة الكبرى، التي تفجر الثراء. فالصالحية تمثل في الرواية نقطة انطلاق وعبور إلى العوالم المحيطة بها، إلى العوالم البعيدة المحسوسة في قوة التخيل فقط. الصالحة هوس للمقيم بها، هم وإدمان للخارج عنها. فالحياة في الصالحية، «كأنها نهر عابر أو سحابة طويلة لا تسبح في خط مستقيم.. هكذا هي مصائر أهلها المطبوعة بالغرابة والمصادفات. لهم خصائص يشتركون فيها، مثل طريقة التفكير والتأمل التي تتغير باستمرار».
إن رواية «لا تنس ما تقول» هي رصد لحياة الناس في الصالحية وما حولها من الدواوير كحياة يتزامن فيها الروائي بالتاريخي والخرافي الذي يميل إلى أن يكون حقيقة حية في عمق ذاكرة السكان، حيث تسيرالحياة وفق أعراف وقوانين ثابتة يعيش الناس معها على حكايات من الشجاعة والحكمة تملأهم فخرا ورضا، رغم مأساويتها، فقد صنعوا من دوار أولاد المسناوي نواة أولى إلى الصالحية، التي عاش فيها صالح ابن طريف، كما أورثوا شمس الغنامي من سلالة بويا صالح عودة الروح كسر ينام في حضن الأمل. فالتداخلات السردية في رواية حليفي تحملنا معها في جولات بطولية بين الحاضر والماضي، لتسقط عن هذا الأخير قدسيته المتواصلة من غير تبرير والماضية مع ذوبان الأيام، كسيرة ذاتية لمدينة يرويها شخوصها من زوايا متعددة. تارة تمتطي صهوة الريح وتغرق في قرون بعيدة عن دائرة الزمن، وأخرى تتحول إلى حكايات الحكواتيين خارج أسوار المدن، الذين يلهبون المشاعر بحكايات لا تقيدها خطوط حمر أو قواعد لعبة محددة. وتارة أخرى تتقارب من المدن الكبرى بزحامها وكثافتها، حيث يعيش أحد عمودي الرواية شمس الدين، «بين زمنين يسيران في اتجاهين مختلفين وبسرعتين فارقتين». بين الحياة في القلعة الكبرى (الدار البيضاء) حيث يعمل داخل هذه المجرة الدائمة الحركة والتقلب، وسر حب ممدود من هناك حتى مشارف الصالحية. فشمس الدين دائم العودة إلى الصالحية، عودة كل يوم خميس ليمضي فيها يومين أو أكثر هناك. هذه العودة اليومية إلى الصالحية، «ليست فقط لزيارة أبويه الكبيرين، أو تفقد أملاكه الفلاحية، وإنما لكونه يضيق من ضغط القلعة الكبرى، ففي الصالحية يلتقي بأصدقائه من القبيلة مستمتعا بليل لا ظلام فيه». عودة شمس الدين إلى الصالحية، هي طقس أسبوعي، طريق نبؤة عودة بويا صالح. فإيمان الصالحيين بعودة أيام تامسنا وإيقاضها من ركودها، لا يحتاج إلى تأويلات تقتل المعاني الجميلة وتفشي أسرارها المتوارثة. عودة تفشي في الوقت نفسه، ضيق حليفي نفسه بالقلعة الكبرى، التي يعمل فيها. من هنا يأتي عشق رواياته للأماكن الثانوية جنوبا من القلعة الكبرى بحثا عن الصفاء والفطرة الأولى من هنا يأتي البحث عن جذور الهوية الملازمة، التي ضاعت بين دروب المدن الكبرى. من هنا تبدو شخصيات روايته غيرعادية لا يحتويها زمن بعينه، بل تمتد على طول مساحة أزمنة متعددة وتقطع المسافات اللامتناهية. لا تملكها حقيقة معينة، إنها دائمة البحث والتجوال وطرح الأسئلة حول الفصل بين الواقع والحقيقة. فجعفر المسناوي لا يرى الواقع إلا مجرد حكاية حيث، «أن عالم الحقائق انتهى ولم يعد موجودا. وما تبقى من الزمن هو للحكاية الطويلة التي أنقدتهما (وصديقه شمس الدين) من الفراغ، أو تؤجله إلى زمن بداية جديدة تظهر فيه حقيقة جديدة». إن هم رواية «لا تنس ما تقول» ليس هو احتواء عالم الصالحية المتوالد بزخم تموجاته التاريخية واليومية وحسب، بل تتعداه إلى رسم لوحات ترزح تحت هموم التحولات السياسية في فضاء محيطها وخليجها، حيث تتم استعارة الدلالة الفنية للعبور من خلالها إلى الهم السياسي الواسع.
ففي الفضاء المسرحي بفرقته الوطنية حيث الانتصار والهزيمة، المسارالتراجيدي وحلاوة الكوميديا، الانتخابات والفوز بالرئاسة الفرقة المسرحية، حيث الوعود والمعارضة والرفض والاختلاف الأيديولوجي، والانقسامات حول المداخيل المالية. تبصم الرواية موقفها من لعبة الأوضاع السياسية في إطار فني مسرحي حيث الديكتاتوريات تجول في انتصارات مزهوة وتغلق باب الحوارات العقلانية. في هذا الإطار الفني يعري حليفي الأقنعة عن الوجوه، ويبين الأدوار كيف تحاك وكيف يتم ترتيبها فقد «أضحى معها القجايمي بطلا وطنيا بمسرحياته التي أضحكت الملايين، ومنحتهم فرصة أخرى لم تكن من قبل، نسيان جراح قديمة برأت وهم يضحكون. فقد سكنهم بعدما أقنعهم أنه أخرج منهم الجن التي كانت تسكنهم وتنغص عليهم حياتهم».

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا